الخلاف العسكري والمدني يقود السودان للغرق والانضمام لنادي الدول الفاشلة

عمار عوض
حجم الخط
0

الخرطوم ـ «القدس العربي»:  يأبى ساق الفترة الانتقالية أن يستوي على عوده، تارة بفعل فاعلين داخليين وخارجيين وأحيانا كثيرة بفعل عجز القادرين على الاتمام ان كان بفعل الكسل الذهني أو لضعف الخبرة.

يظلل هذا الواقع كل مناحي الفترة الانتقالية اقتصادا وسياسة وفوضى أمنية وترديا للخدمات مع بعض الإشراقات في الاستقرار النسبي لسعر الصرف للعملات الصعبة منذ شباط/فبراير الماضي أو رفعا للعقوبات وعملية إعفاء الديون. فيما يصارع تنفيذ اتفاقات السلام صعوبة بالغة بعد وقوفه عند حد التعيينات في المستوى السيادي والوزاري وحكم الأقاليم والولايات التي ولد السلام فيها مشاكل أمنية أن كان ذلك بنافورة الدماء التي لم تتوقف في شرق السودان الذي حوله مسار جوبا لسلام الشرق إلى طاحونة الموت المجاني والعبثي من البسطاء في المرغنية ودار النعيم وفيلب قربانا لطموحات النخب السياسية المتدثرة بثوب القبيلة لتغطي عورتها الفكرية وفقر كسبها السياسي في العمل الجماهيري، وهو الحال نفسه الذي يمكن إسقاطه بدرجة التماثل الكامل الظاهر في حروب دارفور القبلية والعقلية أيضا أن كان في غرب دارفور الجنينة أو غرب كردفان أو كادقلي في جنوب كردفان .
يأتي ذلك كله والسلطة الانتقالية بشقيها الوزاري والسيادي تقاتل من أجل اكتساب الخبرة للتعامل مع أمر إدارة دولة والذي يختلف من إدارة تحالف سياسي معارض أو مناطق ضيقة تحت إدارة جماعات كفاح مسلح/حركات متمردة على سلطات الدولة.
ويظهر ضعف الخبرة والسعي لتكوينها لإدارة حياة الناس، في التردي الظاهر في قطاع الخدمات من وقود وصحة ونظافة وتعليم، وتحسن قطاعات منه لفترات يستقر فيها إمداد الوقود أو الكهرباء أو الدواء لشهر أو شهرين ثم يدخل أي قطاع منها في أزمات حادة وندرة في الخدمة تكاد تكون خانقة وقاتلة للجهاز التنفيذي والحكومة التي تسارع لمضاعفة سعر السلعة الأساسية من وقود أو خبز ليهيج المواطن ويظهر ضجره في شكل مظاهرات وإغلاق الطرقات احتجاجا، ثم يعود ويتكيف مع السعر الجديد قبل أن تنعدم الخدمة لتدور نفس الساقية من جديد ويظهر قلة الخبرة والعمل على اكتسابها واضحا في متلازمة الندرة ورفع الأسعار والاحتجاجات ثم الوفرة وهكذا دواليك.

الانشقاق في هرم السلطة

لكن المخيف في أمر الانتقال الذي تشهده الدولة السودانية ليس ضعف الخبرة ولكنه الانشقاق الظاهر في هرم السلطة داخل المكون العسكري تحديدا وهو الانشقاق الذي ماثله اصطفاف مماثل في القوى المدنية والحزبية التي اكتفت بدور المناورة بين المكونين العسكريين ولا مبادرة لتحقيق مبدأ القيادة المدنية إلا من محاولة أخيرة من رئيس الوزراء عبدالله حمدوك الذي أطلق مبادرة سياسية اسماها «الطريق للأمام» بعد أن وجد نفسه بين تحمل مسؤولية تاريخية عن الفشل أو النجاح في وطن يحاول قدر الإمكان عدم الغرق والانضمام لنادي الدول الفاشلة. حيث وصف حمدوك هذا التشاكس بوضوح في مبادرته عندما تحدث عن وجود خلاف عسكري عسكري ومدني مع العسكر ومدني مدني، وهي وصفة الدخول في نادي الدول الفاشلة بامتياز.
كل هذه الخلافات مقدور عليها لكن الخلاف العسكري العسكري يهدد بقاء الدولة السودانية رغم نفي العسكريين المتكرر له عقب كل شائعة أو أزمة لكنه ظاهر في الاصطفاف بين رأسي القوات النظامية والذي على أقل الفروض يكبل الدولة في السير في الطريق للأمام، مع ان قاعدة الانتقال في السودان ثلاثية الأضلاع (عسكريين/ مدنيين وقوى حديثة ثائرة/ وحركات كفاح مسلح أو جماعات مطلبية مسلحة لو شئت) لكن كل ضلع من هؤلاء لا يرى الضعف الكامن فيه ويعمل للانقضاض على أحد الضلعين الآخرين والاستفراد بجهاز الدولة دونا عن الآخرين، وهذا ظاهر في دعوات إعادة العسكريين للثكنات تحقيقا للحلم السياسي لدولة مدنية مع استخسار مكتسبات قوى السلام التي تحاول هي الأخرى تمتين التحالف مع العسكريين لإخراج المدنيين والقوى الحزبية التي يصورونها لأنفسهم أنها بلا جماهير وحصلت على السلطة في حين غفلة .
كل هذا الصراع السياسي داخل مكونات السلطة بأضلاعها الثلاثة آنفة الذكر التي لا تريد أن ترى (عوجة رقبتها) يوفر مساحات خالية واسعة تتحرك فيه الدولة القديمة/نظام البشير للتمدد واكتساب أرضية تبني فيها على سخط الجماهير بغية الصعود للحكم مجددا.
يأتي ذلك كله في خضم مشاكل إقليمية تهدد بقاء السودان مستقرا بشكل جاد أن كان بجهة التوتر مع إثيوبيا بشأن سد النهضة وأراضي الفشقة والحدود، أو الصراع الداخلي في إثيوبيا من حروب وتدفق لاجئين وسلاح وتقاطعات إقليمية مع ارتريا التي كلما شعرت أن الخرطوم بعيدة عن دعم اسمرا حركت عناصرها في شرق السودان المجاور لها لتخفيف الضغط عليها أو كف يد السودان عن حليفتها الجديدة أديس أبابا أو أبي احمد تحديدا، في ظل سعي مصر للحفاظ على حقوقها المائية من داخل أراضي السودان الذي تتصارع على أرضه رغبات دولية متمثلة في الولايات المتحدة التي تريد للخرطوم توجها غربيا نحوها ونحو أوروبا وإسرائيل مقابل دعمها للاستقرار واكمال الانتقال للشوط حتى نهاية الديمقراطية وتبادل السلطة، في حين تريد روسيا المحافظة على مكانتها التي حازتها من الرئيس السابق عمر البشير طوال سنوات حكمه الثلاثين وليس لدى موسكو أي وازع أو رادع يمنعها من استمرار نظام شمولي ديكتاتوري في مقرن النيلين وأرض الذهب التي مصت عروقه لسنوات طويلة وتراود العسكريين عن نفسهم لتحقيق مصالحها والمحافظة على امتيازاتها الاقتصادية وموقع السودان الجغرافي في إطار خطتها للعودة والسيطرة في أفريقيا التي تظهر في أفريقيا الوسطى المجاورة للسودان بشكل مخيف.
أوضح صور النجاح بعد مرور عامين على توقيع الوثيقة الدستورية في شهر آب/اغسطس تتمثل في رفع العقوبات واسم السودان من لائحة الإرهاب وإعفاء الديون والتطبيع مع الاقتصاد العالمي ومؤسساته من بنك وصندوق النقد الدولي، وعودة التحويلات البنكية مباشرة من مصارف الخرطوم.

ضعف الأداء الحكومي

وأبرز صور الفشل أو سمها تحديات تلطفا تظهر في ضعف الأداء الحكومي وان كانت الحكومة الثانية التي جرى إعلانها قبل 6 أشهر تظهر أفضل حالا من الحكومة الأولى لكنها ينطبق عليها عجز القادرين عن الاتمام حيث لم تستطع الحكومة الثانية إكمال هياكل الحكم في الولايات التي تكمل عامين بلا حكومات تنفيذية أو مجالس تشريعية، حيث تجد في كل ولاية أو إقليم، مسرح الرجل الواحد أو المرأة الواحدة يحكم لكنه لا يحكم لأنه مسير بفعل جهاز الدولة الموالي للبشير وحزبه، ولا تجد تفسيرا لعدم إكمال هياكل الحكم من مجالس وزارات ومحليات سوى العجز عن اتمام الفعل السياسي.
هذا الضعف وسط الحاكمين في الخرطوم من أحزاب مصطرعة على تكويش أكبر قدر من المحاصصة السياسية والممتد حتى عواصم الولايات والأقاليم، قاد لتمدد الطموح السياسي للصعود على أكتاف القبيلة ما قاد لتفشي القبلية والصراعات العنصرية العنيفة ليمد رجال وقادة القبائل أرجلهم ولسانهم للقوى الحديثة في أكبر ارتداد في تاريخ الثورات التي استخدمت فيها كل فنون ومخرجات الحداثة من سوشال ميديا وإنترنت وشباب متطلع للتغيير لكنه وجد أن كهول الإدارة الأهلية تسيدوا المشهد الذي عمت به الفوضى الأمنية جراء كل ذلك وصارت حروب القبائل وطموحات نخبها تعم الأرجاء من شرق السودان وحوادث القتل على الهوية والعنصرية في البحر الأحمر ورجع صدى ذلك في ولاية كسلا والقضارف مرورا بالنيل الأزرق حيث للصراع أكثر من وجه، أوله داخل قبائل المنطقة حيث الصراع بين الادوك الذين يوالون عبدالعزيز الحلو وقبائل الانقسنا الذين ينتمي لهم عضو مجلس السيادة مالك عقار رئيس جناح الحركة الشعبية التي وقعت السلام، وهو الصراع الذي يأخذ شكلا مشابها في غرب كردفان وجنوب كردفان وصولا إلى دارفور حيث مسرى الصراعات القبلية ومعراجها.
يبقى مسار النجاح واضحا في إكمال هياكل الحكم مع الاحلال والإبدال في حكام الولايات وتجويد الأداء الحكومي في جانب الاقتصاد بتقليل وطأة سياسات التحرير الاقتصادي ووقف ربط السلع الأساسية والخدمات بسعر الدولار أو السعر العالمي، وتحقيق التوافق السياسي وإيقاف الصراعات بين أضلاع المثلث (عسكريين/ مدنيين/ قوى سلام) عبر مبادرة سياسية مثل مبادرة رئيس الوزراء الحالية، مع الإبحار والمناورة بين رغبات التيارات العالمية والإقليمية وتجنب الدخول في حروب خارج حدود السودان للمحافظة على السودان نفسه موجودا في الأساس.
أما وصفة الفشل فبوادرها بائنة وعديدة منها صدام العسكريين فيما بينهم والتي يمكن بسهولة ان تقود لفناء السودان كدولة وحكومة وشعب؛ أو استمرار سوء الأداء الحكومي مع تنفيذ سياسات اقتصادية قاسية ما يزيد من الفقر والجريمة والخروج في تظاهرات تخلف لا دولة تعتمد شريعة الغاب، أو في سياسة الشد من الأطراف باستمرار الصراعات القبلية وسط أطماع إقليمية .

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية