لندن ـ «القدس العربي»: ربما الكلمة الأكثر دلالة في عنوان فيلم «الحياة اللامرئية لأوريديسي غوزماو» (2019) للمخرج البرازيلي من أصول جزائرية كريم عينوز، وهو الفيلم الذي حاز جائزة «نظرة ما» في مهرجان كان في دورته للعام الحالي، هي كلمة «اللامرئية». الفيلم يسرد لنا مدى المعاناة والألم والبطش الذي تتعرض له شقيقتان فُصلتا قهرا وظلما.
هي معاناة أراد لها المجتمع وأعرافه وبطش الرجال أن تبقى لامرئية، مختفية تحت سطح المجتمع الذي يود أن يبدو منمقا طيبا. تبدأ أحداث الفيلم في البرازيل في خمسينيات القرن العشرين، في بيت أسرة لا نعرف عنها الكثير، وربما نبقى طوال الفيلم ونحن لا نعلم عنها شيئا، ولكن ما يوضحه لنا السرد هو أن ما يجري في هذا البيت هو ما سيتحكم في مصير أختين. الأختان هما غيدا (جوليا ستوكلر) وأوريديسي (كارول دوارتيه). غيدا تود لو تحررت من قيود الأسرة، تبحث عن العشق والسفر واكتشاف الدنيا واغتراف مباهجها. الأخت الثانية هي أوريديسي، التي تكرس عالمها الصغير للعزف على البيانو وتبرع فيه، وتتمنى أن يقودها النبوغ في عزفه إلى عالم آخر يبعد عن بيت أسرتها.

الشقيقتان مختلفتان في الطباع، فغيا أكثر جموحا وتمردا من أوريديسي، ولكن يجمعهما حب كبير وصراحة تامة. ظل الأب يخيم على حياة الشقيقتين ومصيرهما وعلى حياة الأم. لا يسبر الفيلم للأب غورا، ولا يقدم عن شخصيته تفاصيل، سوى أنه المهيمن على مصير الأسرة ومسيرة حياة زوجته وبنتيه، وأنه رجل يتمسك بالتقاليد ويخطط لتزويج بنتيه زيجات تقليدية، من أشخاص يرضاهم هو. يبدو لنا الأب مجرد رمز لمجتمع ذكوري أبوي يتحكم في مصائر النساء. لا يوضح لنا عينوز سبب طغيان الأب ولا يقدم تفسيرا لقسوته، ولا يوجد ما يفسر سلوكه سوى رغبة المخرج أن يجعل منه رمزا يفتقر للإقناع للمجتمع الذكوري وسلطة الأب. لكن غيا، الأخت الأكثر تمردا، تقع في الحب وتفر من المنزل مع حبيبها، لتعود بعد عدة أشهر من فشل القصة حاملا إلى بيت أبيها، الذي يلفظها ويرفضها تماما، ويتبرأ منها ويخفي كل أثر لها من حياة أمها وشقيقتها.
سيقطع الأب أواصر الصلة بين ابنتيه ويمحو وجود غيا تماما، لكن أوريديسي لن تكف يوما عن البحث عن أختها التي فقدتها. تواجه الشقيقتان قسوة المجتمع الذكوري وتجبر الرجال، كل منهما بصورة مختلفة، ستتفرق سبلهما ويريد لهما الأب ألا يلتقيا قط، ولكنهما على البعد ستتشاركان في مواجهة قسوة المجتمع، قسوة تحمل قدرا كبيرا من الافتعال والميلودراما غير المبررة والنزعة البكائية المفتقرة بلا إقناع. يحاول المخرج أن يصور بطش المجتمع الذكوري، فيصور كل الرجال في الفيلم في صورة القساة الغلاظ المنتهكين للنساء، بدون أن يكلف نفسه عناء رسم هذه الشخصيات بعمق كاف، فتتحول جميع شخصيات الرجال في الفيلم إلى مسوخ كاريكاتيرية، وهذا يحد إلى درجة كبيرة من اقتناعنا بمعاناة النساء.
قدم عينوز فيلما بكائيا طويلا ممتدا زمنا، نخرج منه متململين، لنقول لأنفسنا إن النساء يواجهن الكثير، ثم لا يبقى في ذاكرتنا منه الكثير.
تحاول كل من الأختين لململة جراح الحياة والبعد، وتحاولان العيش مع الخذلان والخيبات والبطش، أو إيجاد قدر يسير من السعادة في مجتمع يبطش بالنساء، ولكن ما يخفف بعض الشيء عن غيا هو البوح بالكتابة، في سلسلة لا تنقطع من الرسائل لأختها، رسائل لا تصل قط لوجهتها، لأن الأب يقرر إخفاءها كما قرر بتر مرسلتها من حياة الأسرة. يُفتَرض لنا أن نتعاطف مع الشقيقتين وأن ينفطر قلبنا لمعاناتهما، لكن واقع الحال هو أننا ننفصل عن هذه المعاناة ونشعر بأن قدرا كبيرا منها مقحم مبالغ فيه بدون إقناع. قرر المخرج قسرا وعنوة أن تكون شخصيات جميع الرجال في الفيلم تجسيدا لشر كارتوني لا نعلمه، شر قرر أن يغالي فيه، ظنا منه أنه بقدر فداحة الشر، يكون التعاطف من الضحية/المرأة. أكثر من ساعتين من المعاناة والبكائية كان يمكن اختصارهما إلى ساعة وبضع دقائق، بدون الشعور بأن الفيلم فقد شيئا من جوهره المفترض.
من أب بالغ القسوة والبطش بدون أن نعرف سببا لذلك، لعشيق مخادع معسول الحديث ترك غيا حاملا وابتعد، لزوج أوريديسي الذي يمارس معها الجنس عنوة وقهرا بفجاجة وإجبار لا نرى لهما سببا، كلها شخصيات لرجال يمارسون عنفا لا نفهم له مبررا أو سببا، فننفصل عن عالمه تماما، وننساه فور انتهاء مشاهدتنا للفيلم.
رغم جرعة الألم والميلودراما غير المبررة التي تسكن الفيلم، يقدم الفيلم بصيص أمل، بصيصا يتمثل في حياة الأحفاد، فسردية الفيلم تصحبنا في رحلة تفوق نصف قرن من البطش في حياة أختين، ولكنه ينتهي بجرعة أمل عن حفيدة تعمل في عمل يرضيها وعن أبناء محبين لأمهم. هو فيلم يمكن وصفه بأن النوايا الحسنة دوما لا تؤدي إلى النتيجة المرجوة، فعينوز يبدو لنا صادقا في مسعاه لتصوير معاناة المرأة في مجتمع ذكوري، ولكن طرحه للقضية وسردية الفيلم يحولان دون ذلك. يغص الفيلم بالتفاصيل غير المقنعة التي لا يفلح المخرج في تقديمها لنا بصورة ترضي عقليتنا، فما الذي يدعو مثلا أم الأختين إلى الإذعان لهذا البطش من زوجها، حين قرر بتر غيا من الأسرة؟ ولم قرر المخرج أن يكون زوج أوريديسي بهذه الفجاجة، بدون وجود سبب جوهري لذلك؟ ولم لم تلتق الشقيقتان قط، ولو مصادفة، رغم بحثهما الحثيث عن العثور على بعضهما بعضا، وهما في حيز مدينة واحدة؟ قدم عينوز فيلما بكائيا طويلا ممتدا زمنا، نخرج منه متململين، لنقول لأنفسنا إن النساء يواجهن الكثير، ثم لا يبقى في ذاكرتنا منه الكثير.