يا للعار! سيلاحقهم حتى إن رحلوا وسيظل فيمن تناسل من نسلهم ما تعاقبوا. ستلاحقهم اللعنة ما دامت السماوات والأرضين السبع قائمة، وما دامت الحكمة نابعة من عقل سقراط إلى عقول بني البشر ما تعاقب الليل والنهار.
سيلاحقكم هذا العار، يا أهل أثينا، وقد بان برهانه فيكم، بما أنكم اليوم شعب أشبه بعالة على غيركم في أوروبا وقد كنتم في ما مضى، قلَّ من مات من خطبائكم وحكمائكم وقاداتكم إلا مذعوفا أو منفيا. وسقراط مات أمام أعينكم محكوما مذعوفا. كيف لاحقتم يا أهل أثينا من كان فيكم رجل الحكمة الأول بلا منازع، بشهادة عرافة «خريفون»، صديق سقراط والعديد ممن كان حاضرا معكم في المحاكمة المجنونة، عندما سألها عند الإله «دلف» هل يوجد حكيم أكثر حكمة من سقراط في أثينا فأجابته: «كلا، لا أحكم من سقراط»، فكيف تحاكمون رجلا قال: «أنا الفضيلة التي تمشي على قدميها، أنا الفلسفة التي تتنفس الفضيلة والحكمة»، في الوقت الذي تهارش الجميع على المناصب والقضاء والحكم والثراء. انسقتم وراء ادعاءات ميلتس الحاقد، وأنتيس الكاره، وليقون المضلل، فنصبتم محكمة لعقل أثينا الصافي ولروحه وحيها الجليلة. وكل منهم كان قد تحزب لفريق يدافع بالباطل عن باطل؛ ميلتس عن الشعراء الذين وصفهم سقراط بقلة الحكمة، وإن كان قد اعترف لهم برهافة الحس، وقرض الشعر بشيء من الموهبة الطبيعية التي ترف فوقهم بالإلهام «لكن من دون حكمة» يقول سقراط.. وكأن الأمر نفسه يتكرر في الحكم على معشر الشعراء مع وصف القرآن الكريم لهم حين قال عنهم «والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون» (وإن كان الاستدراك القرآني لم يتأخر في السورة نفسها، الموسومة بسورة «الشعراء»عن استثناء فئة متصفة بالفضيلة والحكمة، وهم وأصحاب الأعمال الجليلة، والموصولين بالله، تماما كما كان سقراط موصولا به، بما أنه كان يوحى إليه بما يوحى بحسب زعمه: «يا رجال أثينا لا يثر ثائركم عليّ إن بدا ما أبسطه لكم بمظهر العجب والخيلاء، فما أنا قائله لا أقوله من عندي، وإنما أنا مسنده إلى من هو جدير بثقتكم، فإني متقدم إليكم بالاله «دلف» شاهدا على حكمتي»)..
أما أنتيس الحاقد هو الآخر الذي تحامل على سقراط فكان قد تحزب للسياسيين وأرباب الفنون، تمادوا في تملق الشعب كي يخوض مزيدا من الحروب. والحرب كانت عقيدة الشعب الأثيني، الذي لم يكن ليثبت على شيء، ولا أن ينصاع لأمر، ولا البقاء على حال دون أن يخوض حربا تلو حرب، يدخل مغامرة تلو مغامرة، لأنه شعب، كما صوره المؤرخ ثوسيديدس «لا يروقه إلا جديد الأمور، شعب حمس، يحب أن ينبسط إلى الخارج» خارج حدود جزره المتفرقة المتناثرة. فكان السياسيون يعجبهم أن يدغدغوا حوافز الشعب، كي ينطلقوا إلى مزيد من الغزو الخارجي لينعموا هم بالغنائم والجاه والثروة.
أما أنتيس الحاقد هو الآخر الذي تحامل على سقراط فكان قد تحزب للسياسيين وأرباب الفنون، تمادوا في تملق الشعب كي يخوض مزيدا من الحروب.
وبدوره كان أليقون ينتصر للخطباء الذين كانوا يتملقون السياسيين لتكتمل دورة التملق، وهي الدورة التي تصدى لها سقراط بعقله. فكان أن فشل في ذلك فشلا ذريعا بدليل تنصيب المحاكمة أمام الملأ، التي قضت بإعدامه. فشل سقراط بحكمته أمام ثالوث الشر، سالف الذكر، ولكنه في المقابل نجح في إغاظة كبراء أثينا «الحربيين»، أثار حفيظتهم، وسعّر من نار حقدهم عليه ليجمعوا على المحاكمة المجنونة.. لكن هل نسيتم من يكون سقراط فيكم يا أهل أثينا؟ هلا تذكرتم له، ولو بعضا من مآثره عليكم وعلى أبنائكم الذين علمهم الحكمة في أزقة أثينا بلا مقابل؟ في الوقت الذي كان فيه الخطباء، جل الخطباء، يتقاضون أجورا باهظة لتلقين فنون الخطابة لأبناء الأثرياء كي يتمكنوا من المرافعات في المجالس أمام الحكام والمستشارين والقضاة. فإن لم تعترفوا بما له من فضل عليكم ومن حكمة، فهلا تذكرتم له بطولاته التي لا يسعكم إلا أن تعترفوا بها حين كان شابا يافعا قويا يحمل سلاح الحرب إلى جوار عقل الحكمة، كيف أنقذ يومها الفتى «السيبياد» عام 429 ق.م، وحمله على ظهره لمسافات بعيدة، بعد معركة ضارية ضد الكورنثيين، كاد أن يقع فيها أسيرا؟ أو حين «خلص الفتى أكسينوفون من الهلكة.. وانسحب مع صديقه لاخيس وسرية من الأبطال الأثينيين أمام خيالة الثيبيين عام 424 ق.م (والمعلومات كلها واردة هنا في كتاب «دفاع سقراط» لأفلاطون..عربه من اليونانية الأب ايزدور أبو حنا ب م، وصادر عام 1940).
لكن دعوني أصارحكم بحقيقة أمركم يا قضاة أثينا، يا وشعبها الذى رضي بالمحاكمة المهزلة، لما أنتم تحاملتم على سقراط كل هذا التحامل، إلى الحد الذي استسغتم صدور الحكم المجنون على عقل أثينا وروحها الصافية.. فها هو يقولها نكاية فيكم، حتى على افتراض أنكم ندمتم على حماقتكم بتعريض الحكيم لتلك المظلمة، وطلبتم تسريحه على شرط أن لا يعود إلى سالف عهده، يعلم أبناءكم الحكمة من دون مقابل كما ألف أن يقدمها حبا للحكمة، ها هو يقولها صادحة في وجوهكم: «فلو أطلقتموني على هذه الشريطة لصحت بكم: يا رجال أثينا، إني أجلّكم وأحبكم ولكن الله أحق أن يطاع.. وما دامت فيّ نسمة حياة وتسنى لي، فلن أكف عن درس الفلسفة. لن أكف عن أن أحرض وأنصح كل واحد منكم.. أن لا تبرأ بنفسك.. أن تصرف عنايتك إلى الغنى.. بدل أن تقصر نفسك على طلب المجد والشرف ونيل الحكمة، والتبصر في حقيقة نفسك لتزينها بزينة الكمال؟». ألمثل هذا عقدتم محكمتكم؟ ونصبتم له مشانقكم، ورميتموه بالمجانق، بالتهم الباطلة؟ ألمثله عقدتموها لأنه نصحكم ونور عقلكم، وبصركم بالفلسفة والحكمة والفضيلة؟
تعسا لكم، فما أنتم سوى حثالة من الناس حتى وإن أنتم في أثينا العريقة، أثينا التي أثنى عليها سقراط نفسه وإن ظلمته فقال عنها بأنها «أعظم وأشهر حاضرة حكمة واقتدارا» ولكنكم جعلتموها مقبرة ليس لسقراط، فمثله لا يموت، ولكنها كانت مقبرة لكم وساءت مصيرا»، «واعلموا يقينا أنكم، إن حكمتم عليّ.. تضرون بي أقل من ضرركم بأنفسكم».»لا تخطئوا إلى موهبة الله بقضائكم عليّ، فإن أنتم قضيتم بهلاكي هيهات أن يتيسر لكم الوقوع على آخر مثلي أعده الله لأجل خير المدينة»..
وما كان للطغاة يومها أن يستمعوا إلى نداء العقل والحكمة، الذى كان يصدر صدقا من سقراط لسبب بسيط وهو أنهم مردوا على الفجور والظلم، فكان قرارهم في فبراير/شباط عام 399 ق.م بإعدام حكيم اليونان «سقيا» بالسم..
كاتب روائي من المغرب