إن الاشتغال بالعقل في وسط مجنون يورث صاحبه العنت والشقاء، إذ يجد صاحب العقل الكبير، والحكمة البالغة صعوبة في البقاء وسط كم هائل من الجنون والغباء لصعوبة إقناع المجانين والسوقة من العامة من الناس بجدوى الفلسفة والفكر، بأن ثمة من يفكر بالعقل خارج الجنون، خارج المعتاد، وأنه أمر وارد وهو معقول وليس من العدم، وأن الراحة والفضيلة في إعلاء قيمة العقل وليس العكس، لا يدرك قيمته إلا من حاز فضيلة التعقل. أما إن استحكم الغباء، وفضل الجهل فإن المجازفة بمستقبل الوجود الإنساني هي أمر قد يوشك بصاحبه إلى الهلاك وهو لا يعلم.
وحده، صاحب العقل يقاوم هذه العدم، حتى لا يهلك الجميع لكنها مقاومة محفوفة بالمصاعب. ولذلك قال الشاعر العربي قديما:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله *** وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم.
ومن الحكم الجميلة التي يوردها حكيم الإمبراطورية الرومانية «إبكتيتوس» في السياق ذاته، سياق خطر المجازفة بالمعنى الحقيقي للإنسان في الوجود في كتابه «المختصر» عن غربة الفيلسوف وسط جمع من الجهال والأميين، وعديمي الفكر والثقافة يورد حكمة بليغة، في شذرة رائعة تقول:
«إن كنت محبا للفلسفة فلتستعد فورا لتلقي السخرية من الجميع» (الفلسفة هنا تعني الحكمة التي ينطق بها العقل، وينزلها على الواقع أفعالا لا تصادم الطبيعة) يقولون: ها هو، بعد وقت وجيز جاءنا فيلسوف» (بصيغة ساخرة طبعا) ثم يضيفون شامتين أو «من أين له هذا؟».
أليست هذه غربة قاتلة لكل ذي عقل سليم وسط جمع غفير من الأغبياء والمجانين؟ أو لم يحاكم سقراط، لا لشيء سوى أنه آمن بالعقل قيمة عليا، شيئا خص به الله كائنا متفردا في الوجود، دون الكائنات الأخرى. وهو ما لم يتفهمه مجتمعه فحاكمه لرجاحة عقله وليس لخفته، فقبل سقراط الحكم، شرب السم وهو راض حتى إن لم يرض أتباعه المخلصين المؤمنين ببراءته، لكنه مع ذلك شربه اقتناعا بما آمن به. وكان حتفه عام 399 ق.م. ذلك ما رغب حكيم المدرسة الرواقية هنا الإشارة إليه حين نبهنا منذ الوهلة الأولى، ونحن مقدمون على الاشتغال بالفلسفة. أراد أن نستعمل عقلنا كوسيلة للتمايز، ينبهنا محذرا من مغبة تعرضنا لسخرية المجتمع الجاهلي الذي، قد لا يجد من وسيلة يلتجئ إليها لتصفية خصومه سوى ازدراء كل سلوك فلسفي، والسخرية من الفيلسوف وتسفيهه في نظر المجتمع. (يزداد هذا السلاح خطورة في زمننا الحاضر عند اقتران المال بالسلطة والتحكم في الإعلام بحيث يغدو الوضع قادرا على صنع «حقيقة على المقاس» بعيدة عن مركزية الفلسفة والحكمة في الحياة).
تذكر أنك إذا ثبت على مواقفك، أولئك الذين كانوا يسخرون منك من قبل سيحبونك، أما إذا خذلت نفسك واستسلمت لهم جلبت عليك منهم سخرية مضاعفة.
ومع ذلك ينصحنا إبيكتيتوس بالكيفية التي يتوجب علينا التصرف، إزاء وضع فاسد كهذا، وفق أخلاق المدرسة الرواقية، التي ظل وفيا لها وهي مدرسة زينون، التي تقابل الفعل السلبي بفعل مضاد، أي بحكمة تعلي من قيمة الخلق الإيجابي المقاوم للسلبية في الحياة. يقول:
«أنت، من جهتك لا تلتفت إلى هذا، (أي إلى سخرية الجهلة. ومنه نفهم أنه يعتبر سخرية الجاهل بمثابة سبة على الساخر وليس من المسخور به) يتضح ذلك جليا من قوله وهو يضيف: «وتشبث بما اعتقدته من مواقف صحيحة، وكأن الله أوكل إليك تلك المهمة». البعد الأخلاقي في فلسفة إبكتيتوس لا تخطئه العين، وهو بعد يرتقي إلى مرتبة العقيدة الراسخة في الوجدان. وتلك لعمري هي جوهر الآية الكريمة التي يقول فيها سبحانه وتعإلى: «يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم. لا يضركم من ضل إذا اهتديتم. إلى الله مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون» (سورة المائدة الآية 105). الدعوة هنا من الله إلى الذين آمنوا بالاستقامة، وإن ضل من ضل. فالعبرة بالتشبث بالطريق المستقيم، والثبات على الموقف السليم، تماما كما ندب إليه الحكيم حين نصح الإنسان العاقل بالتشبث بما يراه من رأيه الصواب، والموقف الصحيح، إزاء آراء الناس الخاطئة، لا يضره من استهزأ.
التكامل بين الحضارات مبدأ قائم، والتقاطع بين الثقافات أمر ما انفك الوجود الإنساني يعبر عنه في سيرورة تاريخية، منذ نشوء الدول وقيام الحضارات عبر الزمان. ولا يمكن في أي حال من الأحوال نعت التشابه في الأفكار، والتقاطع في ما بينها من تشابه بكونها نقلا سافرا، أو استنساخا من أمة لفكر أمة أخرى لاحقة، لكنه التكامل والتقاطع بحكم «عالمية» الوجدان الإنساني و»وحدانيته» ونزوعه -أي هذا الوجدان – إلى الفطرة التي فطره الله عليها منذ نشأة البشرية في هذا الكوكب (قبل أن تعصف به العواصف، وتجرفه بعيدا عن هذه الفطرة الموحدة). لذا حين نقرأ عند إبكتيتوس، ومن قبله عند سقراط أو أفلاطون، أو طاغور أو بوذا، أو عند موسى وعيسى، أو عند محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، فإننا نقرأ «عالمية» الوجدان الإنساني و»وحدانيته» واتحادهم في الفطرة التي أملت عليهم هذه الحكمة في زمانهم، وإن باعدت بينهم الجغرافيا.
وبالعودة إلى شذرة حكيمنا إبكتيتوس، في علاقة الإنسان الفيلسوف بمحيطه «الفاسد» المجنون «أي علاقة وعي الإنسان بمسؤوليته تجاه هذا الواقع الفاسد، وهو وعي أشبه بوعي النبي بمجتمعه المحتاج للهداية، لطريق مستقيم. هنا تصبح مسؤولية الإنسان الفيلسوف منوطة بالثبات على المواقف الصحيحة التي تبناها من قناعاته وآمن بها إيمانا راسخا، لا يضره من ضل، لأن ثباته سيكون مفتاح تغيير لكثير من المعادلات على أرض الواقع، ابتداء بتغيير نظرة هذا المجتمع نحو الفيلسوف نفسه، والحكيم المثقف باعترافه – أي هذا المجتمع- بفضلهم عليه. وأول الفضل منهم عليه هو صبرهم على الأذى، إذ الفلاسفة والحكماء والأنبياء والرسل، على الرغم مما عانوه من مجتمعاتهم، بل منهم من حرق جسده حيا، ومنهم من رأوا مؤلفاتهم تلتهمها النيران أمام أعينهم، ومنهم من أعدم لآرائه «الشاذة»(كذا) تماما كما قتل الأنبياء، وتأذت الرسل والأولياء، لكن مع ذلك صبروا فنالوا رضى أنفسهم على أنفسهم، ورضى الناس عليهم بعد انقشاع الغشاوة وجلاء الحقيقة، كما نال الفيلسوف في نهاية المطاف عند الحكيم إبكتيتوس ذلك التقدير والتبجيل. يقول:
«تذكر أنك إذا ثبت على موقفك (يعني ثبات الفيلسوف على موقفه السليم) أولئك الذين كانوا يسخرون منك من قبل سيحبونك. أما إذا خذلتَ نفسك، واستسلمتَ لهم جلبت عليك منهم سخرية مضاعفة» وهو تنزيل للتوجيه الرباني في المسألة ذاتها: «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ». صدق الله العظيم.
وفي الختام أشير إلى أن الشذرة الكاملة أسفله مترجمة حسب فهمي لها، وقراءتي إياها، لا كما ترجمها عادل مصطفى، وهي ترجمة جميلة وقوية في مجملها، غير أنني اعتمدت النص الفرنسي المعنون « manuel D’EPICTETE» حتى أحصل على المراد منها.
الشذرة بعنوان: تمسك بالصواب ولا تخش من السخرية.
«إن كنت محبا للفلسفة فلتستعد فورا لتلقي السخرية من الجميع قائلين لك: «ها هو، بعد وقت وجيز جاءنا فيلسوف» أو «من أين له هذا؟». أنت، من جهتك لا تلتفت إلى هذا. وتشبث بما اعتقدته أنها مواقف صحيحة، وكأن الله أوكل إليك تلك المهمة.
تذكر أنك إذا ثبت على مواقفك، أولئك الذين كانوا يسخرون منك من قبل سيحبونك، أما إذا خذلت نفسك واستسلمت لهم جلبت عليك منهم سخرية مضاعفة».
كاتب مغربي