غزة-“القدس العربي”: وسط تحديات داخلية وخارجية، انطلقت حركة فتح التي يتزعمها الرئيس محمود عباس، في طريقها لتشكيل “حكومة فصائلية” جديدة، سيقتصر التمثيل فيها على فصائل منظمة التحرير، وعلى الشخصيات المستقلة المنتمية تحت لواء المنظمة، وذلك بعد تكليف الرئيس للدكتور محمد اشتية أحد أعضاء اللجنة المركزية برئاسة هذه الحكومة، التي تحمل الرقم 18 منذ تأسيس السلطة الفلسطينية عام 1994.
وبالرغم من بدء المشاورات الرسمية التي تقودها حركة فتح ورئيس الحكومة المكلف، مع العديد من فصائل المنظمة التي أبدت موافقتها مسبقا على المشاركة، ومع الشخصيات المستقلة، من أجل الاتفاق على توزيع المناصب الحكومية، إلا أن تلك التحركات وما سبقها من عملية تكليف لاشتية، شهدت خلافا فلسطينيا داخليا كان متوقعا.
ففي الوقت الذي رحبت فيه حركة فتح ومعها فصائل ومؤسسات رسمية من المنظمة بالحكومة المنتظرة، إلا أن هناك من عارضها بقوة، وفي مقدمتهم حركة حماس.
فحركة فتح التي تريد لهذه الحكومة أن تبصر النور قريبا، وتسعى إلى رفدها بكفاءات تنظيمية لها خبرة في مجال العمل الحكومي، في ظل الواقع السياسي الصعب الذي تعيشه القضية الفلسطينية، جراء المخططات الأمريكية الإسرائيلية الرامية لتصفيتها، أكدت على أهمية دعم ومساندة هذه الحكومة.
وقال محمود العالول، نائب رئيس حركة فتح، إن هذا التكليف من قبل الرئيس بتشكيل حكومة جديدة يعد “في غاية الأهمية، في هذه المرحلة الاستثنائية والصعبة التي تواجهنا” وأكد كذلك أن المهمة الأولى لهذه الحكومة التي جاءت في ظروف صعبة وضغوط هائلة تتعرض لها القضية، ضمن محاولات لإنهاء القضية الفلسطينية وشطبها ستكون “الصمود ومواجهة هذه التحديات”.
وفيما يتعلق بموقف حركة حماس الرافض لتكليف اشتية بتشكيل حكومة جديدة، قلل نائب رئيس حركة فتح من أهمية هذا الرفض بالقول “إن حماس اعتادت على هذه المواقف” معبرا عن أمله في تحقيق الوحدة الوطنية “حفاظا على قضيتنا الوطنية وعاصمتنا القدس لأن الوحدة مبدأ أساسي لحركة فتح”.
وفي السياق امتدحت حركة فتح كذلك قرار الرئيس عباس، بتكليف اشتية، وقالت إن قرار التكليف “يشكل وثيقة وطنية حول أولويات العمل الوطني في المرحلة الراهنة” وأشارت إلى أن قرار التكليف في البند الأول منه إلى يشير إلى العمل على استعادة الوحدة الوطنية، وإعادة غزة إلى الشرعية الوطنية وتكليف الحكومة بالعمل على تنظيم انتخابات عامة في المحافظات الجنوبية والشمالية والقدس، وهذا يعكس إصرار الرئيس أبو مازن على إنجاز الوحدة الوطنية، وتنظيم الانتخابات.
وأكدت حركة فتح، أن الحكومة المقبلة هي “حكومة وحدة وثوابت وطنية” لافتة إلى أن تكليف اشتية لرئاستها جاء لـ “تعزيز صمود شعبنا والدفاع عن المقدسات”.
ورحب المجلس الوطني الفلسطيني بقرار الرئيس عباس تكليف اشتية بتشكيل الحكومة، وأكد تقديم كافة أشكال الدعم والتعاون معه لـ “إنجاز مهمته الوطنية، في ظل هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها القضية الفلسطينية”.
وأعرب رئيس المجلس سليم الزعنون، عن ثقته بقدرة اشتية على القيام بمهامه بكفاءة عالية، وتنفيذ ما ورد في كتاب التكليف الذي حدد الاستراتيجية التي يجب على الحكومة الالتزام بها، وعلى رأسها دعم جهود استعادة الوحدة الوطنية وعودة غزة إلى “حضن الشرعية الوطنية” واتخاذ الإجراءات اللازمة لإجراء الانتخابات التشريعية في كافة أراضي الدولة الفلسطينية.
كما رحبت فصائل من منظمة التحرير بالتكليف، وقالت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني في بيان لها “إن هذا التكليف يأتي في ظل مرحلة سياسية دقيقة وحساسة تستوجب حكومة فلسطينية جديدة تستجيب لطبيعة المرحلة بكل منعطفاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية”.
ورحب بسام الصالحي الأمين العام لحزب الشعب بقرار الرئيس عباس بتشكيل الحكومة، وذكر الصالحي أن الرسالة الأهم التي يجب ان تصدر منها هي “السعي لإنهاء الانقسام” مشددا على أن الحكومة الفصائلية المقبلة سيكون أمامها تحد كبير من ناحية التحضير لإجراء الانتخابات، وأيضا تحسين الوضع الاقتصادي للمواطنين وخفض الضرائب. لكن الصالحي قال إن حزبه لم يتخذ بعد قرارا نهائيا للمشاركة، مؤكدا ان لقاء سيعقد مع رئيس الحكومة المكلف، ومن ثم ستقرر اللجنة المركزية للحزب المشاركة من عدمه في هذه الحكومة.
هذا وقد وافقت أيضا أحزاب أخرى من المنظمة على المشاركة في هذه الحكومة، كجبهة التحرير الفلسطينية والجبهة العربية.
رفض في الجانب الآخر
لكن حركة حماس، ومعها فصائل أخرى من منظمة التحرير، انتقدت عملية التكليف والتوجه إلى تشكيل حكومة بهذا الشكل، ودعت لحكومة وحدة وطنية.
وقال أحمد بحر النائب الأول لرئيس المجلس التشريعي المنحل، إن الحكومة الجديدة “غير دستورية وغير قانونية، وتعبر عن فشل سياسي كونها لن تنال الثقة من المجلس التشريعي ولن تحظى بالمصادقة عليها حسب القانون والدستور الفلسطيني”.
وأضاف بحر وهو من قادة حماس، التي رفضت قرار حل التشريعي سابقا “تكليف عباس لاشتية بتشكيل حكومة، خروج عن المسؤولية الوطنية وقفز وتلاعب بنتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة” معتبرا أن هذه الحكومة تعد “حكومة انفصالية بامتياز وتسعى لتطبيق فصل الضفة الغربية عن قطاع غزة في إطار صفقة القرن” وأنها أيضا تسعى إلى “تعزيز الانقسام الداخلي وتقضي على أي بارقة أمل في تحقيق الوحدة الوطنية والتوافق الداخلي” وستزيد من الأزمة الفلسطينية الداخلية، وستدفع الوضع الفلسطيني الداخلي نحو مزيد من التردي والتدهور، وطالب بمقاطعة هذه الحكومة ومواجهتها.
كما قال الناطق باسم حماس فوزي برهوم إن تشكيل حكومة جديدة دون توافق وطني يعد “سلوك تفرد وإقصاء، وهروبا من استحقاقات المصالحة وتحقيق الوحدة”. وأكد أن حماس “لا تعترف بهذه الحكومة الانفصالية كونها خارج التوافق الوطني” ورأى أن المدخل الأمثل لتصحيح الوضع الفلسطيني هو تشكيل حكومة وحدة، وإجراء انتخابات عامة.
وفي السياق، انتقدت الجبهة الديمقراطية أحد فصائل المنظمة، التي رفضت سابقا المشاركة في الحكومة، عملية التكليف، وقالت إنها ترى أن حكومة جديدة، بالصيغة الفصائلية التي دعت لها اللجنة المركزية لحركة فتح “لا تشكل في المرحلة الحالية أولوية وطنية، تلبي الاستحقاقات السياسية المطروحة”. وقالت إن هذه الخطوة “تعمق الانقسام” ودعت لمعالجة الأوضاع داخل منظمة التحرير وتصويب وتصحيح العلاقات بين فصائل المنظمة على قواعد الائتلاف والشراكة الوطنية، وبعيداً عن “سياسة التفرد والاستفراد بالقرار السياسي والتنظيمي والمالي”.
وكانت الجبهة الشعبية أحد فصائل المنظمة التي رفضت المشاركة في الحكومة، قالت على لسان القيادي فيها زاهر الششتري، إن تشكيل السلطة للحكومة في الوضع الحالي “سيؤدي إلى مزيد من الانقسام في الساحة الفلسطينية” عادا أن تشكيلها في ظل رفض الفصائل الفلسطينية يعد “جزءا من حالة التفرد والهيمنة في الساحة الفلسطينية”.
وفي ظل وجود فريقين مؤيد ومعارض للحكومة المرتقبة، فإن الطريق لن يكون ممهدا لها بالورد لأداء مهامها، خاصة في ظل عدم سيطرتها على قطاع غزة، وعدم تمكن الحكومات السابقة التي تلت عملية الانقسام، من إنهاء هذه الحقبة حتى اللحظة، خاصة وأن تشكيلها يأتي مع تصاعد الخلاف الداخلي بين فتح وحماس، وداخل منظمة التحرير، حيث لا يزال هناك فصيلان منها، يقاطعان اجتماعات المجلس المركزي والوطني، وهما الجبهتان الشعبية والديمقراطية.
تحديات
كما سيكون أمام هذه الحكومة تحديات سياسية كبيرة، في مقدمتها مواجهة “صفقة القرن” التي تنوي الإدارة الأمريكية طرحها قريبا، وكذلك مواجهة المخططات الإسرائيلية الاستيطانية في الضفة والتهويدية في القدس المحتلة، وعمليات احتجاز أموال الضرائب الفلسطينية.
ومن المقرر في حال بقي الجمود السياسي على حاله، وتنكر إسرائيل للاتفاقيات الموقعة، أن تقود الحكومة المقبلة عملية تطبيق قرارات المجلسين المركزي والوطني، الخاصة بتحديد العلاقة مع إسرائيل، خاصة تلك المتعلقة بوقف التنسيق الأمني، وإلغاء العمل بـ “اتفاق باريس الاقتصادي”.
وقد أكد الدكتور محمد اشتية، المكلف من قبل الرئيس محمود عباس بتشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة، أن حكومته ستعمل بـ “خطين متوازيين” في غزة، وأضاف خلال مقابلة تلفزيونية حين تحدث عن الانقسام “قطاع غزة قطاع حبيب على قلوبنا، والهم الذي يعيشه المواطن في غزة غير مسبوق” لافتا إلى ارتفاع نسب تلوث المياه والانقطاع الطويل للتيار الكهربائي، وإلى ارتفاع نسب البطالة والفقر، لكنه قال إن ذلك يكون من خلال إنهاء الانقسام.
وأوضح أن الخط الأول سيكون من خلال مساعدة الناس بما تستطيع الحكومة تقديمه من خدمات، والخط الثاني سيكون من خلال انهاء الانقسام، الذي أكد على ضرورته من أجل إفشال “صفقة القرن”.
وأضاف أن حكومته ستكون لـ “الكل الفلسطيني” منوها إلى أنها ستكون مفتوحة للجميع، وستضم فتح وقوى ووزراء من غزة والضفة والقدس. وحول مشاركة حماس في حكومته قال “إذا لم تشارك حماس في الحكومة، ستبقى الأبواب مفتوحة، وحال انتهى الانقسام، فالكل سيكون جزءا منها”.