الحلف الصيني الباكستاني وامتداداته في الشرق الأوسط

وسام سعادة
حجم الخط
0

هل من حليف لجمهوريّة الصين الشعبيّة في عالم اليوم؟ بالمطلق لم يعد للصين من أعداء، بالمعنى التقليدي للعداوة بين الدول. فحتى بالنسبة إلى الصين الأخرى، الصين الوطنيّة، أو تايوان، العداوة تحيل إما إلى الماضي وإما إلى المؤجّل. أما الخلاف حول وضع تايوان نفسها، وما إذا كانت سترضى في نهاية المطاف بمبدأ «الصين الواحدة بنظامين»، أو تنجح على المدى الطويل في تكريس انفصالها كجزيرة عن برّ الصين، فهو يترافق مع تطور للعلاقات الاقتصادية والتجارية بين الجانبين منذ التسعينيات إلى اليوم، حيث تستثمر الشركات التايوانية في برّ الصين، وتستفيد من الكلفة المنخفضة لليد العاملة ومن ضبط النظام «الشيوعي» للطبقة العاملة على أرضه كي يذهب أنفارها من دون «وجعة رأس نقابية» إلى المصانع، وحيث أصبح الصين القارية سوقاً أساسية لصادرات تايوان.
ثم أنّ الخلاف حول وضع تايوان الكياني هو خلاف داخلي فيها. فمن جهة، يقف «الكيومنتانغ» وهو الحزب الوطني الصيني الخاسر للحرب الأهلية على البرّ الصيني أمام الشيوعيين نهاية الأربعينيات، والذي لم تبق له بعد ذلك سوى تايوان ليقيم نظام الحزب الواحد، على طريقته، فيها، برعاية أمريكية، حتى بعد النقلة الديبلوماسية النوعية مطلع السبعينيات التي جعلت واشنطن تعترف بحكومة بكين على أنهى حكومة الصين ككل، بالتوازي مع إقصاء الصين الوطنية من مجلس الأمن، والعهد بالمقعد الدائم للصين فيه للنظام الشيوعي. وجه المفارقة هنا، أن العدو اللدود للشيوعيين في التاريخ الصيني، الكيومنتانغ، ما زال يؤيد سياسة الصين الواحدة، ولو بنظامين. وأساساً، يصعب للكيومنتانغي أن لا يرى أن أفكار حزبه هي التي انتصرت بعد رحيل ماو، في «الحزب الشيوعي الصيني» نفسه، الذي بات حزباً قومياً – اثنياً بامتياز، يطرح المسائل من موقع الأكثرية الاثنية لشعب الهان في الصين، ويدير أكبر «رأسمالية دولة» يمكن تخيلها في التاريخ. لكن الكيومنتانغ يرتبطون أساساً في تايوان بالذين لجأوا من برّ الصين بعد الخسارة أمام ماو والشيوعيين، ولأجل ذلك تحول الكيومنتانغ تدريجياً إلى أقلية سياسية بعد اعتماد التعددية الحزبية والديموقراطية التمثيلية في تايوان.
وفي مقابل الكيومنتانغ الذي تراجع دوره، وهو في الأساس مزايد على الشيوعيين الصينيين بالوحدة القومية، وميال إلى اتهامهم بالتفريط بمنغوليا، والتساهل في التيبت والتركستان الشرقي – سنجان، وليس العكس أبداً، في مقابله، تبرز الأكثرية السياسية في الأعوام المنصرمة لصالح الخط اليساري الليبرالي في الجزيرة، أي الخط الذي لا ينطلق من مزايد قومية مع بكين تحولت مع الوقت إلى قبول بسياسة الصين الواحدة، بنظامين، وانما يقول ما معناه ان التجربة الكيانية للجزيرة اكتسبت مع الوقت حيثية تؤهلها لتقرير المصير بمعزل عن مفهوم صيني جامع، وبالتالي لا حل للمشكلة العالقة بين الجانبين الا بالإستقلال الناجز لتايوان عن برّ الصين.
إذاً، يصعب القول أن تايوان اليوم هي عدوة للصين. ويصعب أن نجد أعداء بالمعنى التقليدي بين الدول بين الصين وبين أي بلد آخر في العالم. والصين هي ثاني أكبر دولة بعد الولايات المتحدة من حيث عدد البعثات الدبلوماسية عبر العالم. لكن الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة وجدت نفسها تخوض حروباً متتالية، في العراق وأفغانستان ويوغوسلافيا وضد تنظيمي القاعدة وداعش، وروسيا وجدت نفسها بعد زوال الاتحاد السوفييتي تخوض حروباً متتالية، على أرضها الاتحادية في الشيشان، ثم ضد جيورجيا، ثم في الدونباس ثم ضد أوكرانيا ككل. هناك أكثر من محطة تصعيد في عرض البحر مع تايوان وفيتنام واليابان في العقود الثلاثة الأخيرة، وأكثر من لحظة اشتباك في أعالي الهيملايا مع الجانب الهندي، لكن آخر حرب خاضتها الصين هي عندما اجتاحت شمال فيتنام عام 1979 رداً على تدخل فيتنام في كمبوديا. بالتالي، قياساً على أمريكا وروسيا، فقد نجحت الصين منذ ما يزيد عن الأربعة عقود من عدم التورط في أيّ من الحروب والعمليات العسكرية الواسعة النطاق. وهي نفسها المرحلة من الزمن الذي شهدت بناء قدرات الصين الحالية كقوة اقتصادية كبرى، ومن ثم، تطوير قدرات الجيش والأسطول الصينيين على نحو متنامي.
لكن هل للصين حلفاء في عالم اليوم؟
طبعاً لن يكون حليف الصين هو فيتنام، التي تشارك الصين في انتهاج الماركسية اللينينية كأيديولوجيا رسمية حاكمة، وتحاكي نموذج التنمية الاقتصادية في ظل نموذج شبيه لرأسمالية الدولة الباحثة عن الموازنة بين اجتذاب الاستثمارات وبين توجيهها، إنما بالابتعاد أكثر فأكثر عن «التخطيط» منظوراً إليه كآلية منافية لآليات السوق. ومنذ الانفتاح الصيني على كوريا الجنوبية بات على الصين الموازنة في علاقاتها بين شطري شبه الجزيرة اللدودين، ولم يعد من السهل إطلاق صفة الحليف لها على بيونغ يانغ. أما العلاقات بين الصين وبين جوارها المباشر فهي متنوعة المستويات، لكنها بالإجمال صعبة. فيتنام التي لم تستفق تماماً من الغزو الصيني لشمالها بعد سنوات قليلة على تحريرها جنوبها وطرد الأمريكيين منه. المفارقة ان فيتنام باتت في عداد البلدان الذي لم يعد يناسبها تضاؤل نفوذ أمريكا في جنوب شرق آسيا كي لا تستفرد بها الصين. وبينها وبين جارتها خلافات حدودية وعلى جزر في بحر الصين الجنوبي. وهذه حال الصين كذلك الأمر مع اليابان، خلافات على جزر، ومن ورائها ضيق ياباني في أن تكون العلاقة انقلبت بهذا الشكل في شرق آسيا لصالح الصين، في تحجيم شامل للدور الياباني. اليابان افتتحت في أواخر القرن التاسع عشر عصر الثورة الصناعية الآسيوية، وقلبت علاقتها مع الصين يومها من متبوعة ثقافياً للبر الصيني إلى غازية له ومستعمرة لسواحله ومقيمة لكيان تابع لها في منشوريا. ومع أن اليابان، بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، عادت فتمكنت من الاقلاع الاقتصادي، ونجحت في التطور بإتجاه ديموقراطية تمثيلية تحمل بعض البصمات السلطوية، هذا فيما كانت تتخبط فيه الصين في عشوائيات المرحلة الماوية، فإن الصين بالشكل الذي تطورت فيه منذ الثمانينيات إلى اليوم، عادت فقلبت العلاقة بين المركز والطرف بينها بين اليابان، ويصعب لليابان مع هذا أن تتقبل طرفيتها حيال المتروبول الصيني راهناً.
أما الهند، فعلاقة الصين معها لم تغادر كليا ذاكرة التصادم بين الدولتين – الحضارتين عام 1962. وما زال الخلاف الحدودي بينهما كبيراً. وخطط الصين لتوسعة نفوذها الاقتصادي كما السياسي، بمعية «طرق الحرير الجديدة»، لا تنظر لها الهند الا كتطويق استراتيجي لها من كل حدب. في المقابل، دفع التنافر الصيني الهندي العلاقات بين بكين واسلام آباد إلى الأمام. وهنا نصل إلى بيت القصيد. لئن كان هناك حليف استراتيجي للصين في عالم اليوم، فهذا الحليف هو باكستان. وهو حليف منذ ستين عام. منذ حل المشكلة الحدودية بين البلدين قبل ستين عام، ما سمح من ثم بتطوير العلاقات على نحو تحالفي وثيق بين البلدين. وبمعنى من المعاني، كانت الضربة التي وجهتها الهند إلى باكستان في «حرب تحرير بنغلاديش» مطلع السبعينيات بمثابة عملية استعادة للموقع الذي خسرته الهند عندما ظهر فشلها عن صدّ الهجمة الصينية عليها.

التحالف
الاستراتيجي لبكين

ما نراه اليوم من حركة للصين باتجاه منطقة الشرق الأوسط هو في جانب منه امتداد للحركة باتجاه جمهوريات آسيا الوسطى ذات الأكثرية الإسلامية الناطقة بمعظمها بواحدة من فروع العائلة اللغوية التركية، وهو في جانب آخر امتداد للعلاقة الصينية الباكستانية، التي تمثل التحالف الاستراتيجي الوحيد لبكين مع دولة أخرى في العالم، وهو تحالف متين لم يحل دون العلاقة الأمريكية الباكستانية، لا بل ساهمت باكستان بداية السبعينيات في تأمين السبيل للتلاقي الصيني الأمريكي، الذي كان اطاره العام تحالفا ثلاثيا بين واشنطن وبكين واسلام آباد ضد الاتحاد السوفييتي .. وضد الهند.
ما تبدل اليوم هو أن العلاقة بين بكين وواشنطن عادت تنافرية. ولو ان الغرب – وأمريكا خصوصا – مأخوذ بسؤال المفاصلة والمخاطرة بين روسيا والصين، أي البلدين أخطر على المصالح الاستراتييجية للغرب، ولأمريكا على وجه التحديد. وما تبدل هو انزياح الهند في الاتجاه القومي الديني داخليا، وفي اتجاه تطورت فيه العلاقة مع واشنطن، واستمرت عليه محددات القلق والتوتر مع بكين.
أما العلاقة بين الصين وروسيا فليست ببساطة امكانية اطلاق صفة التحالف عليها. والصين اليوم مهمومة بأن لا تصيبها ارتدادات سلبية من حرب روسيا على أوكرانيا، فيما هي متحينة لأي ايجابية يمكن ان تقتنصها من هذه الحرب، أو من تداعياتها غير المباشرة.
منظمة شانغهاي للتعاون الإقليمي هي في الأساس الإطار الذي سمح في العقدين الأخيرين بتطوير العلاقة الاستراتيجية بين الصين وروسيا. انما لا يمكن مشابهته بحلف شمال الأطلسي. ليس بمعاهدة تعاون عسكري. لقد سمح بالتعاون الأمني بين الأنظمة الداخلة فيه على صعيد مكافحة الارهاب ولم يفتح السبيل لإنشاء «حلف أطلسي أوراسي» ولا يبدو ان الحرب الروسية يمكن ان تشجع على ذلك، بصرف النظر عن عدم تراجع التوترات الصينية الأمريكية بعد هذه الحرب، أو عن ظهور محاولة أمريكية لاستمالة الصين اليها تقارن بما نجح فيه كيسنجر ونيكسون مطلع السبعينيات. ثم ان منظمة شانغهاي للتعاون الاقليمي التي باتت تتسع للهند اللدودة وباكستان الحليفة منذ خمس سنين، اتسعت في ايلول/سبتمبر 2021 أيضا لأول مرة لبلد شرق أوسطي هو إيران. قبل ذلك كانت مترددة الصين، وكذلك روسيا، حيال ضم إيران كعضو كامل إلى منظمة شانغهاي. لعدم استفزاز الولايات المتحدة بالدرجة الأولى. ويمكن احتساب قبول إيران في المنظمة مؤشرا للاتجاه المعاكس. أو يمكن احتسابه استباقاً أوراسياً لتسوية أمريكية صينية ممكنة في الموضوع النووي. أيا يكن من شيء، فإيران مشروع حليف جديد للصين. لكن المفارقة انه كي تطور الصين علاقتها بشكل تحالفي مع ايران كان عليها ان تطور بشكل متوازن علاقاتها على الضفة المقابلة في منطقة الخليج، وبالأخص مع السعودية. لكن هل يسع الصين ان تنمي مع إيران والسعودية – على الاختلاف بينهما على صعيد النموذج وما يمكن ان تنتفع الصين بالعلاقة مع كل منهما – علاقة تحاكي النموذج المعتمد منذ ستين عام مع باكستان؟ النموذج المعتمد بين الصين وباكستان حكمه وجود غريم مشترك للبلدين، الهند. هل يمكن الاستعاضة عن ذلك بيافطة «اضعاف النفوذ الأمريكي» في المنطقة؟ ليس ذلك بالأمر الكافي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية