الخرطوم ـ «القدس العربي»: كشفت الشرطة السودانية، الخميس، تفاصيل الاشتباكات التي شهدتها العاصمة الخرطوم مساء الأربعاء، وروعت سكانها، بين قوات حكومية وأخرى من حركة «تمازج» الموقّعة على اتفاق جوبا للسلام، فيما ظهرت انتقادات لوجود عناصر الحركات المسلحة بسلاحهم في المدن.
وحسب بيان للشرطة، فإن «مجمع رهف السكني، هو أحد مشاريع التأمين الاجتماعي لقوات الشرطة، وبتاريخ 14 تشرين الأول/ أكتوبر2020 قامت الشرطة باستضافة وفود السلام لمجموعات حركات الكفاح المسلح المتمثلة في الجبهة الثالثة تمازج، والتحالف السوداني وحركة تحرير السودان المجلس الانتقالي وحركة العدل والمساواة، لمدة شهر، مساهمة منها في دعم عملية السلام، إلا انه، وبعد انقضاء فترة الاستضافة، ظل العديد من أفراد الحركات في الموقع رغم إفادة رئيس المفوضية القومية للسلام، عن عدم مسؤوليتهم حيال الإقامة غير القانونية، ونتجت عن ذلك أضرار كثيرة بالمجمع نتيجة لسوء الاستخدام والتخريب المتعمد، إضافة للعديد من المخالفات القانونية».
إطلاق نار
وتابع البيان: «بتاريخ 1 أيلول/ سبتمبر /2021 تحركت قوة من القوات المشتركة بقيادة مدير شرطة محلية الخرطوم وإشراف مدير دائرة الطوارئ والعمليات برئاسة شرطة ولاية الخرطوم في الولاية لإخلاء المجمع من المعتدين حيث تعرضت القوة فور وصولها لإطلاق نار بكثافة من داخل المجمع، واستطاعت القوة المشتركة السيطرة على الموقف، وإخلاء الموقع من المعتدين، بعد أن بادلتهم إطلاق النار، ونتج عن ذلك إصابة إثنين من أفراد حركات الكفاح المسلح بإصابات متفاوتة تم إسعافهم».
وحسب ما قالت مصادر شرطية مطلعة لـ«القدس العربي» في وقت متأخر جدا من ليل أمس الأول «تمكنت القوات المشتركة (جيش وشرطة ودعم سريع) ومندوبون من قوى سلام جوبا من إحكام سيطرتهم على مجمع رهف السكني الذي كان يعتصم فيهه منسوبون من الجبهة الثالثة (تمازج) الذين رفضوا إخلاء المبنى أسوة ببقية أعضاء الحركات المسلحة الآخرين الذين أخلوا المبنى بعد طلب المفوضية العليا في الشهر الماضي منهم إكمال إخلاء المبنى الذي يتبع للشرطة أيضا».
وتابع « ليس هناك قتلى ولكن هناك جريح، والمعتقلون 7 وهناك آخرون تسربوا داخل حي سوبا ومعهم أسلحتهم وجار تمشيط المنطقة».
تراكم أخطاء
وقال الخبير العسكري، اللواء المتقاعد، أمين إسماعيل مجذوب، إن أحداث سوبا جاءت نتيجة أخطاء تراكمت بوجود قوات الحركات الموقعة على اتفاق السلام في العاصمة الخرطوم، وذلك نتيجة لعدم وجود أماكن لتجميع هذه القوات لفحصها وتدريبها وتنفيذ اتفاق الترتيبات الأمنية على الأرض».
وتابع أن «وجود هذه القوات داخل المدن أحد أخطاء التفاوض بعدم تحديد مناطق تجميعها، وبالتالي، تتحمل القيادة السياسية المسؤولية بالسماح لهذه القوات بدخول العاصمة».
وزاد «المعروف أن القوات العسكرية توجد في مناطق تبعد خمسين كيلومترا خارج المدن، لا بد من اتخاذ إجراءات حاسمة بإخراجها من المدن، والبدء في تنفيذ الترتيبات الأمنية، وهذا هو المحك لإنجاح اتفاق السلام».
خبير يحمّل القيادة السياسية مسؤولية السماح لها بدخول العاصمة
ورفض الخبير الأمني، النقيب المتقاعد عمر عثمان «فرضية تورط أياد خفية في أحداث العاصمة والولايات».
وقال إن «ما حدث في الخرطوم من مناوشات بين القوات النظامية وإحدى المجموعات المسلحة أمر طبيعي لم يتفاجأ به أحد» مشيراً إلى أن «الشرطة نجحت في احتواء الأحداث بعد تدخلها الحاسم في الأحداث».
وتابع: «ما حدث في الخرطوم متوقع لجهة أن مجموعات الحركات المسلحة غير مدربة وغير مؤهلة وطبيعي أن تصدر منها مثل هذه التصرفات».
وتعود خلفية المواجهات بعد قرار اللجنة الأمنية في ولاية الخرطوم إخلاء مقر رهف السكني، التابع للشرطة السودانية، والذي خصص مؤقتا لاستضافة الوفود الموقعة على اتفاق سلام جوبا، لكن بعض منسوبي الحركات المسلحة رفضوا إخلاء المجمع السكني، وطردوا قوة الشرطة المتمركزة في المجمع.
13 حركة
وكان المجمع يستضيف (13) وفدا من الموقعين على اتفاق سلام جوبا، وهم: الحركة الشعبية لتحرير السودان ـ الجبهة الثورية (مالك عقار) حركة جيش تحرير السودان (مناوي) حركة العدل والمساواة (جبريل إبراهيم) حركة تحرير السودان ـ المجلس الانتقالي (الهادي ادريس ) (تجمع قوى حركة جيش تحرير السودان (الطاهر حجر) التحالف السوداني (خميس عبد الله أبكر) مؤتمر البجا المعارض (أسامة سعيد)، الاتحاد الديمقراطي المعارض (التوم هجو) الجبهة الشعبية المتحدة للتحرير والعدالة (خالد إدريس جاويش) حركة تحرير كوش السودانية (محمد داوود بندق ) كيان الشمال (محمد سيد أحمد سر الختم ) الحركة الشعبية الجبهة الثالثة المسار الثاني (محمد علي قرشي) وحركة تحرير السودان قيادة كزسكي (أحمد إبراهيم كزسكي).
رواية «تمازج»
الناطق الرسمي باسم الجبهة الثالثة (تمازج) محمد موسى قال إن» قوات حكومية باغتت مجمع رهف الذي يقيم فيه منسوبو حركة (تمازج) وبعض منسوبي الحركات الأخرى، دون إنذار، وبدأت بإطلاق الرصاص، ما أدى إلى تبادل إطلاق النار بين الجانبين وأصيب شخصان من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق سلام جوبا».
ونفى في تصريح لشبكة (عاين) «قيام تمازح بانتهاكات بحق سكان منطقة سوبا وأنها ليست الحركة الوحيدة التي تقيم في المجمع» وأكد أن «منسوبي الحركات يسكنون المجمع مضطرين لأنه بعيد عن قلب الخرطوم، ويواجهون مشاكل في الوصول لمزاولة أعمالهم».
وأضاف: «هذا جزء من إهمال الجانب الحكومي لتنفيذ اتفاق السلام وتوفير سكن يليق بقيادات الحركات الموقعة على اتفاق السلام «.
وأكد أن «حركة تمازج مع بسط الأمن وتنفيذ السلام الشامل والترتيبات الأمنية، وما حدث في منطقة سوبا، إجراء خاطئ، وقامت بعض القيادات بتهدئة الموقف مع القوة الأمنية المشتركة».
ورغم تأكيده أن «قواتهم لم تتبادل النيران مع القوات المشتركة» إلا أنه أكد في الوقت ذاته «إقامة بعض عناصرها في مجمع رهف السكني الذي دارت فيه الاشتباكات».
وشدد على أن سكن عناصر التنظيم في المجمع السكني «كان بالتنسيق مع مفوضية السلام». ووقعت جماعة «تمازج» ضمن تنظيمات الجبهة الثورية، على اتفاق سلام مع الحكومة في 3 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.
ما هي «تمازج»؟
وحسب منتصر إبراهيم، الخبير في شؤون الجماعات المسلحة، «تعود نشأة هذه القوات إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان، ومعظم مكونات هذه القوات من حزام البقارة في دارفور وكردفان والضعين وأم مطارق الدبب والميرم «.
وزاد: «بمجرد وقوع الانفصال وانقسام الحركة الشعبية لقطاعين في الجنوب والشمال، أصبحت لهذه القوات قاعدة ثالثة، ونشطت مجددا بعد انشقاق الحركة الشعبية للمرة الثانية بين عبد العزيز الحلو ومالك عقار، إلى جانب اندلاع الحرب الأهلية في جنوب السودان، ولأن الجبهة الثورية المكونة من الحركة الشعبية في جبال النوبة وحركات دارفور ظلت حليفة لحكومة الجنوب، وبعض عناصرها قاتلوا إلى جانبه ضد رياك مشار، اختارت مكونات الجبهة الثالثة القتال إلى جانب رياك مشار كمرتزقة ضد حكومة الجنوب، بنفس القدر الذي قاتلت به الجبهة الثورية إلى جانب سفاكير، وكلهم لهم تاريخ دموي وانتهاكات ضد المدنيين في جنوب السودان».
وتابع قائلا «أثناء اللمسات الأخيرة للتسوية بين طرفي النزاع في جنوب السودان، كان لزاماً على الأطراف إلحاق هذه الجماعات بالتسوية بين حكومة السودان والجبهة الثورية – حركات دارفور والجبهة الثورية، ولأن الجبهة الثورية كانت حليفة لحكومة الجنوب كان حظها في التسوية أكبر، بينما لم يضمن رياك مشار لحلفائه سوى توقيع اللحظة الأخيرة كملحقين لتسوية سلام جوبا».
وتبعاً للمصدر ذاته «بعد توقيع الاتفاق، لوحظ نمو متصاعد للجبهة الثالثة، وذلك بالتحاق عناصر الدفاع الشعبي ومخلفات النظام السابق من الميليشيات في حزام البقارة في الجبهة، وتطورت قدراتها في العتاد والتجنيد».
وتابع «أعتقد أن الأمر إيجابي لكونه يساعد في عملية إعادة الدمج والتسريح، فالأمر لا يجب أن يثير القلق، عملية الانتقال من الحرب إلى السلام تحتاج إلى جهود أكبر لتجاوز إرث الميليشيات القبلية، وهو أمر له تاريخ طويل يعود إلى حقبة الحرب الأهلية مع جنوب السودان»
وأضاف «أعتقد أن فتح حوار سياسي جاد لاستيعاب الجميع تحت مظلة عملية سلام شامل هو الحل الأمثل، ويستوجب فتح المسكوت عنه في عملية السلام التي تعاملت معها أطراف محددة كمكسب سلطوي لها وتريد أن تحتفظ بالكيكة لوحدها، وهذا الوضع لن يضمن سلام شامل قابل للاستدامة».