لم تمر أيام على الغزو الروسي لأوكرانيا، حتى شهدت مصر موجة من ارتفاع الأسعار، طالت كافة السلع الغذائية ومواد البناء، وخسر الجنيه المصري ما يقرب من 17 في المئة من قيمته أمام الدولار الأمريكي.
ووصل سعر الدولار إلى 18.31 مقابل 15.74 جنيه الأحد الماضي.
وجاء ارتفاع سعر الدولار، بعد الاجتماع الاستثنائي الذي عقده البنك المركزي الاثنين، الذي قرر خلاله رفع سعر الفائدة بنسبة 1 في المئة، ليصبح 9.25 في المئة على الإيداع، 10.25 في المئة على الإقراض، ويعد هذا القرار، هو أول رفع لسعر الفائدة منذ تموز/يوليو 2017.
الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني الأمين العام لمجلس الأمناء وعضو المكتب السياسي لحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، قال إن السياسات الاقتصادية التي تتبناها الحكومة المصرية خلال السنوات الماضية هي السبب المباشر في الموجات المتتالية لارتفاع الأسعار وانخفاض قيمه الجنيه.
الميرغني، انتقد في حوار مع «القدس العربي» اعتماد الحكومة المصرية على الاقتراض، وتبنيها سياسات تنحاز لرجال الأعمال على حساب محدودي الدخل والطبقة المتوسطة.
وأعاد الميرغني انخفاض سعر الجنيه أمام الدولار بسبب للضغوط التي يواجهها سوق النقد الأجنبي لتوفير فوائد وأقساط الديون. وهنا نص الحوار.
○ كيف ترى القرارات الأخيرة للبنك المركزي المصري برفع سعر الفائدة وتخفيض سعر الجنيه؟
•توجد أزمة متصاعدة من النصف الثاني من عام 2021، وظهر ذلك خلال الربع الأخير من العام الماضي، ومع بداية عام 2022 تم تخفيض وزن رغيف الخبز وزيادة سعر أسطوانات الغاز مرة ثم تبعتها مرة أخرى، وتم رفع سعر البنزين بقيمة 25 قرشا وحدثت موجة تضخمية. ومع اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا تفجرت موجة غلاء جديدة لم تشمل سلعا مستوردة رغم اننا لم نستورد كيلوغراما واحدا بالسعر العالمي الجديد لكن المنتجين في غياب الرقابة والمحاسبة رفعوا أسعار الأسمنت والحديد بنسبة 20 في المئة فاشتكت شركات المقاولات ورفعت شركات التطوير العقاري أسعارها 20 في المئة. صاحب ذلك تخفيض قيمة الجنيه المصري بأكثر من 15 في المئة، واتضح أننا دخلنا في موجة تضخمية جديدة، لذلك اجتمع الرئيس السيسي بقيادات الدولة وطلب منهم ضبط الأسواق والأسعار واتخاذ المزيد من إجراءات الحماية الاجتماعية.
○ ما تأثير هذه القرارات على حياة المواطنين؟
•أصدر مجلس الوزراء حزمة لدعم الأسواق والمزيد من الحماية الاجتماعية تضمن اعتماد 130 مليار جنيه لمواجهة الأزمة من خلال 25 إجراء منها 8 تخص الفقراء ومحدودي الدخل مثل زيادة العلاوة الاجتماعية لموظفي الحكومة إلى 8 في المئة ولغير المخاطبين بقانون الخدمة المدنية 15 في المئة ولأصحاب المعاشات 13 في المئة مع صرف الزيادات اعتباراً من شهر نيسان/ابريل المقبل وعدم الانتظار إلى شهر تموز/يوليو المقبل، كما تم رفع حد الإعفاء الضريبي إلى 30 ألف جنيه سنوياً وضم 450 ألف أسرة إلى معاش تكافل وكرامة.
ورغم كل المميزات والإجراءات التي تمت، يتواصل اجتياح الغلاء الذي لا نعرف له حدودا ونخشى أن يتزايد خلال الشهور المقبلة مع تخفيض قيمة الجنيه المصري، حيث بدأت أزمات القطاع الصناعي وعدم قدرته على تدبير احتياجاته من الخامات خاصة في صناعات الكيمائيات والمنظفات والكرتون، في ظل رفع سعر الدولار رغم تثبيت سعر الدولار الجمركي. ويصعب التنبؤ الآن هل تكفي الإجراءات التي تم اتخاذها لامتصاص الغلاء أم أن انفلات الأسواق وجشع المستوردين والتجار والاعتماد على الخارج سيلتهم كل الزيادات التي تمت ويؤدي إلى سقوط ملايين المصريين تحت خط الفقر؟
○ ما تقييمك للسياسات الاقتصادية التي تتبناها الحكومة المصرية الآن؟
•أرى الأمر من جانبين، الأول أنها تابعة للخارج ومعتمدة على الخارج أكثر من اعتمادها على الذات، ومقومات الاقتصاد المصري، أما الأمر الثاني، أنها منحازة لرجال الأعمال والطبقة الرأسمالية أكثر من القطاعات الأخرى في المجتمع. لكن بعيدا عن هذه الانحيازات، يمكننا أن نقيم حجم الديون الداخلية والخارجية، والعجز في الموازنة العامة للدولة، وحجم العجز في ميزان المدفوعات، ومدى نمو الصادرات وأي أنواع من الصادرات.
الموازنة هذا العام تتضمن أكثر من 500 مليار جنيه لفوائد الديون، إضافة إلى ما يقرب من 600 مليار جنيه، أقساطا للديون، وفي الوقت نفسه تتضمن 1.1 تريليون جنيه ديونا جديدة، وبالتالي أصبحنا نمون الموازنة بالديون والعجز، وفي الوقت نفسه، سياسات إلغاء الدعم وإطلاق سياسات السوق التي تؤدي إلى رفع معدل الفقر ونسب الجوع في مصر.
○ الحكومة تبرر اتجاهها للاقتراض بأن هناك ميراثا كبيرا من الأزمات الاقتصادية، فما رأيك؟
•أولا ليس ميراثا، لأن الديون التي كانت في حدود تريليون جنيه عام 2014 عندما تولى الرئيس عبد الفتاح السيسي المسؤولية، الآن وصلت إلى أكثر من 7 تريليون جنيه، واقترضنا خلال 8 سنوات، حوالي 6 تريليون جنيه، وهذا ليس له مبرر، سوى الدخول في مشروعات، لم يتم إعداد دراسات جدوى اقتصادية لها، وليست على جدول أولوياتنا، مثل العاصمة الإدارية الجديدة، وقطار المونوريل ومثل كل هذه المشروعات.
ثانيا السؤال هل لدى مصر مقومات بناء اقتصاد متوازن وتنمية اقتصادية مستدامة؟ بالطبع مصر لديها الإمكانيات، لكن للأسف السياسات الاقتصادية تعتمد على الخارج والديون وفرض الضرائب والرسوم على محدودي الدخل.

○ لكن المؤسسات الدولية تتحدث عن تحسن في مؤشرات الاقتصاد المصري، رغم ما يشعر به المواطن من أزمات في المعيشة، كيف يستقيم ذلك؟
•المؤسسات الدولية، تحاول تبرير أسباب تمويل الاقتصاد المصري، هم يعلمون أن مصر تمتلك مقومات اقتصادية قوية، لكن سوء الإدارة الاقتصادية والتوجيهات السيئة التي تصدر من البنك والصندوق الدوليين يجعل الدولة والحكومة يلتزمان بسياسات اقتصادية تؤدي إلى تدهور المؤشرات كما قلت في السابق، لكن هم لابد أن يضعوا تقديرات إيجابية لإعطاء مصر مزيدا من القروض ويتم تغريقها في الديون، لإخضاعها والسيطرة عليها لسنوات كثيرة مقبلة، فمؤشراتهم تقابلها حقائق على الأرض تتمثل في عجز الموزانة، وعجز في ميزان المدفوعات، ومعدلات الفقر، وضعف القطاعات السلعية، كل هذه المعدلات تؤكد أن الاقتصاد ليس بخير.
○ بالحديث عن معدلات الفقر، الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في آخر تقرير له تحدث عن انخفاضها لأول مرة منذ 20 عاما؟
•أعتقد أن المعدلات المعلنة، ناتجة عن التداخل بين السياسة والإحصاء، والصحف تحدثت عن أن جهات أمنية اعترضت على نتائج بحث الفقر ولذلك لم يصدر بعد، والمفارقات التي تجلعنا لا نطمئن لمثل هذه الأرقام، إن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في التقرير الأول الذي أصدره عن تأثير وباء كورونا على مصر، قال إن هناك 2.3 مليون فقدوا وظائفهم بسبب الوباء، ومع ذلك يتحدث التقرير عن انخفاض معدل الفقر، فكيف ذلك؟
○ الحكومة المصرية تدافع عن إجراءات الإصلاح الاقتصادي الذي اتخذتها خلال السنوات الماضية باعتبارها أنقذت الاقتصاد من الانهيار وقت الوباء؟
•لو هذه الإجراءات أدت إلى زيادة في الإنتاج الزراعي والصناعي وتخفيض في الديون والعجز، لكننا رأينا سعر صرف الجنيه مقابل الدولار وكيف انعكس ذلك على معيشة وحياة المواطنين، ولم يؤد إلى تحسين في أي مجال من المجالات، ما تشهده مصر هو بناء محاور وجسور وطرق، وفي الوقت نفسه، نصفي المشروعات الإنتاجية الحقيقية، فقد شهدت السنوات الماضية، تصفية مصانع الحديد والصلب والغزل والنسيج، والقومية للأسمنت.
○ شهدت مصر موجة ارتفاع كبير في الأسعار خلال الأيام الماضية مع بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، فهل تتفق مع الاتهامات التي توجه للتجار بالتسبب في الأزمة؟
•معدلات التضخم ترتفع في مصر خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، وموجة ارتفاع الأسعار غير ناتج عن جشع التجار، وهذه ليست الموجة الأولى، حتى الآن لم نستورد قمحا أو بترولا بالأسعار الجديدة، ومع ذلك الأسعار ارتفعت، والكارثة الأكبر هو التخفيض القادم الذي سيشهده الجنيه المصري مقابل الدولار، ومع استمرار سياسة الاعتماد على الخارج، ستكون هناك موجات من التضخم وارتفاع الأسعار التي ستزيد من معدلات الفقر وتردي مستوى المعيشة.
كما أننا نستورد من روسيا وأوكرانيا قمحا وذرة، فلماذا ارتفعت أسعار الحديد والأسمنت؟
○ وصفت نية الحكومة برفع أسعار العيش المدعم بأنه إملاءات أجنبية، فمن يصدر هذه الإملاءات؟
•عندما حصلنا على قرض قدره 13 مليار دولار عام 2016، وقعت مصر على خطاب نوايا، ونشر في الجريدة الرسمية، يحمل تعهدات محددة، منها إطلاق حرية السوق، وتمكين القطاع الخاص، وعدم التدخل في آليات التسعير، وإصدار عدد من التشريعات منها قانون الضريبة المضافة، وقانون الخدمة المدنية الذي يستهدف العاملين في مؤسسات الدولة، وقانون التأمينات الاجتماعية وقانون التأمين الصحي وقانون العمل، كل هذه التشريعات جرى إصدارها عدا قانون العمل الذي يجري تداوله الآن، فبالتالي كل ما يتم من هذه السياسات هو تنفيذ لإملاءات صندوق النقد الدولي، وتعهدات مصر في خطاب النوايا والالتزامات التي وقعت عليها مع القرض الأول عام 2016 وقد حصلنا على قرض آخر مع بداية انتشار وباء كورونا، والآن هناك مفاوضات على قرض ثالث.
○ ترفض أحزاب المعارضة المصرية تصفية قطاع الأعمال العام «الشركات المملوكة للدولة» فما الحلول البديلة لمعالجة الخسائر المستمرة؟
•في البداية لابد من التأكيد أن المصانع لا تخسر بل يتم تخسيرها من خلال خطة تتمثل في الإدارات الفاسدة، والتعاقدات التي تلزم قطاع الأعمال العام بشروط مجحفة في الأسعار، بينما يمثل هذا القطاع في العالم كله ركيزة أساسية لحماية المجتمع، ورأينا عام 2008 خلال الأزمة المالية العالمية، أمريكا وإنكلترا أمموا شركات ومصانع ومصارف للحفاظ على توازن السوق، والآن يحدث ذلك في المواجهة بين الغرب وروسيا، فكلا منهم يؤمم مشروعات الآخر في بلاده، ما أقصده أن التأميم وسيلة لتوفير سلع في متناول الناس وسيطرة الدولة على السوق لتلبية احتياجات المواطنين، إطلاق الأمر للقطاع الخاص يؤدي إلى رفع التكلفة ومزيد من الأعباء على المواطنين محدودي الدخل، وعلى سبيل المثال شهدت مصر حملة واسعة ضد تصفية شركة حلوان للحديد والصلب، لكن في الوقت نفسه، عندما نتابع الإحصائيات نجد أن إنتاجنا من الصلب زاد خلال العام الماضي، لكن سعر طن الحديد ارتفع مع خروج الشركات الحكومية من السوق.
ومع اندلاع أزمة أوكرانيا، ارتفع سعر طن الحديد في مصر ألف جنيه، وهو استغلال للحرب والحديث عن تأثيرها من قبل أصحاب المصانع لتحقيق أرباح إضافية، سيؤدي في النهاية لرفع سعر الوحدات السكنية حتى التي تبينها الدولة، ونرى الحكومة تطرح وحدات بأسعار مبالغ فيها لا يمكن أن تستهدف المواطن محدود أو متوسط الدخل، كما يرفع تكلفة المشروعات التي تنفذها الدولة.
○ كيف ستنعكس الأزمة الروسية الأوكرانية على الاقتصاد المصري؟
•الحرب الروسية الأوكرانية، ستؤثر علينا في أكثر من جانب، الأول هو قطاع السياحة، وكانت مصر تستقبل عددا كبيرا من السائحين الروس والأوكران، الأمر الثاني، ستتوقف واردتنا من القمح والذرة من هذين البلدين، وارتفاع أسعار القمح في الأسواق العالمية، ما يمثل عبئا إضافيا على الموازنة المصرية، وارتفاع أسعار البترول، ربما يحدث بعض التحسن في إيرادات قناة السويس، لكن ارتفاع أسعار البترول والقمح سيلتهم أي زيادة في إيرادات القناة.
وعقدنا ندوة في حزب التحالف الشعبي الاشتراكي عن هذه الأزمة، وأجمع الخبراء وكلهم أكاديمون في جامعات مصرية، على أن تخريب القطاع الزراعي يتم وفق خطة محكمة، لإضعاف مصر، من خلال تقليص مساحات زراعة القمح والأرز والذرة، كليات الزراعة في مصر لديها أبحاث تقدم حلولا لكل أزمات قطاع الزراعة في مصر من حيث المساحة وتوفير المياه وأوضاع الفلاحين والحفاظ على التربة، نفس الأمر في الصناعة، لكن تنقصنا الإرادة السياسية، في الوقت نفسه، تتجه الحكومة للتوسع في القطاع العقاري، رغم وجود ما يقرب من 6 مليون شقة مغلقة، ولدينا في منطقة الساحل الشمالي – شمال مصر، آلاف الوحدات السكنية التي جرى بناؤها ولم تستغل حتى الآن، وهي طاقات مهدورة لو وجهت للقطاعات الإنتاجية، كنا أصبحنا في مكان آخر.
○ هناك انتقادات للسلطة المصرية فيما يتعلق بإزالة أحياء كاملة، فيما تبرر الحكومة ذلك بأنه ضمن خطة لتطوير المناطق العشوائية والخطرة؟
•الحديث عن أنها مناطق عشوائية كلمة حق يراد بها باطل، فمثلا لا يمكن وصف مساكن ألماظة والحي السادس في مدينة نصر في القاهرة، بأنها عشوائية، فهي مناطق مخططة على أعلى مستوى تتضمن شوارع واسعة عرضها يصل إلى 30 مترا وبها حدائق، وبالتالي ما يتردد عن أنها إزالة للعشوائيات مجرد أكذوبة، فما يحدث هو إزالة لمناطق الفقراء لمصلحة شركات الاستثمار العقاري خاصة الشركات الخليجية، الأمر الآخر أن الأمم المتحدة، أكدت على ضرورة أن يجري تطوير المناطق العشوائية، بمشاركة السكان الأصليين، ما نراه هو مجرد قرارات فوقية، وأوامر بالإزالة، وقوات تزيل هذه المساكن، بدعوى المصلحة العامة.