الخلاف يتسع بين تركيا وأمريكا في شرق الفرات: منطقة أمنية أم آمنة؟

منهل باريش
حجم الخط
0

نجح الجيش التركي في وضع قدمه مرة ثانية في منطقة شرق الفرات شمال سوريا بعد زمن طويل لمواجهة نفوذ حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وذراعه العسكري المتمثلة بوحدات حماية الشعب الكردية، وهما في نظر أنقرة امتداد لحزب العمال الكردستاني الذي تصنفه كتنظيم إرهابي، خاضت معه حربا طويلة لعشرات السنين في تركيا والعراق. وكان الجيش التركي دخل شرق الفرات أول مرة في شباط (فبراير) 2015 لنقل رفات سليمان شاه، جد مؤسس الإمبراطورية العثمانية عثمان الأول، والذي دفن على الضفة اليسرى لنهر الفرات بالقرب من جسر قراقوزاق الواصل بين منبج وريف الرقة الشمالي. ودخلت القوات التركية حينها في ظل سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” على المنطقة.

ودخلت ست عربات عسكرية تركية، صباح الأحد الماضي، ترافقها عربات أمريكية، قامت القوتان بدورية مشتركة بعمق ستة كيلومترات داخل الأراضي، واستغرقت الدورية المشتركة مدة ثلاث ساعات، جالت خلالها على المواقع التي انسحبت منها قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب الكردي قبل نحو أسبوعين. واستطلع الجنود الأتراك مقرات ونقاط سابقة في قرى الحشيشة ومشرفة والعباد وغويلان والرواية والمستريحة، الواقعة جميعها في ريف تل أبيض الشرقي حيث انحصرت حركة الدورية المشتركة. وبعد انتهاء الدورية رافق الجنود الأمريكيون نظراءهم الأتراك حيث عادوا إلى معسكرهم داخل الأراضي التركية.  واقتصر عمل الدورية على المرور على الحواجز والنقاط خارج القرى والبلدات المذكورة أعلاه ولم تتوغل داخلها مطلقاً.

وكانت الوحدات الكردية قد سحبت حواجزها ومقراتها العسكرية في المنطقة بإشراف قوات التحالف الدولي لمحاربة “تنظيم الدولة”، حيث يعتبر التحالف أن شرق الفرات منطقة عمليات له ضد التنظيم.

وادعت وحدات الحماية، في وقت سابق، أنها سلمت مقراتها إلى المجالس العسكرية والمقاتلين المحليين من أبناء القرى والبلدات في “المنطقة الأمنية” المحددة.

من جهتها، أصدرت وزارة الدفاع التركية بيانا، إثر تسيير أول دورية في شرق الفرات، قالت فيه إن “الأنشطة المشتركة مع الولايات المتحدة، فيما يتعلق بتدمير التحصينات والمخابئ والملاجئ العائدة للإرهابيين وسحب الأسلحة الثقيلة منهم، وانسحابهم من المنطقة، تمهيداً لتهيئة الظروف اللازمة لعودة الأشقاء السوريين إلى منازلهم، متواصلة من دون إتاحة المجال للتأخر”.

وأشار مصدر في قوات سوريا الديمقراطية لـ”القدس العربي” أن ضباطا أمريكيين أخبروا القيادة بأن الدوريات التركية ستدخل بتنسيق مسبق للكشف على النقاط والحواجز التي قالت وزارة الدفاع التركية أن مقاتلي الوحدات يتركزون فيها، مضيفاً “أن الآلية المتبعة حتى الآن تمنع تواجد القوات التركية داخل الأراضي السورية ويقتصر عملها على التجوال ضمن الدوريات المشتركة في عمق المنطقة الأمنية، وفي مرحلة ثانية أن غرفة المراقبة المشتركة في أورفة ستمنع دخول القوات الكردية من خلال المراقبة الجوية الدائمة”. كما شدد على أن هذا العمل سيكون من خلال فريق أمريكي تركي مشترك “يعمل من الأراضي التركية وليس من داخل سوريا”.

وانتقد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الدور الأمريكي فيما يتعلق بالمنطقة الأمنية، مؤكدا أن بلاده تتفاوض “مع الولايات المتحدة بشأن المنطقة الآمنة، لكننا نرى في كل خطوة أن ما نريده وما يفكرون فيه ليس هو نفس الشيء”. وأضاف: “يبدو أن حليفتنا تبحث عن منطقة آمنة للمنظمة الإرهابية وليس لنا. نرفض مثل هذا الموقف”. كذلك أكد اردوغان أنه “لا يمكن إنجاز المنطقة الآمنة عبر تحليق 3 – 5 مروحيات أو تسيير 5 – 10 دوريات أو نشر بضعة مئات من الجنود في المنطقة بشكل صوري”.

ويبدو أن الرئاسة التركية أدركت أنها تواجه سيناريو منبج تماما، وهو ما دفع اردوغان إلى انتقاد تطبيق الاتفاق مع تسيير أول دورية مشتركة. فتركيا ترى أن المنطقة يجب أن تتحول إلى منطقة آمنة تستوعب مليون شخص، وأن الاتفاق يجب ان يشمل كامل المدن والقرى على الشريط الحدودي. ويتم تطبيق الاتفاق من خلا نشر قوات تركية وقوات عربية من الجيش الوطني الموالي لها، أو ان تدخل قوات عشائرية جديدة تتبع لمجلس القبائل والعشائر السورية المقرب منها والذي يتخذ من منطقة “درع الفرات” مقرا له.

وفي السياق، شدد المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، على أنه “يتعين علينا التأكد عبر مصادرنا. ولن نسمح بحدوث الأمور على غرار المماطلة التي حصلت في اتفاق خريطة الطريق في منبج وتشتيت الانتباه والابتعاد عن الهدف الرئيسي”.

وتزامن بدء الدوريات المشتركة مع إرسال واشنطن تعزيزات عسكرية كبيرة للوحدات الكردية، ضمت الشحنات معدات تحصين هندسية ولم تقتصر على الأسلحة والذخائر فقط. وهو ما يشير وضوحا إلى نية الوحدات بتعويض ما خسرته وبناء مقرات وتحصينات عسكرية جديدة لها في محيط المنطقة التي تقلق أنقرة.

ويهدد المسؤولون الأتراك بإنشاء المنطقة الآمنة على طريقتهم في حال فشلت أمريكا بالإيفاء بتعهداتها أو الالتزام بتطبيق الاتفاق. ومع تلك التهديدات ما زال الجيش التركي متحشدا على طول الشريط الحدودي مع سوريا، والبالغ قرابة 430 كم منذ نهاية شهر آب (أغسطس).

ومن المؤكد أن عملية عسكرية تركية منفردة ضد الوحدات الكردية، أمر مستبعد وشبه مستحيل، فأنقرة تدرك خطورة النتائج السياسية لهكذا عملية، ولا تريد أن تزيد التوتر مع واشنطن. وتحاول أنقرة جاهدة ضمان أمنها القومي من خلال تقليص الهيمنة المباشرة للوحدات الكردية على المنطقة المجاورة لحدودها، كما تدرك صعوبة نشر مئات الجنود داخل المنطقة الآمنة كما تحدث اردوغان نفسه. فمن الواضح أن واشنطن ستحقق ما تطلبه أنقرة من إبعاد مقاتلي الوحدات الكردية دون السماح بنشر أي جندي أمريكي مهما كانت وظيفته أو مهمته.

وتحاول تركيا مغازلة روسيا، من خلال انتقادها الدور الأمريكي في شرق الفرات، وترسل رسائل طمأنة مفادها أن إعادة مليون سوري من اللاجئين في تركيا أو من نازحي مناطق إدلب ستشكل عنصرا هاما في مبادرة بوتين حول عودة اللاجئين، والتي لاقت تعثرا كبيرا في لبنان، سببه عدم مقدر روسيا على ضمان كف يد الأجهزة الأمنية عن آلاف اللاجئين الذين أُجبروا على العودة من لبنان إلى سوريا. فعودة مليون نازح سيخدم السياسة الروسية في سوريا، وبكل تأكيد فان تركيا تسعى إلى توظيف هؤلاء اللاجئين في عملية تغيير ديموغرافي يخفف من التواجد الكردي على خاصرتها الحدودية جنوباً.

ويلاقي مقترح عودة اللاجئين السوريين من أبناء مناطق الوسط والجنوب السوري رفضا من واشنطن، التي ترحب بعودة أبناء المناطق فقط وترفض سواهم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية