الناشط السياسي اللبناني د. علي مراد: استراتيجية «حزب الله» هي رفض الاعتراف بالخسارة والهروب إلى الأمام… والتعددية الشيعية آتية حتما

حاورته: رلى موفق
حجم الخط
1

هي التغريبة الرابعة لابن عيترون، إحدى قرى الحافة الأمامية في جنوب لبنان التي حوَّلها الجيش الإسرائيلي إلى أثر بعد عين. يرى الناشط السياسي والأستاذ الجامعي وأحد أبرز الأصوات المناهضة لسياسة «حزب الله» أن التغريبة الأخيرة لا تشبه سابقاتها، ذلك أن حجم الكارثة التي يعيشها الجنوبيون غير مسبوق، وثمة خوف وجودي من عدم عودتهم إلى قراهم وبلداتهم.
يرى أن استراتيجية «حزب الله» الدائمة، والتي تُشكّل خطيئة، هي الهروب إلى الأمام ورفضه الاعتراف بخسارته، أي امتهان ثقافة «صناعة الأعداء» للهروب من المسؤوليات، فتتحوّل الدولة، ورئيس وزرائها بالدرجة الأولى إلى عدو بهدف شدّ عصب بيئته الشيعية والحفاظ على تماسك قاعدته الاجتماعية والسياسية، علَّ ذلك يعفيه من الإجابة عن الأسئلة الجدية والصعبة والاعتراف بالأخطاء. والأسئلة الصعبة هي: كيف نحمي لبنان؟ وليس كيف نحمي «حزب الله»؟ وكيف نؤمّن شروط العودة وإعادة الإعمار؟ وليس كيف نواجه رئيس الحكومة والدولة؟
ويؤكد مراد أن «إعادة إعمار الجنوب هي الأولوية»، وبالتالي يجب تأمين الشروط السياسية لتحقيق هذا الأمر، ويجب أن يتكيّف «حزب الله» مع هذا الهدف الذي يحتاج تحقيقه إلى الوحدة الوطنية.
من الحيرة بمكان الحديث عن تمايز بين جناحي «الثنائي» (أمل – حزب الله). برأي مراد أن التمايز موجود في أماكن وغير موجود في أماكن أخرى، لكن في النهاية هناك مصلحة عند الرئيس نبيه بري وحركة أمل أن يبقيا موحّدين مع «حزب الله»، وأن تبقى الطائفة موحدة للحفاظ على المكاسب السياسية داخل النظام رغم أن هذه المعادلة قد لا تستطيع الصمود رغم محاولات تركيبها.
ويعتبر أن التعددية السياسية هي واقع تاريخي عاشه الجنوب والشيعة، وأن فكرة الثنائية هي الاستثناء وكسرها مصلحة وطنية، وليس فقط مصلحة شيعية وجنوبية وبقاعية. هي معركة مستمرة، والأشهر والسنوات المقبلة ستشهد طرح أسئلة جدية وفتح الفضاء السياسي والتعددية داخل البيئة الجنوبية، كما هو الحال في كل المساحات اللبنانية. وهنا نص الحوار:
○ اللبنانيون خائفون ويسألون: هل هناك حرب، متى، وكيف سيكون شكلها ما يعكس القلق الداخلي؟ ما هي قراءتك للمشهد الراهن؟
• لا شك في أن كل ما جرى في لبنان والمنطقة منذ 7 أكتوبر 2023 ولغاية اليوم، وتحديداً منذ أيلول 2024، كان أمراً غير متوقع، أي لا يشبه المسار السابق للأمور. كانت كلها أمور مفاجئة، بالمعنى السياسي: عملية تفجير «البايجرز» وطريقة الحرب، وسقوط النظام السوري، والضربة العسكرية ضد إيران، وحتى الضربة على قطر. نحن في منطقة تعيش بكاملها انعطافة تاريخية تلت 7 أكتوبر وما زالت مستمرة، وبالتالي، الاحتمالات مفتوحة على السيناريوهات كافة، ولا أحد يستطيع أن ينفي أن وتيرة الحرب ستزداد في لبنان. أنا أقول إن الحرب في لبنان لم تبدأ في أيلول 2024، إنما بدأت في 8 أكتوبر2023 ولا سيما في القرى الأمامية، أي منذ إعلان «حرب الإسناد» وتستمر حتّى اليوم ضمن سياق الاعتداءات الإسرائيلية. لا شك في أن التصريح الأمريكي الأخير على لسان توم برّاك، والذي جوبه برد واضح من قبل رئيسَي الحكومة ومجلس النواب إضافة إلى رئيس الجمهورية، يُشكِّل غطاءً أمريكياً لأي رغبة إسرائيلية في تصعيد كبير في لبنان.
هذا أمر يدعو إلى القلق من إمكانية تجدّد الحرب بأشكال مختلفة، أما كيف سيكون شكلها وتوقيتها، فهذا يدخل في باب التكهنات. ومن سمات ما يجري في المنطقة منذ 7 أكتوبر (عملية طوفان الأقصى) إلى اليوم أن كل الأحداث المفصلية هي أحداث لم تكن في الحسبان وغير مُنتظرة، يشعر معها المتلقي والمُشاهد أنه في كل لحظة أمام انعطافة غير متوقعة.
○ السردية الحالية لـ«حزب الله» بإعلانه إعادة ترميم قواته، وتأكيده عدم تسليم سلاحه للشرعية، وإعلان إيران أنها ما زالت قادرة على إيصال السلاح والصواريخ لـ«الحزب»، هل تراها تعطي ذريعة لإسرائيل – قد لا تحتاج إليها – توفر لها غطاءً أمريكياً وربما دولياً لمعاودة الحرب على لبنان؟
• نعم هذا الأمر صحيح. ولكن لبنان حدَّد ماذا يريد. الأولويات الوطنية محددة عند رئيسَي الجمهورية والحكومة وفي البيان الوزاري: انسحاب إسرائيل، عودة الأسرى، وقف الاعتداءات، تأمين شروط إعادة الإعمار، والتعافي الاقتصادي. هذه هي الأهداف الوطنية التي تحظى بإجماع سياسي. وبالتالي يكون السؤال كيف نحقق مصلحة لبنان في ظل اختلال كبير في موازين القوى على مستوى المنطقة في ظل جنون إسرائيلي، غير مرشّح لأن يخفّ في الأشهر المقبلة. فمع سقوط النظام السوري وما جرى في غزة. لم يعد النظام الإيراني قادراً على حماية حلفائه، وبالتالي لم يعد حلفاؤه قادرين على تأمين الحماية له، إذاً المعطى الحقيقي اليوم هو أن «الحزب»، وما تبقّى من سلاحه، لم يعد قادراً على حماية البلد بمعزل عن تقييمنا لكيف تمت حماية البلد وكلفة هذا الأمر منذ العام 2006 ولغاية 2023.
«حزب الله» – قبل هذه الحرب – كان لاعباً إقليمياً في لبنان وسوريا والعراق واليمن وفي فلسطين، لكنه بعدها لم يعد كذلك. قوة «حزب الله» الاستراتيجية والعسكرية غير قابلة للاستعادة (Irreversible). وبالتالي، النقاش الحقيقي اليوم – وهنا تقع مسؤولية تاريخية على «حزب الله» لا يريد أن يتحملها – يدور حول كيفية حماية لبنان وليس كيفية حماية سلاح «حزب الله» والمحافظة عليه. «الحزب» يريد أن يبدأ النقاش معه منذ لحظة انتهاء الحرب، هذا الأمر لا يجوز، لأن هناك مسؤولية عليه، بدءاً من عدم تسليم سلاحه عام 2000 ومن ارتكاباته لتثبيت معادلة «جيش وشعب ومقاومة» التي عطّلت الدولة، مروراً بكل مغامراته في الخارج التي دفع ثمنها كل اللبنانيين، وصولاً إلى قراره بالذهاب إلى «حرب الإسناد» من دون أن أي اعتبار للدولة اللبنانية، وبالتالي عليه اليوم أن يقتنع بأن الدولة هي التي تقود الدفاع عن البلد، وتؤمّن هذا الأمر وتعمل على استعادة هذا الدور إذا كانت شروطه غير مؤمنة لأن الدولة مدمرة، وبأنه فَشل وأدت خياراته إلى الخسارة أمام إسرائيل، ما جعل البلد كله بموقع المهزوم. وعليه أن يتعامل مع نتائج هذه الحرب، فلا يمكن أن تخسر في الميدان وتتوقع نتائج مختلفة. لم يعد «حزب الله» قادراً بسلاحه على تأمين حماية لبنان في وجه العدو الإسرائيلي. مفهوم الردع لا ينحصر في أن ترد على الاعتداء، بل إن جوهره، بالمعنى الاستراتيجي والعسكري، هو ألا يحصل الاعتداء بحد ذاته.
«حزب الله» غير قادر على الرد منذ 10 أشهر إلى اليوم على كل الخروقات الإسرائيلية! ما يجري في لبنان هو نتيجة مباشرة لخسارته الحرب وللتوازنات التي أفرزها وقف إطلاق النار، والتي هي في المدى المنظور غير قابلة للتعديل. رفضُ «حزب الله» لتسليم سلاحه هو هروب إلى الأمام، ومحاولة لاستعادة دور لن يعود، ولا يمكنه أن يرمم قدراته العسكرية ولا قدرة لـ«المحور الإيراني» على ترميم نفسه. وإذا كان من رهان على متغّير في المنطقة، فهذا يحتاج إلى سنوات طويلة، وبالتالي لا يمكن للبنان أن ينتظر، وعلينا أن نتعامل مع الواقع الحالي كما هو.
○ منظّرو «المحور» يعتبرون أن ما يدفعه «الحزب» من كوادره، منذ وقف إطلاق النار حتّى الآن، هو ثمن في مسار إعادة ترميم قوته تحضيراً للحرب المقبلة بين إيران وإسرائيل، أي أن «الحزب» سيكون منخرطاً هذه المرة وليس كما كانت الحال في حرب الـ12 يوماً؟
• أعتقد أن الحرب الأخيرة لم تكن مجرد جولة عابرة. لم تستطع إيران فيها الدفاع عن حلفائها. فكل فلسفة «محور إيران» كانت قائمة على نظرية «وحدة الساحات»، لكن إسرائيل خاضتها ونجحت فيها بتقسيم الساحات، فخاضت معركة كل ساحة بشكل منفصل عن الأخرى. وفي النهاية لم تُردْ إيران أن تدافع وتحمي «حزب الله» عندما كان يتعرّض للضربات الإسرائيلية، ولم يستطع «الحزب» الرد عندما تعرضت إيران للهجوم.
بعد كل ما جرى عند «الحزب»، من اغتيالات وغيره، وبعد الهجوم الإسرائيلي على إيران، وبعد كل ما يتعرض له منذ 10 أشهر إلى اليوم، أصبحت القوة الردعية لـ«الحزب» غير قابلة للاستعادة وذلك لثلاثة أسباب: سقوط النظام السوري؛ مستوى الانكشاف الأمني الذي تعرّض له؛ توقيعه على وقف إطلاق النار والتزامه بعدم وجود لسلاحه جنوب الليطاني، كان هذا قبل انتخاب جوزاف عون وقبل تشكيل حكومة نواف سلام، وأيضاً كان نتيجة مباشرة للخسارة العسكرية. من هنا أقول إن كل ما يقوم به اليوم هو محاولة لكسب الوقت لأنه لا يريد الاعتراف بحجم التحوّلات، فما جرى في لبنان والمنطقة يشبه ما جرى في العام 67، هي تحولات كبرى لا يمكن استعادتها. المشكلة تتمثل في أن «الحزب» يصرّ على الهروب إلى الأمام، ويصرّ على عدم الاعتراف بأن مستوى التحديات التي يواجهها لبنان أكبر بكثير من قدرة ما تبقّى من سلاحه لتأمين الدفاع عنّا. لبنان بحاجة إلى مظلة سياسية، وإلى فترة طويلة من الهدوء، وإلى أن نعيد الإعمار. لسنا بحاجة إلى صراع لا ينتهي، نحن بحاجة إلى حلول سياسية ودبلوماسية، وهذا ليس بالأمر المعيب، كما يحاول البعض تصويره.
○ ما تقدّمت به يرى كثير من اللبنانيين أنه القراءة المنطقية، ولكن هذه ليست قراءة «الحزب»؟
• هذه حتماً ليست قراءة «حزب الله» إذا نظرنا إلى أدائه السياسي. سأشرح لكِ كيف يتصرف حالياً في الداخل بنقطتين. الأولى، أنه ولبنان أصبحا أسيرين لعدم قدرة «الحزب» على التراجع. هناك بنيان فكري وأيديولوجي وعقائدي وتعبوي عمره عشرات السنين تلقى ضربة قاصمة، وهو حتّى الآن لم يستطع مصارحة نفسه وجمهوره ويعترف بحجم الخسارة مع أنه يعرفها. والدليل على ذلك هو كيفية تعاطيه مع قرارات الحكومة في 5 و7 آب/اغسطس وفي 5 أيلول/سبتمبر 2025. لم يكن أمام لبنان خيار آخر عندما اتخذ هذه القرارات، وهي أفضل ما يمكن أن يحققه من جهة «الخطوة بخطوة»، هل تلتزم إسرائيل بها أم لا فهذا موضوع آخر، لكن على لبنان أن يضع خطاً تفاوضياً. اتخذ «الحزب» قراراً بأن يواجه وأن يُبدي اعتراضه، مع أن المعلومات تؤكد أنه كان جزءاً أساسياً من التفاوض، لا بل أكثر من ذلك، قرارات الحكومة هي امتداد طبيعي لوقف إطلاق النار الذي فاوض ووافق عليه «حزب الله» في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024. استراتيجية «الحزب» الدائمة – وهي الخطيئة التي يصرّ على ارتكابها – هي الهروب إلى الأمام ورفضه الاعتراف بخسارته، أي صناعة «العدو الداخلي» للهروب من المسؤوليات، فتتحوّل الدولة، ورئيس وزرائها بالدرجة الأولى، إلى عدو، ويصبح انتقاده أكثر من انتقاد العدو. يرتكب العدو الإسرائيلي جريمة في بنت جبيل، فيتم شتم نواف سلام وجوزاف عون، هذه الأمور ليست في صالح البلد. «حزب الله» لا يزال يمتهن ثقافة «صناعة الأعداء»، وهذا مبدأ فاشي، هكذا تتصرف الفاشية، إنها تحرف النظر عن المعركة الأساسية.
السؤال اليوم هو: كيف نحمي البلد؟ التحريض على الدولة فيه تناقض صارخ، إذا كان رئيس الحكومة فعلاً كما يصفونه فلماذا لم يستقل وزراء «الحزب»؟ الواقع أنه يدرك جيداً أن ما تقوم به الحكومة هو في صالح البلد، ولكن هناك إصرار على الهروب إلى الأمام.
أما النقطة الثانية فهي أن إعادة إعمار الجنوب هي الأولوية، ويجب تأمين الشروط السياسية لهذا الأمر، وعلى «حزب الله» أن يتكيّف مع هذا الهدف، وإذا كان الإسرائيلي لا يريد لنا العودة إلى قرانا، علينا إذاً أن نبذل الجهود لتحقيق العودة، ولكي نستطيع تحقيقها نحن بحاجة إلى الوحدة الوطنية، ولسبب إضافي آخر وهو أن الجنوب مدمّر بشكل لم يشهده من قبل لا في العام 78 ولا في 82؛ هذا خوف وجودي يتعرّض له أهل الجنوب. إعادة الإعمار لن تكون بمنح مالية، إنما عبر قروض مالية، أي ديون، وعلى كل فئات المجتمع اللبناني تحمّلها. لم يعد بإمكان «حزب الله» أنك ترسم السياسة وعلى الآخرين أن يتلقوا ويتحملوا نتائج ما يقوم به كما كان يفعل سابقاً. «الحزب» ذهب إلى سوريا فتحمّل لبنان كله كلفة ترميم العلاقات مع الآخرين. لقد ذهب إلى حرب اليمن، وإلى حرب العراق، كل هذه الأمور كان يقوم بها وهو غير مكترث لرأي اللبنانيين. لا يمكن له الاستمرار على هذا المنوال.
○ ما الذي يريد «الحزب» قوله؟
• برأيي أن «الحزب» غير قابل، حتّى الآن، التعامل مع المتغيرات، هناك واقع كبير على الأرض، وهناك وهمُ استعادة دور غير قابل للاستعادة، وبالتالي هو بدلاً من أن يأخذ قراراً بتسوية تاريخية مع اللبنانيين، اتخذ قرار المواجهة كي يستطيع الحفاظ على تماسك قاعدته السياسية، وهذا خيار يجلب له الربح على المدى القصير، لكن على المدى الطويل يشكل خطراً على الجماعة التي يمثلها، أي على أهل الجنوب وعلى الشيعة بشكل عام. اليوم يضع «الحزب» الشيعة في مواجهة جموع اللبنانيين. لم يعد لـ«الحزب»، في موضوع سلاحه، أي حليف داخلي، وأعتقد أن حتّى حركة «أمل» ليست على نفس الوتيرة مع رؤيته لهذه الأمور. أما بالنسبة لمشهدية صخرة الروشة فكل الذي قاله رئيس الحكومة هو أنه طلب منهم الحصول على ترخيص مثلما يُطلب من الآخرين. لا أحد يملك رخصاً مسبقة، يجب أن نكون كلنا متساوين، لكنهم اعتبروا طلبه تحدياً!
«حزب الله» لن يستطيع القيام لا بـ7 أيار جديد ولا بأي أمر من هذا القبيل، وضعه لم يعد يسمح له بذلك، هناك دولة وسلطة وجيش يتحمل مسؤولياته، هناك مجتمع لبناني لن يرضى أبداً بأن نعود إلى وضع حيث كانت الهيمنة والتسلط والسلبطة على الناس والاستئثار هو عُنوان العمل السياسي. سياسة التعطيل لم تعد ممكنة ولم تعد مقبولة من أحد. على «الحزب» أن يتكيّف مع هذا الوضع، لكنه بدلاً من ذلك يحاول أن يصوّر للناس ولجمهوره أن الاستئثار هو حق مكتسب، لكن لا، الممارسة السياسية التي سادت طوال 15 سنة، أو بالحد الأدنى منذ الـ2006 لم تكن حقوقاً مكتسبة لـ«الحزب». كانت تخاض باسم الشيعة، وهي أبداً ليست حقوقاً مكتسبة، لا بالدستور ولا بالأعراف، وبالتالي فإن كل ما يقوم «الحزب» به اليوم هو محاولة للمحافظة على تماسك قاعدته الاجتماعية والسياسية وللهروب من مسؤولية الإجابة عن الأسئلة الصعبة من خلال افتعال المشاكل والتحريض الذي عنوانه نواف سلام.
○ هل تعتقد أن هناك تمايزاً بين الرئيس نبيه بري و«الحزب» أم هي عملية توزيع أدوار؟
• أعتقد أن هناك مستويين في هذا المجال، ليس توزيع أدوار ولا تَعَارُض. الرئيس نبيه بري يدرك جيداً أن المرحلة المقبلة تتضمن تغيّرات، وفي المرحلة السابقة أبدى كثيراً من الاعتراضات الواضحة تجاه بعض الممارسات، كما نلاحظ أيضاً أن أداءه بالنسبة لحادثة «صخرة الروشة» كان مختلفاً، ورأينا كيفية تعامله مع الموضوع. كانت هناك بوادر حل جرى تعطيله، ربما بسبب خلافات أو تمايزات داخل «حزب الله»، ولكن من جانب آخر الرئيس بري لديه مصلحة بأن تبقى الطائفة موحدة كي يستمر في احتكار التمثيل الشيعي على المستوى السياسي وعلى مستوى الدولة، وبالتالي هناك فهم تام لدى «الحزب» بأنه لا يستطيع أن يُكمل بهذه المواجهة. الرئيس بري لا يستطيع ولا يريد أن يذهب إلى الخلاف مع «الحزب»، وبالتالي هو يتعاطى بدقة مع هذا الأمر، وما أستطيع قوله إن اتفاق 5 و7 آب و5 أيلول الذي تمَّ الاتفاق عليه، وكذلك مناقشة ورقة (توم) برّاك، كان الرئيس بري، عبر مستشاريه، جزءاً أساسياً فيهما، في محادثات استغرقت عشرات من ساعات العمل، لكن في النهاية هناك أمر يجب معرفته، وهو أن جزءاً أساسياً من قوة دويلة «الحزب» يغطيها الرئيس بري. وبالتالي، إن رئيس دويلة «حزب الله» في لبنان، في مكان ما، هو الرئيس بري. إذاً هذا التمايز موجود في أماكن وغير موجود في أماكن أخرى، لكن في النهاية هناك مصلحة عند بري وحركة أمل أن يبقيا موحدين مع «الحزب».
قبل الحرب الأخيرة كان «الحزب» هو الطرف الأقوى في هذه المعادلة، لكن اليوم ربما انعكست المعادلة، التي قد لا تستطيع الصمود رغم محاولات تركيبها. كل ما يُعمل من ناحية التعبئة الطائفية الشيعية والتحريض هدفه شد العصب، لأنه يجعل الناس لا تطرح الأسئلة الجدية والتي هي: كيف نحمي لبنان؟ وكيف نؤمّن شروط العودة وإعادة الإعمار؟ وليس في كيفية مواجهة رئيس الحكومة والدولة، وكأن الذي يقصف الناس هو نواف سلام وليس العدو الإسرائيلي. وهذا الأمر يعفي «حزب الله» من الإجابة عن الأسئلة والاعتراف بالأخطاء.
○ قلت إن الرئيس بري حريص على الوحدة الشيعية، فهل يقدِّمها على غيرها من الأمور حتّى لو أدى ذلك إلى انتحار الطائفة بأجمعها؟
• لا أعتقد أن الأمور سائرة بهذا الاتجاه. الكل بما فيهم «حزب الله» يعرف جيداً أن جزءاً أساسياً من الذي يُطلب منه سينفّذ رغم كل ما يقال عن أنه لن يسلّم سلاحه. هو بدأ بتسليم سلاحه منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، وبالتالي هذا المسار لن يتوقف، يمكن أن يؤجل، لكن هناك واقع جديد على الجميع أن يتعامل معه، هناك مصلحة طبعاً لحركة أمل في أن تبقى الطائفة موحدة للحفاظ على المكاسب السياسية داخل النظام، ولكن هذا ليس في مصلحة أحد في المدى البعيد.
التعددية السياسية هي واقع تاريخي عاشه الجنوب والشيعة، فكرة الثنائية والوحدانية (لأن التحالف هنا بموقف واحد) هي الاستثناء، وحالة الاستعصاء الشيعي والاحتكار مسألة مضرّة للشيعة وللبنان، وبالتالي كسر احتكار «الثنائي» هو مصلحة وطنية، وليس فقط مصلحة شيعية وجنوبية وبقاعية.
○ وهل يمكن كسر هذا الاحتكار؟
• ما يقوم به «حزب الله» هو الهروب إلى الأمام ورفض الاعتراف بالأخطاء ومحاولة تبريرها، وتصوير كل المواقف التي يتخذها على أنها مرتبطة بالعدو الإسرائيلي، لكن جوهر ما يقوم به مرتبط بالتوازنات الداخلية في لبنان وليس بالإسرائيلي لأنه فقد القدرة على التأثير، وسلاحه لم يعد قادراً على فعل شيء في مواجهته.
○ إضاءة «صخرة الروشة» بصورتَي حسن نصر الله وهاشم صفي الدين، هدفها كسر قرار رئيس الحكومة وإرسال رسائل لمن؟
• إذا كان «الحزب» يعتبر كسر قرار رئيس الحكومة انتصاراً «فمبروك عليهم». ما هذا الانتصار الكبير الذي يحققه «الحزب»؟! هذا يؤكد ما أقوله بأن ما يقوم به مرتبط فقط بالمعركة الداخلية، وكل التحريض الذي يقوم به هو لشد العصب الطائفي ولمنع الناس من طرح الأسئلة الحقيقية تمهيداً للمحاسبة.
○ الانتخابات النيابية في أيار المقبل هل ستكون نسخة مكررة للانتخابات البلدية، وهل من أطراف سياسية ترغب بتأجيلها أم ستجري في موعدها المقرر؟
• رئيسَا الجمهورية والحكومة أعلنا التزامهما بإجراء الانتخابات، والقوى السياسية كلها لها مصلحة بأن تجري في موعدها خاصة وهذا استحقاق دستوري، وبالتالي الشيء الوحيد الذي يمكن أن يؤجل الانتخابات هو حدوث تصعيد عسكري إسرائيلي، وإلا فالانتخابات قائمة وعلى الجميع التعامل معها بإيجابية. «القوات اللبنانية» و«حزب الله» وحركة «أمل» يريدون إجراءها… (مقاطعة)
○ تقصد أن «الثنائي الشيعي» يريد إجراءها؟!
• أعتقد إنهما يريدان إجراءها. «حزب الله» بطريقة عمله سيكون قادراً في الأشهر المقبلة على توزيع الأموال، ومسؤولية الدولة تقتضي منها التحرّك حيال أهل الجنوب الذين يعيشون مأساة حقيقية، وكارثة غير مسبوقة بتاريخه الاجتماعي والسياسي.
من الواضح أن الإعمار بشكله الكبير دونه شروط سياسية وأمنية ومالية واقتصادية كبيرة جداً، ولكن على الدولة أن تتحمل مسؤوليتها تجاه أهل الجنوب كمواطنين لبنانيين حتّى ولو كان موقفهم السياسي غير مؤيد للحكومة، وعليها أن تبذل جهوداً كبيرة لأنها مقصّرة في هذا المجال، لكن هذا لا يبرر أبداً ما يقوم به «الحزب». أيضاً علينا معرفة هل إعادة الإعمار ستسير بشكل زبائني أم بشكل عادل؟ ما يقوم به «الحزب» في الأسابيع الأخيرة، وسيكمل به، هو محاولة تعبئة لحصد المقاعد النيابية كي يقول: حتى وإنْ خسرت الحرب، فإني أريد أن أفرض نفسي سياسياً، وأعتقد أن هذا خيار غير بنّاء وليس لصالح البلد، ولا لصالح أهل الجنوب ولا يساعد في عودتهم وإعادة إعمار قراهم.
○ إذا كانت لدى «الثنائي الشيعي» القدرة على الإطباق على البيئة الشيعية فهذا معناه أن لا إمكانية لوجود خيار ثالث يُعبّر عن مشروع الدولة؟
• الاعتراض على «الثنائي» وعلى الهيمنة والإطباق في الأوساط الشيعية والمناطق التي فيها ديموغرافيا شعبية، لم يحصل فجأة، رغم أن هناك محاولات لتجفيف التعددية في الجنوب بدأت منذ الثمانينيات عبر جولة الاغتيالات واكتملت بعد الـ2005، عبر نوع من الاستئثار الأمني والسياسي والزبائني والخدماتي في الإدارة العامة طوال عقود. كثير من المناضلين دفعوا أثماناً سياسية وشخصية لمواجهة هذا النهج الإلغائي يوم كان «الحزب» في عزّ قوته، وهم مستمرون بنضالهم، وحالة الاعتراض على «أمل» و«الحزب»، رغم محاولات التعبئة، هي معركة مستمرة وستتصاعد وستظهر بوادرها في هذه الانتخابات، وقد بدأت قبل الانتخابات وستستمر مع الانتخابات وبعدها، وهناك حالة من الحراك في هذا الإطار ليست ظاهرة كثيراً للعيان بسبب الأجواء المشحونة، ولكن أعتقد أن الأشهر والسنوات المقبلة ستشهد طرح أسئلة جدية وفتح الفضاء السياسي والتعددية داخل البيئة الجنوبية، كما هو الحال في كل المساحات اللبنانية. التعددية هي مصلحة حقيقية لكل الناس، ولا بد من بروز تيار ثالث ورابع وخامس. التعددية ستأتي حتماً ولن يستطيع كل التحريض أن يوقفها. والناس ستطرح الأسئلة وهي ستحاسب، عاجلاً أو آجلاً، على الخيارات التي أنجزت باسمهم والتي أوصلتنا إلى كارثة خلقت مشكلاً كبيراً بين اللبنانيين أوجده «حزب الله». هذه معركة مستمرة، وهناك من هو مصر على خوضها رغم ما دفعوه من أثمان بالدم وبالتهميش وبالعزل السياسي. كل من واجه «الحزب» وحركة «أمل» دفع أثماناً سياسية وشخصية واجتماعية ستدفعنا للاستمرار بهذه المواجهة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية