لندن -“القدس العربي”: أقرت الحكومة اللبنانية الجديدة بيانها الوزاري، ولا يظهر فيه أي إشارات إلى خطة حقيقية لمعالجة الأزمة الاقتصادية والمالية التي باتت تطال كل أعمدة الاقتصاد اللبناني.
وأشار وزراء إلى التزام الحكومة بخفض عجز الموازنة، الذي وصل عام 2018 إلى حوالي 4.8 مليار دولار بعد أن كان حوالي 155 مليون دولار عام 2017 أي أنه ازداد العجز بنسبة 96 في المئة إثر نزف الودائع والعملات الأجنبية من لبنان. ولم يذكر البيان أي إصلاح للنظام الضريبي، ولا تطرق بشكل فعال إلى كلفة الدين العام التي تأكل من الميزانية نسبة معتبرة. علماً أن “غولدمان ساكس” كان قد حذر الشهر الماضي، من ضرورة إعفاء الدولة من نسبة من الدين العام (الذي تملك معظمه المصارف المحلية)، الأمر الذي رفضته المصارف مباشرة وتم حذفه من الحلول المحتملة. تبع تحذير “غولدمان ساكس” خفض “موديز” لتصنيف لبنان الائتماني إلى “خردة” خوفاً من تخلف الحكومة عن سداد ديونها، ما أدى إلى تضاعف نزف العملات الأجنبية من لبنان، إلى حد أجبر مصرف لبنان على الطلب من الشركات المالية (غير المصرفية) التي تتلقى تحويلات اللبنانيين من الخارج بعملات أجنبية، أن تسلم التحويلات إلى أهلها بالليرة فقط، ليتمكن المصرف من منع العملات الأجنبية من الخروج من البلاد ولإعطائه مصدرا جديدا لتعزيز احتياطاته من الدولار( ضرورية للمحافظة على سعر صرف الليرة مقابل الدولار) الذي انخفضت عام 2018 بحوالي 2.8 مليار دولار. والمصارف، منذ أشهر، تعرض على أصحاب الودائع بالليرة اللبنانية، فوائد شهرية تساوي الفوائد التي كانوا يحصلونها سنويا كي لا يحولوا ودائعهم إلى حسابات بالدولار.
لم ينص البيان على إصلاحات سوى ما أتى به مؤتمر باريس “4 سيدر” التي تترتب عليها سياسات تقشف لخفض النفقات بنسبة 20 في المئة وزيادة الواردات، إلا أنه لا يتضمن زيادة الضرائب على أصحاب الثروات والمصارف، بل يعفيهم من تكلف أي من نفقات الخروج من الأزمة. جدير بالذكر أنه لا تشكل الضرائب الآتية من الشركات الكبرى سوى 6 في المئة من ميزانية الدولة (و5.5 في المئة من الضرائب على الودائع)، علما أن تدني الضريبة المفروضة على الشركات لا تساهم في تحفيزها على الإنتاج، ولا ينجم عنها زيادة في التوظيف، إذ لا ينتج سوق العمل اللبناني سوى 11 في المئة من الوظائف المطلوبة سنوياً، وقد وصلت نسبة البطالة، حسب تصريح الرئيس ميشال عون، إلى حوالي 50 في المئة إضافةً إلى ذلك، وصل التضخم، عام 2018 إلى معدلات غير مسبوقة 7.6 في المئة، أي أنه ارتفع بنسبة 4 في المئة من عام 2017. كما ارتفع مؤشر أسعار المستهلك إلى مستويات خطيرة 7.7 في المئة، وفقاً لأرقام معهد الاستشارات والأبحاث. كما يقع حوالي ثلث سكان لبنان تحت خط الفقر (المعدل لا يشمل اللاجئين). أما الدين العام، الذي لم تعد المؤسسات الدولية تؤمن بأن الدولة اللبنانية يمكنها سداده، رغم تاريخ من عدم التخلف عن الدفعات (ما سمح للسندات التي تصدرها الحكومة بالحفاظ على أسعارها، إلى جانب فوائد مرتفعة) بات يساوي 150 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
ومن المتوقع أن تزور لبنان شركة تصنيف أخرى هي “ستاندر أند بورز” ليس من المتوقع أن تخفض تصنيف ائتمان لبنان مباشرة بل ستعطي الحكومة الجديدة الفرصة للعمل على تنفيذ إصلاحات مالية، لكن في ظل التزام الحكومة بالنموذج ذاته الذي أدى إلى تآكل الاقتصاد اللبناني بالأزمات من كل ناحية، تبدو المهمة مستحيلة.
يشير الخبير الاقتصادي، غسان ديبة، إلى أنه لم تتمكن الحكومة ومصرف لبنان من تدارك سرعة الأحداث التي حصلت في السنوات الأخيرة، إذا اعتاد الثلاثي المؤلف من مصرف لبنان، والحكومة، والقطاع المصرفي على التعاطي مع الأزمات سراً دون توجه أعين العالم إليهم، إذ عاشوا 25 عاما من “العزلة عن العالم المالي الحقيقي والأسواق المالية العالمية ومتطلباتها وشروطها” ويرى ديبة أن ذلك نتيجة أنهم بنوا مؤسسة سياسية-اقتصادية لم تكترث للأسواق “بل أصرت دائماً على اتباع القديم، مع كلفته العالية من دفع الفوائد العالية على الدين وعدم رفع الضرائب على الأرباح والريع، وصولاً إلى الهندسات المالية”. خلال هذه الفترة، لاقت سندات “اليوروبوندز” اللبنانية اهتماما دوليا كونها ذات فوائد مرتفعة وأرباحها مضمونة. وتشكل اليوم هذه الأسواق الأجنبية لا أكثر من 10 في المئة من الدين، مع ذلك، فإن الأثر الذي تركه تفاقم الأزمات على “اليوروبوندز” لاقى اهتماما دوليا، حول، حسب ديبة، الاستثمارات الخارجية في الدين اللبناني من “تصويت لمصلحة لبنان إلى عبء سيكولوجي” بحيث أن تصريحات وزير المالية، علي حسن خليل، باتت تهز الأسواق.
ويقول تقرير “غولمان ساكس” أنه لا بد من إلغاء حوالي 65 في المئة من الدين العام إذا أراد لبنان تحقيق مستويات “مستدامة” من الديون، إلا أن ذلك يعرض المصارف إلى خطر، إذ أن استثمارات المصارف بالدين والسندات الحكومية تبلغ حوالي 35.5 مليار دولار، أي حوالي ضعف القاعدة الرأسمالية للنظام المصرفي. ولذلك يستبعد التقرير حدوث أي إلغاء للدين الحكومي. وبالتالي، يجد لبنان نفسه عالقا في دوامة لا حل لها: خيار بين إفلاس الحكومة أو إفلاس المصارف…وكلا الخيارين يؤدي إلى الآخر.