سنة 1986 شخّص الأطباء إصابة رجل ثلاثيني بفيروس الإيدز، وقدّروا أنه لن يعيش أكثر من عامين، وكان من الممكن أن ينتهي مجرّد نكرة، مثل كثيرين مثله، لكنّه لم يتقبّل أن يصاب بفيروس نقص المناعة الذي شاع أنه يصيب فقط المثليين جنسيا آنذاك، فالرّجل تزوج ثلاث مرّات، ويعتبر نفسه رجلا مستقيما، رغم علاقاته النّسائية الكثيرة وتعاطيه لبعض المخدرات من حين لآخر.
الصدمة التي أفقدته عنجهيته وكبرياءه جعلته يهبط شيئا فشيئا من قمقم غروره، ليكتشف عالما آخر لم يكن يتوقع ذات يوم أن ينتمي إليه، إنه عالم مرضى السيدا المنبوذين أخلاقيا. في البداية رفض أن يستمر في تعاطي الدواء الوحيد المرخص في أمريكا، بعد أن عانى من تأثيراته السلبية، ثم راح يبحث عن بدائل له، ليكتشف أنها متوفرة في عدة أنواع عند الجيران، فما كان عليه سوى أن يقوم برحلات بنفسه إلى المسكيك لإحضار الدواء له ولمرضى مثله، فأسس «نادي دالاس للمشترين» وهو أول ناد ساعد مرضى نقص المناعة في الحصول على أدوية أجنبية مضادة للفيروس. حورب وحارب بضراوة، خسر أصدقاءه وتركته ثالث زوجاته، ووجد نفسه مع الوقت مجبرا على التأقلم مع بعض المرضى المثليين، بعد أن فهم طبيعة المرض الذي أصيب به، وقد صرّح في إحدى المقابلات الصحافية أنه ظلمهم.
كانت هذه قصة رون وودروف كهربائي سيارات، راعي بقر بارع في مسابقات الرّوديو، ذكوري عنيف، متباه بفحولته، ولد وعاش في دالاس، وقد صمد ست سنوات مع مرض الإيدز. وهي ست سنوات من التغيرات من النّقيض إلى النّقيض، وكلها تفاصيل ألهمت المخرج الكندي الراحل جان مارك فالي ليقدّمه في فيلم كتبه كل من كريغ بورتن ومليسا والاك، وأبدع في أداء دور البطولة فيه ماثيو ماكونهي الذي نال عليه جائزة الأوسكار لأفضل ممثل عام 2013.
الفيلم في الحقيقة لا يروّج للمثلية الجنسية، بقدر ما يوضّح بالتفصيل المملّ غباء الإنسان وجهله وهشاشته، وغروره وعنجهيته، وتسرعه في إطلاق الأحكام الظالمة على الآخر حين لا يتعلّق الأمر به.
تذكّرت قصة هذا الفيلم بمجرّد قراءتي لتغريدات بعض من يُحسبون على الثقافة والإعلام، فمنهم من اتهم القرد بأنّه سبب هذا الوباء الجديد الذي ظهر في عدد من الدول تحت اسم «جدري القرود» ولعن القرود، والشعوب التي تقتنيها وتحتك بها، فيما آخرون لعنوا المثليين جنسيا واعتبروهم سببا لهذا المرض، وأعتقد أنهم لم يقرأوا قصص «ألف ليلة وليلة» أو «الخبز الحافي» على أقلّ تقدير – ليدركوا أن إقامة علاقات جنسية مع القرود والحيوانات عادة ذكورية سببها اجتماع الشهوة والجهل في شخص واحد. مرة أخرى إذن يتكرر السيناريو نفسه، الذي عشناه في بداية جائحة كورونا، حين تنمّر العالم كله تقريبا على الصينيين بسبب ثقافة مأكلهم ومشربهم، فكون بعضهم يأكل الخفافيش وكل ما يزحف على هذه البسيطة فهذا مبرر لكثيرين لاتهمامهم بأنهم سبب تلك الكارثة التي لا نزال نعيش تداعياتها.
مع أن الأمر لا يتطلّب سوى القليل من المعرفة والتّفكير، فاتهام القرد أو الخفّاش ليس سوى ابتكار شمّاعة لتعليق أسمال جهلنا، التي نُصِرُّ رغم التطور العلمي أن نغطي بها عوراتنا. فالقرود والخفافيش بريئة منّا إلى يوم الدين، وكل فيروس شهدته البشرية منذ ملايين السنين إلى يومنا هذا له حق في الحياة مثلنا تماما، ومثل أي شيء حيّ على هذا الكوكب، وإن كان هناك من متّهم حقيقي لانتعاشها واجتياح أجسادنا فالعتب يعود على من يصرُّ على نشر الجهل وإشعال الحروب هنا وهناك، وتجويع بلدان بأكملها ما يعرّض شعوبها للإصابة بكل أنواع الأمراض والأوبئة.
نردّد يوميا أن العالم قرية صغيرة، متواصلة ومتشابكة، ومع هذا نصرّ على تدمير أجزاء من هذه القرية لتعيش أجزاء أخرى على حسابها، بعض الدول لا تتردّد في اتخاذ شعوب افريقية وأخرى آسيوية مصادر لزيادة ثرائها، ومختبرات لإجراء تجارب لأدويتها ولقاحاتها، ومع هذا كلما أطلّ علينا كاهن أو شيخ متّهِما المثليين جنسيا حتى يعلو تصفيق الجهلة، الذين لا يغسلون في الغالب أيديهم بعد خروجهم من الحمّام، والذين يساهمون بنشر أخطر الفيروسات بسلوكهم هذا، أكثر مليون مرّة مما ينشره المثليون بين جماعاتهم المحدودة والمغلقة.
يبدو أيضا أن القوى الثلاث التي تهيمن على العالم هي فعلا كما حدّدها ألبرت إينشتاين «الغباء والخوف والجشع» لهذا تبقى أصوات المفكّرين والمثقفين والعلماء الحقيقيين غير مسموعة وسط ضجيج الغوغاء والرّعاع والسفلة.
شهدت البشرية أوبئة كثيرة، وكان انتشارها مرتبطا باستهزاء الأكثرية الساحقة عند ظهورها، وبالتراخي لأخذ الإجراءات اللازمة للوقاية منها. ومن المحزن أن هذا الأمر يتكرّر عبر العصور والأزمنة، ويبدو أن السلوك البشري واحد، وقد ترجمه فيلم «لا تنظر إلى أعلى» بشكل دقيق رغم تناقض الآراء بشأنه، وتركيز بعضهم على مشهد ظهرت فيه ميريل ستريب عارية فذهب الحديث عن الفيلم في اتجاه آخر تماما أفرغه من هدفه. كلما تتبعنا ظهور «المريض صفر» في تاريخ الأوبئة نجد مكان المنشأ افريقيا أو آسيا، وبعده مباشرة نجد الوباء قد قفز إلى أوروبا، والسؤال الذي لا يطرحه المثقف العربي تحديدا، أو رجل الدين هو كيف قفز الفيروس من تلك الأماكن البائسة إلى أوروبا النّاصعة البياض؟ ممّا لا شكّ فيه أن الافريقي الفقير أو الآسيوي الشبيه له، كلاهما ليس في مقدوره أن يسافر حاملا متاعا مفخّخا بالفيروسات، إنّه الجشع الغربي للاستيلاء على خيرات تلك البلاد، وهو نفسه الجشع الذي يجعل الفقر عاملا مهمّا لاستمرار عملية امتصاص شعوب بأكملها، وجعلها ترزح تحت ثقل الظروف المعيشية الصعبة، لكن ألا يعرف هؤلاء جميعا أن أصل كل جائحة يعود للفقر وتهجير السكان وانتشار البغاء، وظهور أمراض الزهري والجذام والسّل والملاريا، مع قلّة الحقن والأدوية ما جعل الحقن يتم بحقنة واحدة لعدة مرضى فتضاعفت مصائب تلك الشعوب؟ ألا يعرفون ذلك؟ بالتأكيد يعرفون ويدركون جيدا أنّه لا يمكن للمصيبة أن تبقى حبيسة محيطها، ما دام العالم بيتنا المشترك والوحيد في هذا الكون.
يبدو أيضا أن القوى الثلاث التي تهيمن على العالم هي فعلا كما حدّدها ألبرت إينشتاين «الغباء والخوف والجشع» لهذا تبقى أصوات المفكّرين والمثقفين والعلماء الحقيقيين غير مسموعة وسط ضجيج الغوغاء والرّعاع والسفلة. وحتّى لا أكون سوداوية في طرحي، وأنا فعلا لست كذلك، دعوني أذكركم أن للقمر وجها مضيئا دائما لا نراه في الليالي شديدة الظُّلمة، وهو وإن غاب عنّا قليلا يعود ليطلّ علينا. ثمّة نور في آخر النّفق، ثمة فترات هدنة يعقدها هذا الكائن البشري مع بني جنسه، ومع الطبيعة حوله، وهناك دوما فترات صحوة يعيشها كلما تفاقمت الأزمة وخرج منها بعد التجربة سالما. في مواقع إعلامية عربية معروفة ومصنّفة أنها مهمة، قرأت عن طرق انتقال جدري القرود من شخص لآخر ووجدت أنه يتم عن طريق الاتصال الجنسي، أمّا في موقع وكالة الصحّة البريطانية فقد وجدت الخبر كالتالي: «انتقال العدوى من شخص لآخر ليس شائعا، حيث يتطلّب الاتصال الوثيق مع سوائل الجسم، مثل لعاب السُّعال أو القيح من الآفات. يمكن للفيروس أن يدخل الجسم من خلال جروح الجلد أو الجهاز التنفسي أو العينين أو الأنف أو الفم. كما يمكن أن ينتشر من خلال ملامسة الحيوانات المصابة مثل القرود والجرذان والسّناجب، أو من خلال الأشياء الملوّثة بالفيروسات مثل الفرش والملابس».
نعم، لا تعليق! إذ يبدو أننا نستسهل كتابة الخبر وننسى أن وظيفة الإعلام لبناء الوعي العربي يبدأ من هنا، من نقل الخبر صحيحا من مصدره ونشره لا أقلّ ولا أكثر وهذا أضعف الإيمان.
شاعرة وإعلامية من البحرين