يرى الأستاذ الجامعي في الجيو-سياسة العميد اللبناني المتقاعد خليل الحلو أن بندين من اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل يُحمِّلان الحكومة بالكامل مسؤولية التنفيذ، وأن عليها أن تؤمِّن للجيش اللبناني كل ما يلزم للقيام بهذه المهمة، وهو ما لا نراه حتى اليوم من الحكومة. وهما يشكلان نقطتي ضعف فيه.
ويعتبر أنه على الرغم من الثغرات في الاتفاق، سيقوم الجيش بالانتشار في جنوب الليطاني، لكنه لن يشتبك مع “حزب الله”، بمعنى أنه إذا انسحب طوعاً من الجنوب ستسير الأمور بشكل جيد، ولكن إذا أبقى جزءاً من قواته في الجنوب بخلاف ما قد يعلن من انسحاب، فلا نعلم ما إذا كان الجيش سيصادر أسلحته، لافتاً إلى أنه إذا أرادت إيران فك الاشتباك مع إسرائيل فهذه الإرادة أقوى من جميع الاتفاقات.
ويقول الحلو إن مقولة “حدود إيران ـ إسرائيل” انتهت، لكن “الحزب” سيبقى قوياً على الصعيد الداخلي للسيطرة على القرار اللبناني والإمساك بالدولة العميقة.
وفي قراءته، أن ما يجري على الساحة السورية فاجأ الجميع، ويُظهر بوضوح أن الأمور أُعِدَّت بدقة متناهية. وحديث أبو محمد الجولاني عن حل “هيئة تحرير الشام” وأنه يريد حكماً وطنياً في سوريا يعني أن العملية ليست محكومة بمزاجه. وتوقف عند انعكاسات تطورات الوضع السوري على لبنان، منها الإيجابي ويتمثل بحاجة إيران إلى بذل جهد أكبر بكثير في سوريا مما عليها أن تبذله في لبنان، الأمر الذي يُعطي حظاً أكبر لتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار في الجنوب رغم العثرات. أما التداعيات السلبية، فتكمن في الخشية من استعمال الأراضي اللبنانية، ولا سيما البقاع وعكار، كمنطقة عبور بين الساحل السوري ودمشق في حال سقوط حمص، فضلاً عن الخشية من أن يحصل اصطدام بين النازحين السوريين، من معارضي النظام ومؤيديه، فالطرفان لهما وجود عندنا. وهنا نص الحوار:
■ باعتقادك، هل سيصمد وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، وتحديداً بين إسرائيل وحزب الله؟
■ إذا قرأنا نص الاتفاق المؤلّف من 6 صفحات، الذي تسلّمته الحكومة اللبنانية من أمريكا، سنجد أن هناك بندين يُحمِّلان الحكومة بالكامل مسؤولية التنفيذ، أحدهما يقول: “على حكومة لبنان”، وهذا يعني أن الحكومة هي المسؤولة، وعليها ألا ترمي المسؤولية على غيرها، وأنّ عليها أن تُؤمِّن للجيش اللبناني كل ما يلزم لتنفيذ هذا الاتفاق. هذان البندان، بحد ذاتهما، يُضعفان الاتفاق، لأن الحكومة لم تفعل شيئاً لغاية الآن. البعض يقول إنهم اجتمعوا بقائد الجيش، هذا كلام صحيح، وهناك وزراء حاولوا الإيحاء بأنهم مترددون ويريدون قراءة النص، لكنهم في آخر الأمر لم يحرّكوا ساكناً، وطلبوا من قائد الجيش مغادرة الاجتماع فغادر. لم تُصدر الحكومة مرسوماً خطياً كما حدث بعد انتهاء الحرب الأهلية في العام 1990. يومها صدر مرسوم من قبل الحكومة التي كانت برئاسة الرئيس سليم الحص، في عهد الرئيس إلياس الهراوي، يحمل الرقم 10 لسنة 1991 ينص على تكليف الجيش بحفظ الأمن في كل المناطق اللبنانية، على أن يتم تجديده كل 6 أشهر، ولم يجددوه إلا مرة واحدة، لكن الجيش ما زال يستند إلى هذا المرسوم حتى ينتشر في كل المناطق، بالرغم من أن مسؤولية حفظ الأمن مناطة بقوى الأمن الداخلي. الحكومة لم تُصدر مرسوماً تكلّف بموجبه الجيش بالانتشار جنوب الليطاني، والجيش لا يتلقى أوامره من الأمم المتحدة، إنما من الحكومة اللبنانية، لذا يتعيّن على الحكومة أن تُصدر مرسوماً بذلك، ثمَّ أن قيادة الجيش لم توضح ما تبلّغته من الحكومة.
ما نعرفه أن هناك قراراً دولياً ولكن ليست هناك نصوص لبنانية تنفيذية. ولأوضح الأمر أكثر، على افتراض أن مجلس النواب أصدر قانوناً، فلا يستطيع موظفو الدولة تطبيقه لأنه يتوجب على كل وزارة معنية بهذا بالقانون إصدار ما يُسمى بـ”النصوص التطبيقية”، إما عبر مراسيم أو قرارات وزارية. كان على الأقل على وزير الدفاع أن يُصدر قراراً بتكليف الجيش، أو أن تُصدر الحكومة مرسوماً تطبيقياً.
■ في اليوم الذي أعلن فيه مجلس الوزراء موافقته على اتفاق وقف إطلاق النار، قال الرئيس ميقاتي: إننا ننتظر أن ترفع قيادة الجيش الخطة ليوافق عليها المجلس (مقاطعاً)…
■ لقد سلّمتهم الخطة.
■ يريدون خطة تفصيلية؟
■ ما علمته أن هناك خطة موجودة تنص على أن يبدأ الانتشار من القطاع الغربيّ، ثمَّ الأوسط، فالشرقيّ، وكل مرحلة تحتاج إلى 20 يوماً. وإذا كانوا يريدون تفاصيل أكثر، كان بإمكانهم ولا سيما أن قائد العمليات العميد رودولف هيكل كان موجوداً وهو المسؤول عن التنفيذ – أن يطلبوا منه إطلاعهم على الخرائط وما يريد فعله.
■ وهل مجلس الوزراء معنيّ بمناقشة تفاصيل الخطة أم أن الأمر مناط بقيادة الجيش؟
■ إذا كانوا يريدون هذا الأمر وأن يتسلّم الجيش فعلاً منطقة جنوب الليطاني، فلماذا لم يُكلِّفوا الجيش بموجب كتاب خطيّ. الرئيس نبيه بري قال للمواطنين عودوا إلى منازلكم لكن الجيش الإسرائيلي منعهم من العودة، فأصبح أفيخاي أدرعي (الناطق باسم الجيش الإسرائيلي) هو مَن يُصغي إليه اللبنانيون. هذه جُرصة (فضيحة).
■ يُفترض أن يُطبِّق الجيش هذه الآلية منذ العام 2006 فهو انتشر يومها جنوب الليطاني؟
■ انتشرَ يومها بموجب تكليف من الحكومة.
■ ألم يزل التكليف سارياً حتى اليوم؟
■ كلا، لأن تعليمات كثيرة صدرت بعد هذا التكليف، ومنها: إذا ضبطتم سلاحاً لـ”حزب الله” فلا تصادروه؛ وإذا شاهدتم عناصر لـ”الحزب” لا تعترضوهم! رئيس الحكومة آنذاك فؤاد السنيورة كان يريد للجيش أن ينتشر بفعالية، ولكن بدأت التدخلات حتى نسي الكل مضمون الاتفاق. لنعد إلى المرحلة الحالية، هناك نقاط ضعف لأن القرار 1701 لا يتعلق فقط بجنوب الليطاني، إنما بشماله أيضاً. الانتشار في جنوب الليطاني مرحلة أولى على أن يليه تطبيق القرارات الدولية في مرحلة لاحقة، أي القرار 1559، ولم نسمع شيئاً بهذا الخصوص من الحكومة، بل سمعنا من “الحزب” أنه ليس على استعداد لتسليم سلاحه، وأنه ما زال متمسكاً بمعادلته: “جيش، وشعب، ومقاومة”، هذه الأمور مجتمعة تشي بأن الاتفاق هشٌّ وضعيف.
أما على الجانب الإسرائيلي، فلا يوجد بند في الاتفاق يمنح لإسرائيل الحق بأن “تسرح وتمرح” في الأجواء اللبنانية، لكن الإعلام الإسرائيلي والأجنبي والعربي، نشر أن هناك ورقة تفاهم بين أمريكا وإسرائيل تُتيح لتل أبيب استطلاع الأجواء اللبنانية، وأن تقوم بردَّات فعل بمجرد شعورها بتحرّك يُشكّل خطراً على أمنها، على أن يكون نشاط قواتها الجوية غير منظور! هذه أيضاً فضيحة ثانية. وعندما تستطلعين المسؤولين اللبنانيين حول هذا الأمر يقولون إن لا شيء خطياً يقول هذا الكلام؛ لكننا لم نسمع أي ردة فعل حول ما نُشر عن هذا الموضوع.
والمعلومات من اليمين واليسار الإسرائيليَّين، تُفيد بأن نتنياهو عندما استشار وزرائه بشأن اتفاق وقف إطلاق النار لم يوافقوا عليه، إنما هو مَن أجبرهم على المضي به. الجيش الإسرائيلي يريد وقفاً لإطلاق النار، طلبًا للراحة بعد 14 شهراً من العمليات العسكرية، ولإعادة التذخير، ولإعادة تنظيم صفوفه.
■ هذا ما أعلنه نتنياهو أيضاً…
■ صحيح، إضافة إلى أن رؤساء بلديات الشمال الإسرائيلي، لا يريدون وقفاً لإطلاق النار. إذن يوجد ضغط داخلي على نتنياهو يشي بأن وقف إطلاق النار سيبقى هشاً، لذلك نجد أن الجيش الإسرائيلي مستمر بعملياته، ونرى كيف أنه يضرب أي تحركات يقوم بها “الحزب”. وسيسقط الاتفاق في أي لحظة إذا لم تحزم الحكومة أمرها وتقوم بتكليف الجيش بشكل واضح.
وردّي على من يقول إن القرار مدعوم أمريكياً، بأنه مدعوم عبر ضابط أمريكي وليس من قبل الأسطول السادس! ماذا يستطيع أن يفعل هذا الضابط – إذا لاحظ أمراً يتعارض مع الاتفاق – أكثر من أن يُبلغ الأمم المتحدة وحكومته التي ستبلغ بدورها تل أبيب وبيروت بذلك. بإمكانه ممارسة ضغط شفهي عبر الاتصال والتواصل، لكن هل بإمكانه أن يطلب من الطيران الأمريكي أن يردع الطيران الإسرائيلي أو حزب الله؟ لا، ليس بإمكانه ذلك.
■ معنى كلامك أن ترؤس الجانب الأمريكي للجنة له جانب معنوي لا عملي، ولا يُغيّر في الواقع شيئاً؟
■ النصوص بحد ذاتها لا تُغيّر في الوضع، إنما مَن يُغيِّر هو التزام الأفرقاء وإرادتهم بالتطبيق. أمريكا تريد التطبيق لكنها ليست على استعداد لإرسال جندي أمريكي واحد إلى لبنان. والفرنسيون أيضاً يريدون التطبيق، لكن لديهم نحو 700 جندي يعملون في إطار قوات الأمم المتحدة العاملة في الجنوب (اليونيفيل)، ولا تملك القدرة على التأثير. وجودهم يُشكِّل ضغطاً على إسرائيل وعلى لبنان، إنما لا يُشكِّل ضغطاً على “حزب الله”.
هناك نقطة أساسية، فالتصريحات الإيرانية متناقضة، مثلاً علي لاريجاني (كبير مستشاري المرشد الأعلى) والرئيس بزشكيان يقولان إن إيران تُساند أي قرار تتخذه المقاومة و”حزب الله”، وقد أعلنت إحدى الإذاعات المحلية أن “الحزب” أصدر بيانًا يُعلن فيه استعداده للانسحاب من جنوب الليطاني. هذا أمر جيّد، لكن في الوقت نفسه نسمع المرشد الأعلى علي خامنئي يقول إن الشعبين اللبناني والفلسطيني ليس لهما سوى السلاح للتعامل مع إسرائيل. كما أن احتفاظ “الحزب” بسلاحه شمال الليطاني معناه أنه يريد العودة بعد سنتين أو ثلاث إلى جنوب الليطاني، وإلا ما هو مبرِّر وجود سلاحه؟ هذه العوامل تجعلنا نشك بنجاح الاتفاق. ولنذهب إلى الشق الاقتصادي، فأي متموِّل سواء أكان لبنانياً أم أجنبياً، سيُقدم على تنفيذ مشروع ما في لبنان عندما يرى أن “الحزب” ما زال يقبض على سلاحه؟ وعلى كل حال ما يجري في سوريا أعاد خلط الأوراق.
■ وكيف تقرأ تطورات المشهد السوري؟
■ ما يجري على الساحة السورية فاجأ الجميع، ويُظهر بوضوح أن الأمور أُعِدَّت بدقة متناهية، فعندما نشاهد عناصر إسلامية موصوفة بأنها متطرفة في حلب تعمل على طمأنه المسيحيين وتجتمع برؤساء طوائفهم، وتفتح الأسواق ليلة عيد البربارة، والحديث عن حل “هيئة تحرير الشام” من قبل أبو محمد الجولاني، وأنَّ مَن يُمثلهم ليسوا من المتطرفين، وأنه يريد حكماً وطنياً في سوريا، هذا معناه أن العملية ليست محكومة بمزاج الجولاني. كما لا يمكننا تجاهل أن إيران وضعها سيّئ في سوريا، وبدلاً من أن تهتم بإعادة تسليح “حزب الله” طبقاً لما صرَّحت به، عليها الآن أن تُفكِّر بتثبيت الأسد، وأيضاً إمكانات “الحزب” على مساعدته ليست كما قبل بعد الضربات التي تلقاها. وثمَّة أمر آخر يجب ألا نتجاهله وهو موقف حركة “حماس” مما يجري في سوريا.
وما يُشير أيضاً إلى أن ما يجري في سوريا جرى التحضير له بدقة هو حصول “هيئة تحرير الشام” على المسيَّرات المصنوعة من “الفايبر غلاس” التي يصعب على الرادارات كشفها، إضافة إلى مشهد الدبابات السورية المهجورة. من المؤكد أن هناك “قبة باط” تركية، فليس بإمكانهم التحرُّك بهذه الأريحية وظهرهم مكشوف لتركيا، والحديث عن دعم أوكراني عبر المسيَّرات أمر وارد لكنه غير مؤكد، فالأوكرانيون لديهم ميزانية سنوية تبلغ ملياراً ونصف المليار دولار منذ بداية حربهم مع الروس لتصنيع طائرات الدرون محلياً.
■ والمواقف العربية؟
■ المواقف العربية التي كانت فاترة تجاه بشار الأسد أصبحت الآن داعمة له، فمصر والعراق والسعودية والإمارات يدعمون سوريا شفهياً، لأن هناك خشية لدى العالم العربي من امتداد النفوذ التركي إلى حمص أو دمشق. السُّنة في المنطقة عادة ما كان لهم زعيم عربي يمون عليهم أما اليوم فلا يوجد أحد يُوجِّه بوصلتهم، وكثير منهم يفضلون تركيا على بشار. ويجب عدم إغفال أن لا قدرة لموسكو في الوقت الحالي على إرسال قوات إضافية لتعزيز قواتها المتواجدة في سوريا.
■ التطورات الدراماتيكية على الساحة السورية هل سيكون لها تأثير على الساحة اللبنانية؟
■ على الصعيد اللبناني ستكون هناك انعكاسات إيجابية وأخرى سلبية. الإيجابية هي أن على إيران أن تبذل في سوريا جهداً أكبر بكثير مما عليها أن تبذله في لبنان، هذا الأمر يعطي حظاً أكبر لتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار في الجنوب رغم العثرات. أما السلبيات، فتتمثل في الخشية من استعمال الأراضي اللبنانية، ولا سيما البقاع وعكار، كمنطقة عبور بين الساحل السوري ودمشق، وهناك خشية من أن يحصل اصطدام بين النازحين السوريين، من معارضي النظام ومؤيديه، فالطرفان لهما وجود عندنا.
■ ماذا تقصد باستعمال عكار والشمال كمنطقة عبور؟
■ التواصل بين دمشق وطرطوس واللاذقية يتم عبر حمص، فإذا تعرقلت طرقاتها يصبح لبنان هو الممر. أنا لا أقول إن الجيش السوري سيدخل إلى لبنان، إنما الخشية من أن يصبح البلد مسرح عمليات، لأنهم إذا أرادوا نقل ذخيرة وعتاد من الساحل السوري، أي من اللاذقية إلى دمشق، فلا يعود هناك ممر إلا من لبنان.
■ إعلان أبو محمد الجولاني عن اسمه المدني (أحمد الشرع) وأنه على استعداد لحل “هيئة تحرير الشام”، هل هما إشارة إلى استعداده للانخراط في النظام الدولي تمهيداً لرفع “الهيئة” عن لائحة الإرهاب؟
■ ما يحاول قوله هو أن أجندته سورية ولا تستهدف الغرب. وهو يتكلم عن هذا الموضوع عبر الإعلام، ومنطقة إدلب التي تسيطر عليها “الهيئة” منذ فترة ليست بالقصيرة شديدة التنظيم، والكلام عن أنهم يُجبرون النساء في حلب على ارتداء الحجاب ليس صحيحاً. هذه الأمور مجتمعة هي لانتزاع اعتراف دولي به، وإجبارهم على التكلّم معه، وهناك سوابق بهذا الأمر. محمد فرح عيديد في الصومال كان الأمريكيون يرصدون جائزة قدرها 25 مليون دولار لمن يرشدهم إليه، أين هو الآن؟ حاولوا التدخل في الصومال ولكنهم فشلوا، وفي آخر الأمر اجتمعوا معه على متن طائرة حتى لا يخرقوا القوانين؟ وهم الآن يحاورون “حزب الله” عبر الرئيس نبيه بري رغم أن “الحزب” موضوع على لائحة الإرهاب!
■ تصريحات مسعد بولس (مستشار الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب لشؤون الشرق الأوسط) التي انتقد فيها استعجال تحديد يوم 9 كانون الثاني المقبل موعداً لانتخابات الرئاسة وأن بإلامكان الانتظار لشهرين إضافيين، بمعنى أن ثمة من يريد “تهريب” الانتخابات قبل استلام ترامب، هل هي تحذير مُبطّن أم مجرد كلام لا يؤخذ بالاعتبار؟
■ الرئيس ترامب لا يملك سياسة واضحة حيال المنطقة، هو يريد من نتنياهو أن يُنهي عمله في غزة، ولا يريد حرباً في المنطقة، ولا مع إيران، إذاً كيف سينضبط الوضع؟! هل يريد السير بحل الدولتين؟ وهل سيترك نتنياهو يضم الضفة الغربية؟ الاتفاق السعودي ـ الإسرائيلي كيف له أن يتم من دون حل الدولتين؟ هذه أسئلة بلا أجوبة.
لنعود إلى لبنان، كان الأفضل لو تمَّ تقديم موعد جلسة انتخاب الرئيس إلى التاسع من هذا الشهر. وهناك وجهتا نظر حول هذا التحديد، الأولى تقول إن هذا الموعد هو لإعطاء الوقت الكافي لوصول مرشح مقبول من الجميع والاستفادة من عطلة الأعياد، والثانية تقول بأن هذا التاريخ هو لحجب النظر عن الوضع البائس الذي نعيشه بعد توقف الحرب بين إسرائيل و”الحزب” في الجنوب نتيجة التدمير الذي طال الدور السكنية والبنى التحتية؛ فقد بدأنا نسمع عن أن “حزب الله” متمسك بسليمان فرنجية، وأن المعارضة متمسكة بجهاد أزعور، ومن يعمل لإيصال جوزاف عون يسوّقون بأنه مقبول من الأمريكيين والفرنسيين والسعوديين، وكل المقصود سحب الموضوع الأساسي (تداعيات الحرب) من التداول. ولنفترض أن مَن وصل إلى رئاسة الجمهورية لا يُحبِّذ إقامة علاقات جيدة مع إدارة ترامب فهل بإمكانه تجاهل الولايات المتحدة، وأنها اللاعب الأساسي في المنطقة؟ لذلك لا أعتقد أن تحديد موعد الانتخابات في الشهر المقبل عملية تهريب. وإذا كان بولس يغمز من قناة تهريب الانتخابات فهو سوء تقدير
هناك خشية عربية من توسّع النفوذ التركي في الداخل السوري
منه، لأن بإمكانه إعلام المسؤولين بأن ترامب يريد اسماً معيناً، فجميع السفراء يتحاشون التداول بالأسماء حتى لا يُحرَجوا أمام الإعلام، ولكن خلف الأبواب المغلقة يتداولون بها.
■ هناك مَن يقول إنه لو لم يتم انتخاب ميشال عون في 31 تشرين الأول/أكتوبر لما كان انتُخب، لأنه بعد نحو أسبوع من ذلك التاريخ فاز ترامب بالانتخابات الرئاسية؟
■ صحيح، ولكن في 31 تشرين الأول/أكتوبر كانت كل استطلاعات الرأي في أمريكا تُشير إلى تقدّم هيلاري كلينتون، أما اليوم فترامب هو الرئيس سواء أكان داخل البيت الأبيض أم خارجه. إذاً لا أحد يستطيع تجاهله.
■ البعض يعتبر أن عملية “ردع العدوان” جاءت نتيجة للشعور بمظلومية الشعب السوري المهجّر، والبعض الآخر يعتبر أن للعملية هدفاً آخر هو قطع الطريق الممتد من طهران إلى بيروت، وبالتالي إنهاء النفوذ الإيراني؟
■ باعتقادي الهدف الأساسي هو أن هناك 3 ملايين مهجّر سوري في تركيا، وهذا عبء كبير على الأتراك. حاول الرئيس أردوغان التحدث مع بشار الأسد حتى يضمن عودتهم الآمنة إلى سوريا، عن طريق خلق مناطق عازلة، أو إعداد دستور جديد لسوريا، وتغيير النظام، ومشاركة المعارضة السورية في الحكم، هذه الأمور كلها تندرج في قرار مجلس الأمن رقم 2254 وفي مقررات أستانا، أي مناطق خفض التصعيد بانتظار الدستور الجديد، لكن كل هذه الأمور لم تُنفّذ، والمناطق الحدودية التي يسيطر عليها الجيش التركي لا تستوعب هذا العدد من اللاجئين، وعندما عرض رئيس أقوى دولة في الناتو بعد أمريكا، التي هي تركيا، عقد محادثات معه لحل المشكلة رفض الأسد مشترطاً لقبول ذلك سحب تركيا جيشها من سوريا، فلماذا إذاً يقبل التحدّث مع الأمريكان ومع كل القوى الموجودة في سوريا باستثناء الأتراك؟ عندها غض الأتراك النظر عن “الهيئة”، وهذا لا يعني أنهم هُم مَن حرَّكوها وإنما تركوها تعمل. وأريد التذكير بأن “هيئة تحرير الشام” ما زالت على قائمة الإرهاب في تركيا، والقوة العسكرية التي تمون عليها تركيا داخل سوريا هي “الجيش الوطني السوري” الذي يضم عناصر سورية تركمانية. أما بالنسبة للشريان الحيوي الذي يُغذي “حزب الله” فهو طريق طهران ـ بغداد ـ دمشق عبر معبر البوكمال. هذا المعبر سيطرت عليه قوات سوريا الديمقراطية، كما انسحب الجيش السوري من دير الزور ـ البوكمال حتى تدمر، وبالتالي قُطع تماماً بالمرحلة الراهنة.
على الحكومة اللبنانية أن تكلِّف الجيش بحفظ الأمن جنوب الليطاني فهو لا يتلقى أوامره من الأمم المتحدة
■ بعد قطع طريق طهران ـ بيروت وإضعاف الوجود الإيراني في سوريا، هل علينا توقع تبدّل أو تغيّر في موقف “حزب الله” مما ينهي دوره الإقليمي؟
■ لا أعتقد ذلك. “حزب الله” والنظام السوري لهما قدرات ذاتية تمكنهما من البقاء، ونظام الأسد ما زال موجوداً ولم يسقط حتى الساعة، ولا أتوقع أن يسقط بشار في الغد القريب إلا إذا كانت هناك إرادة روسية أو قطرية وموافقة إيرانية لإدخال تعديلات على الدستور السوري لإشراك المعارضة في الحكم. إذا قبل الأسد بحل سياسي سيبقى، وإذا لم يقبل سيبقى من خلال القوة العسكرية ولكن ليس لفترة طويلة. دعينا نتكلم بعقلانية، قد تكون هناك عرقلة للمساعدات الإيرانية لـ”الحزب” في حال بقي الوضع في سوريا على هذه الحالة، ولكن أريد التذكير بأن “الحزب” عمره 42 سنة وعنده قاعدة شعبية كبيرة، وهو يستطيع إعادة تكوين نفسه، وبحوزته كمية معقولة من الأسلحة لا تسمح بإزالته من المعادلة بالسهولة التي يعتقدها البعض. المؤكد أنه تأثر وضعف ولكنه لا يزال من اللاعبين الأقوياء على الساحة اللبنانية حتى إشعار آخر رغم أن الكثيرين في المعارضة يبشّرون بانتهاء دوره وأننا انتقلنا إلى الوصاية الأمريكية ـ الفرنسية ـ العربية. هذا كلام بعيد عن الواقع.
احتفاظ “حزب الله” بسلاحه شمال الليطاني معناه أنه يريد العودة بعد مدة إلى جنوبه
■ لكن القوات العراقية انتشرت على الحدود، وهناك كلام عن تحذيرات أمريكية من عبور قوات الحشد الشعبي أو أي قوات أخرى موالية لإيران معبر البوكمال، وموقف الحكومة العراقية أنها لن تتدخل وتسمح بعبور الحشد؟
■ هذا الأمر صحيح، لكن انظري إلى الوقائع، كم عدد العسكريين الأمريكيين في سوريا والعراق؟ في سوريا 900 عسكري، وأغلبهم خارج المنطقة الكردية عند معبر التنف، وفي المنطقة الكردية عدد الجنود الأمريكيين أقل بكثير. حرَّكت الولايات المتحدة قاذفة استراتيجية فوق المنطقة لتأكيد منع التحركات الداعمة لـ”الحزب” من العراق. وهناك تقارير تُفيد بأن هناك عناصر من الحشد الشعبي بلباس مدني وصلت إلى سوريا بمجموعات صغيرة وبسيارات مدنية قبل إقفال المعبر، كما أن “حزب الله” أرسل مئات العناصر لدعم النظام، لذا لا يجب التكهن بأن “الحزب” والنظام السوري سينتهيا قريباً مع الإشارة إلى أن دعم “الحزب” للنظام السوري لن يكون بالفعالية نفسها كما حصل بين 2013 و2020.
■ الكلام عن أن “الحزب” انتهى قد يكون غير موضوعي، ولكن هل ما زال قادراً هو وإيران على فرض ما كان يفرضانه من قبل، فحدود لبنان الجنوبية استحالت حدوداً إيرانية ـ إسرائيلية؟
■ من المؤكد أنهما لم يعودا يستطيعان فرض ذلك. سيبقى قوياً على الصعيد الداخلي، لكن مقولة “حدود إيران ـ إسرائيل” انتهت، والجيش سيدخل إلى الجنوب بالرغم من كل الثغرات والملامَة.
■ وهل سيكون الجيش اللبناني قادراً على تطبيق القرار 1701؟
■ الجيش لن يشتبك مع “الحزب”، بمعنى أنه إذا انسحب طوعاً من الجنوب ستسير الأمور بشكل جيد، ولكن إذا أبقى جزءاً من قواته في الجنوب وقال إنه انسحب، فماذا سيفعل الجيش؟ هل سيصادرها؟ لا جواب عندي. إذا أرادت إيران فك الاشتباك مع إسرائيل فهذه الإرادة أقوى من جميع الاتفاقات. إنما التدخُّل الإيراني في لبنان وقوة “الحزب” سيبقيان للسيطرة على القرار السياسي في البلد.
إذا أرادت إيران فك الاشتباك مع إسرائيل فهذه الإرادة أقوى من جميع الاتفاقات
■ ومن أجل ماذا سيوظفان هذه القوة، فهي كانت لدعم نفوذ إيران؟
■ من أجل الإمساك بالمؤسسات، بالدولة العميقة، وتعيين المدراء العامين والاستفادة من موازنتها، انظري إلى ميزانيات وزارات الصحة والتربية والأشغال أين تُصرف؟ في مناطق “الحزب”! لا تستطيع أي وزارة أن تصرف ليرة واحدة من دون موافقة وزير المالية المعيَّن من قِبلهم، وإنجاز المعاملات الرسمية يتم عبر موظفين يَمونون عليهم. هم يُطبّبون جماعتهم بأموال الدولة اللبنانية وليس بأموال إيران، والشهداء الذين سقطوا في الجنوب أخيراً ستتقاضى عائلاتهم رواتب من الدولة بموجب قانون صدر في التسعينيات. وكل شهيد للمقاومة تتقاضى عائلته راتباً موازياً لراتب الجندي في الجيش من موازنة الدولة اللبنانية.