■ خلخلت الحداثةُ السائلةُ الحياةَ، إذ أصبحت تتسم بالاضطراب واللايقين، فصار الفرد فيها محاصراً، وأصبح الخوف ملازماً لوجوده، يستغله القادة من أجل التحكم في هذا الفرد، وتستثمره الشركات لمضاعفة أرباحها، ما جعله يعيش في قلق دائم على وجوده، ومن عدم المقدرة على إشباع رغباته، نتيجة طغيان الثقافة الاستهلاكية، التي جعلته في سباق محموم مع الزمن، لكي يثبت جدارته أو يخرج من مضمار السباق، فيصدر في حقه حكم منتهي الصلاحية، هذه الثقافة اختزلت الإنسان إلى شيء من الأشياء، ناظرة إليه كسلعة معروضة في السوق.
الحياة السائلة ما هي؟
يعرف زيجمونت باومان الحياة السائلة، بكونها «الحياة التي نحياها في مجتمع حديث سائل»، وبما أن الظروف التي يعيشها الأعضاء في هذا المجتمع تتميز بالتغير المستمر والسريع، فإن ذلك يؤدي بالضرورة إلى عدم استقرار الأفعال على شكل عادات وأعمال منتظمة، بالتالي، تنتفي المرجعية الصلبة للفرد، التي يحتكم إليها في أفعاله وتصرفاته، ما يجعل العلاقة بين الحياة السائلة والمجتمع السائل قوية، إذ «تتغذى سيولة الحياة، حسب باومان، من سيولة المجتمع، وتستمد طاقتها وحيويتها منها، والعكس صحيح»، كما أن السيولة تُفقد الحياة المقدرة على الاحتفاظ بشكلها أو استقرارها على حالها مدة طويلة، كل ذلك جعل الحياة السائلة «حياة محفوفة بالمخاطر، يحياها المرء في حالة من اللايقين الدائم»، ومردُّ ذلك إلى الخوف المستفحل، وإلى هاجس القلق الدائم من الفشل، قلق من «عدم القدرة على اللحاق بالمستجدات المتسارعة، ومن التخلف عن ركب السائرين، ومن إغفال تواريخ نهاية الصلاحية».
لعل الوصف الذي أطلق على الحياة السائلة بأنها «سلسلة من البدايات الجديدة» يحاول إخفاء النهايات التعيسة لهذه الحياة، بعبارة أخرى، أن هذه الحياة لا تملك سوى نهايات مؤلمة وقاسية، من أجل ذلك تحاول أن تبرز بداياتها المغرية من دون نهاياتها، فهي حياة «تبني مجدها على قبور لا تحتفظ بعزيز تخلد ذكراه شواهد القبور الفاخرة».
تمتلك الحياة السائلة المقدرة على إنهاء العلاقات بسرعة، بـ«التحلل من قيود العلاقات، وإمكانية فك الارتباط»، وعلى التدمير الخلاق لكل شيء، بما فيها حياة البشر أنفسهم، كما حوّلت هذه الحياة العالمَ إلى موضوع استهلاكي، لم يقتصر ذلك على الجماد وحسب، بل امتد إلى الأحياء أيضاً، وبذلك أعادت «تشكيل معايير تقييم أحياء هذا العالم وجماداته، وفق نموذج موضوعات الاستهلاك»، ولكل موضوع استهلاكي، كما هو معروف، عمر افتراضي قصير صالح للانتفاع به، بمجرد ما ينتهي هذا العمر يغدو مجرد نفاية.
بناء على ما سبق، فإن الفرد في ظل الحياة السائلة يعيش في حالة حصار، إذ تجده محاصراً بالاستلابات، التي تسلب منه إنسانيته وإرادته، هذه الحياة تجعل الفرد مسلوب الحرية، فبدلا من تحرره، كما وعدته الحداثة السائلة، تزايدت أسباب عبوديته، وبدلا من أن يحصل على الأمن والطمأنينة، صار الخوف والقلق الهاجس الأكبر في حياته، بل صار خوفه وقلقه موضوعاً للاستثمار، كل هذا نتيجة «الثقافة الهجينة» التي تضفي نوعاً من الأيديولوجية على التحرر المزعوم والمزيف، إذ تجعل الفرد في حالة سعار دائم وراء السلع التي لا تحقق له الرضا، نتيجة الخلق المستمر للسلع.
التحولات الكبيرة في المجتمعات الحديثة السائلة أفقدت الشهادة والبطولة قيمتيهما، ذلك أن الدولة صارت تمتلك جيشاً محترفاً، بالتالي، فهي لا تحتاج إلى مواطنين مستعدين للموت في سبيلها.
الشهداء.. الأبطال والمشاهير
يتناول باومان في كتابه «الحياة السائلة» مسألة في غاية الأهمية، متعلقة بنهاية مفهوم التضحية من أجل فكرة أو قضية ما، ففي الأزمنة السائلة يقول باومان «من الصعب، العثور على أناس يمكن أن يضحوا بأنفسهم من أجل هؤلاء الساسة»، مثل بوش الأب أو الابن أو شيراك أو بلير، ذلك أن التضحية ارتبطت بداية بفكرة الشهادة عندما كان للدين تأثير قوي في حياة الناس، بينما ارتبطت بفكرة البطولة في عصر الحداثة لمّا كان الإنسان يقدم نفسه قرباناً في سبيل الدولة/ الأمة، على أن الفرق بين الشهيد والبطل يتجلى في أن موت الشهيد عديم القيمة، بينما الموت يقدم «للبطل قيمة تفوق عظمتها كل ملذات الحياة في الأرض»، كما أن معنى الشهادة «لا يتوقف على ما يحدث في العالم في ما بعد»، عكس البطولة معناها يتوقف عليه، وإلا يعتبر عمله مجرد تهور وحماقة، وإذا كان موت الشهيد تكفيراً للذنوب، وتجديداً للتوبة، وخلاصاً للروح وخلودها في العالم الآخر، فإن موت البطل يكون أساساً من أجل بقاء الأمة وخلودها. غير أن التحولات الكبيرة في المجتمعات الحديثة السائلة أفقدت الشهادة والبطولة قيمتيهما، ذلك أن الدولة صارت تمتلك جيشاً محترفاً، بالتالي، فهي لا تحتاج إلى مواطنين مستعدين للموت في سبيلها، كما أن المجتمع الاستهلاكي لا يعطي تلك المثل قيمة، بل يحطّ من قدرها، ويسعى إلى إلغائها، من أجل أن «تحل محلها قيم الإشباع الفوري والسعادة الفورية». وبما أن المجتمعات الحديثة السائلة تنظر بعين الغرابة إلى الشهداء والأبطال، باعتبارهم أناساً غير عقلانيين، فمن ذا الذي يقدم على ذلك الألم، ويتحمل تلك المعاناة بمحض إرادته؟ إلا إذا كان عقاباً تديره السلطات المختصة، وعليه، فإن المضحي في الأزمنة الحديثة لا بد أن تنتفي المشقة والألم عن تضحيته، ولعل المشاهير هم المثال المعبّر عن هذه المميزات، لأن شهرتهم ليست وليدة أفعالهم، كالشهداء والأبطال، بل العامل الرئيسي لاشتهارهم، على حد قول باومان، هو «كثرة صورهم، وانتشار أسمائهم في البرامج العامة والحوارات الشخصية»، فمحاولة تقديم المشاهير كنموذج يحتذى به، راجعة، في الأساس، إلى أنهم التعبير الصادق عن النمط الاستهلاكي المميز لعصر الحياة السائلة.
إن الأرض التي يفترض أن يقف عليها مستقبلنا إنما هي أرض رخوة بكل تأكيد، تماماً مثل وظائفنا والشركات التي تعرضها، وشركاء حياتنا وشبكات أصدقائنا، ومكانتنا في المجتمع ككل.
الخوف.. الأمن والمدينة
الإنسان المعاصر يعتريه توجّس دائم من المستقبل، بسبب غياب الاطمئنان وتزايد المخاوف، ذلك أن الحياة السائلة في الواقع تتغذى بإنتاج المخاطر، وتبقي باستمرار حالة اللايقين، يعبّر باومان عن ذلك بالقول: «إن الأرض التي يفترض أن يقف عليها مستقبلنا إنما هي أرض رخوة بكل تأكيد، تماماً مثل وظائفنا والشركات التي تعرضها، وشركاء حياتنا وشبكات أصدقائنا، ومكانتنا في المجتمع ككل»، ولعل ذلك يرجع إلى «فكرة التقدم»، ووعودها بتحقيق السعادة والطمأنينة والسكينة، فعوضاً عن كل ذلك، صارت حياة الناس تتسم بالخوف والقلق، وبذلك ما عادت تلك الفكرة «توحي بالآمال الكبرى والأحلام الجميلة، بل صارت تشير إلى معاناة الأرق وكوابيس الخوف من التخلف عن الركب، أو فقدان القطار»، وعليه، فقد صار الخوف ملازماً لوجود الإنسان، وصار القلق من صميم ذات الإنسان المعاصر، واللافت للنظر أن الخوف أصبح استراتيجية بيد الحكومات والشركات، تستغله السلطة لكي تتحكم في الفرد، وتستثمره الشركات من أجل زيادة مبيعات منتجاتها.
لم يقتصر الخوف على الريف فقط، بل انتقل إلى المدينة، التي كانت إلى وقت قريب موطناً للأمن والأمان، وهي اليوم تتحول تدريجياً إلى «حالة الطبيعة التي تتسم بسطوة الرعب وهيمنة الخوف»، إن انتقال الخوف إلى المدينة سببه الرئيسي اختلاط قاطني المدينة بالغرباء الغامضين، ما ولّد اللاثقة، بحيث تتمظهر مظاهر الخوف في الخنادق والملاجئ المحصنة من أجل فصل سكان المدينة عن الغرباء، هذه المظاهر لم تساعد على إرساء الأمان بقدر ما زادت من حجم المخاوف. غير أن الوضع المأساوي هذا، يُبرز حقيقة تلك الشعارات المرفوعة من قبيل «التقدم نحو الحضارة»، فهذه العبارة، على الرغم من جاذبيتها وسحرها، إلا أن معناها الحقيقي يفقد ذلك السحر، ويبطل تلك الجاذبية، ذلك أن التقدم، حسب باومان، لا يكون «إنجازاً واحداً مقطوعاً» بل هو في الحقيقة صراع يومي متواصل، بشرط ألاّ يحقق هذا الصراع الانتصار النهائي، لأنه في الأخير «لا يرجى منه أن يصل إلى خط النهاية، بل يدفعه على الدوام الأمل في الانتصار».
حياة استهلاكية
« يقوم المجتمع الاستهلاكي على وعد بإشباع الرغبات البشرية»، لكنه لا يفي بهذا الوعد، بل يترك الفرد يلهث وراء الإشباع من دون جدوى، لأن الإشباع في الواقع لا يحتفظ بسحره ورونقه إلا بعدم تحقيق الإشباع، في سبيل تحقيق هذا الهدف يعتمد على استراتيجية تتمثل أولا في الحطّ من قيمة السلع الاستهلاكية بعد فترة قصيرة من ترويجها في عالم الاستهلاك، ثمّ يجعل إشباع كل رغبة أو حاجة أو أمنية، حلماً بعيد المنال، يتحول مع مرور الوقت إلى إكراه أو إدمان، «فما يبدأ رغبة ينتهي إكراهاً أو إدماناً»، وحتى تنجح هذه الإستراتيجية، كضمان لبقاء المجتمع الاستهلاكي، تستثمر في جسد المستهلك، فالإنسان المعاصر الذي أنتجته الحداثة السائلة هو إنسان متمركز حول جسده، مسحور به، قلق عليه، لذا استغل خبراء التسويق هذا القلق المرتبط بالجسد، لأجل الدعاية لمنتجاتهم، وزيادة أرباحهم، «فالوعد بتخفيف ذلك القلق أو القضاء عليه هو أكثر عروض السوق الاستهلاكية جاذبية»، كما أن تأثير لغة السوق، ورؤية الآخرين بمنظار السوق امتد إلى الأطفال أنفسهم، حتى صاروا مادة استهلاكية، يستغلها خبراء التسويق من أجل زيادة أرباحهم، من خلال الوعد بتخفيف وطأة قلق الأسر والعائلات.
ما الحل؟
يرسم باومان في الأخير طريقاً من أجل الخروج من المأزق الذي تعيش فيه البشرية، فهو يدعوها إلى إعادة بناء الروابط بينها على أسس متينة وصلبة، قائمة على الحب والصداقة والثقة المتبادلة، لأن ذلك من شأنه أن يساعدها على الانخراط في جهد متواصل لجعل الوجود الإنساني أكثر رحابة وقبولا للتعاون، كما يدعوها، والحال هذه، إلى إعادة النظر في التعليم، لأن الحاجة إلى «التعليم مدى الحياة» ضرورة، من أجل التمكين من إعادة بناء الفضاء العام الذي صار مهجوراً، لكي ينخرط فيه الرجال والنساء، على حدّ سواء، في ترجمة مستمرة بين الواجبات والحقوق، والمصالح الفردية والجماعية، الخاصة والعامة.
٭ كاتب جزائري