الخميسات المغربية مدينة البحيرات وعاشقة «التبوريدة»

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
4

الرباط ـ «القدس العربي»: تكشف مدينة الخميسات، الواقعة في الطريق بين العاصمة المغربية الرباط ومدينة مكناس، عن هويتها وعشقها الأول للتبوريدة (الفروسية التقليدية)، من خلال تماثيل أحصنة تنتصب في بعض ساحاتها، الأول وهو الأشهر في ساحة المسيرة والثاني في ساحة الحسن الأول، إنه استقبال على طريقة أهل «زمور» الأمازيغ الذين تعتبر حاضرتهم ومركزهم.
ليست التبوريدة وحدها هوية الخميسات بل كل ما له علاقة بالتاريخ والعراقة، حتى الزراعة التي هي أرض خصبة لها، تحكي عن قرون خلت كانت فيها موطنا لـ «أقدم وأكبر مجمع زراعي غير مسبوق في شمال غرب أفريقيا»، والذي كان موضوع اكتشاف قامت به مجموعة بحث دولية، تتكون من المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالمغرب، والمعهد الإيطالي لعلوم التراث الثقافي (المجلس الوطني للبحوث)، وجامعة كامبريدج.
الاكتشاف المذكور في ضواحي المدينة يؤكد أن «المجمع الزراعي هو الأول من نوعه ويعود إلى الفترة ما بين 3400 و2900 قبل الميلاد، وهو أكبر وأقدم مجمع زراعي تم توثيقه في أفريقيا خارج وادي النيل»، وفق بيان لوزارة الثقافة المغربية.

مآثر المدينة

وإذا كانت الخميسات لا تتوفر على مدينة عتيقة مثل المدن السلطانية كفاس ومكناس والرباط ومراكش، فإن أصالتها محيطة بها في كل المناطق التي هي قلبها النابض، لكنها لم تنس بعضا من تلك المعالم داخل محيطها الحضري، وينتصب المسجد العتيق كأحد تلك المآثر التي تميز المدينة، وجرى تأسيسه في الثلاثينيات من القرن الماضي، كما تفيد بعض الموسوعات، وتشارك في تكاليف بنائه كل من السكان باكتتاب إلى جانب أحباس (أوقاف) سلا وذلك بأمر من العاهل الراحل محمد الخامس.
وكان للمسجد العتيق دور كبير، ومنه انطلقت أولى المظاهرات الكبرى ضد المستعمر عام 1937، حين انتفض سكان الخميسات ضد سياسة التفرقة التي كانت تنوي فرنسا بثها في صفوف المغاربة من خلال ما عرف بـ«الظهير البربري». كما كان أول مقر لجمعية حفظة القرآن الكريم في المدينة، حيث تليت آيات بينات من الذكر الحكيم يوم الجمعة بلسان واحد ضدا على سياسة الاستعمار الفرنسي.
من المآثر الأخرى هناك قنطرة الديك التي كانت مشيدة على وادي بهت، وتوجد حاليا أسفل القنطرة المشيدة حديثا، وتربط الخميسات بمدينة مكناس وباقي المدن في الاتجاهين. وحتى إن ذهبت فقد بقيت أطلالها تدل عليها، وعن التسمية الغريبة لهذا الجسر، تقول إحدى الموسوعات إنها مستمدة من الديكة التي كانت تطير للعبور بعد أن تهدم وسطها. ويرجح بعض المؤرخين زمن بنائها إلى عهد الدولة السعدية.
بجانب قنطرة الديك، توجد دار أم السلطان وهي والدة السلطان المنصور الذهبي أحد ملوك الدولة السعدية، وعرفت لالة مسعودة بمشاريعها الخيرية في العمران، لذلك بقيت دارها واقفة تقاوم الزمن، وتدل على عصر ذهبي عاشته الخميسات يصل الوصل بالعصر الحديث الذي تعيشه حاليا في ظل تسارع عمراني وسكاني متطور.
وتضاف ثانوية موسى بن نصير التي شُيدت سنة 1926، إلى جملة مآثر المدينة، وتعتبر ثاني وأهم مدرسة عصرية بُنيت في المدينة إبان الفترة الاستعمارية أواخر العشرينيات. كنيسة القديسة تيريزا بدورها تصنف ضمن معالم الخميسات وشيدت سنة 1927، وكان الهدف منها حسب ما فهمت مصادر من نوايا المستعمر الفرنسي، هو إخراج قبائل زمور من الإسلام وإدخالهم إلى النصرانية. ذلك تاريخها أما في حاضرها فقد تحولت إلى مجمع ثقافي من دون المساس بملامحها العمرانية وشكلها الذي يحيل على البناية الدينية.

مغارة من الحضارة الجراسية

تصنف مغارة ايفري نعمر وموسى في خانة المواقع السياحية، لكنها تحتل مكانا خاصا ضمن المواقع الأثرية والأركيولوجية الأكثر قدما حتى من المجمع الزراعي، وقد عثر داخلها على هياكل عظمية تعود لإنسان عاش في الحضارة الجراسية التي امتدت من 1800 إلى 2400 قبل الميلاد.
الاكتشاف حمل توقيع فريق من الباحثين المغاربة حيث عثر على مقبرة بهذا الكهف يعود تاريخها لثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، كما أكد الفريق نفسه التابع للمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث في الرباط، مشيرا إلى أنه تمكن أيضا من اكتشاف وجرد وتوثيق أكثر من 26 موقعا أثريا على مستوى منطقة آيت سيبرن التابعة لإقليم الخميسات.
وفي تصريحات ليوسف بوكبوط، الأستاذ الباحث بالمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث في الرباط، أوردتها وكالة الأنباء المغربية، قال إنه جرى اكتشاف هذه المقبرة، والتي تضم ستة هياكل عظمية بشرية، والعديد من الأدوات المصنوعة من عظام الحيوانات، وكسرات من الفخار جرسي الشكل، مبرزا أن تلك الهياكل العظمية والأدوات المعدنية يمكن عرضها بالمتاحف بدون إدخال أي تعديلات عليها، نظرا لكونها كانت توجد في ظروف طبيعية جد ملائمة، ساهمت في الحفاظ عليها رغم مرور آلاف السنين (الفترة ما بين 3000 و1800 قبل الميلاد).

مدينة منبسطة ومفتوحة

بالنسبة لمدينة الخميسات، فإن ذلك الاكتشاف هو فقط تحصيل حاصل، لأن عراقتها المتمثلة في المعالم والمغارات وغيرها من ملامح الزمن الغابر، تتجسد على مستويات عدة ليس فقط زراعيا بل اجتماعيا وروحيا وثقافيا وعلميا، وللمجتمع نصيب من هذا الأصل البهي بحكم أنه هو صانعها، كما أنه صانع الفرح بموسيقاه التقليدية الأمازيغية مثل «أحيدوس»، ولا أحد يجادل في طيبة ولطف أهل الخميسات، هم أصحاب ابتسامة عريضة وحناجر تغني للحياة وفرسان مقامهم فوق ظهور الخيل ينافسون في كل مباريات «التبوريدة» ويفوزون بالجوائز أيضا، وبمعية فرسان مناطق أخرى يشكلون العقد الماسي للفروسية التقليدية المغربية.
الخميسات هذه المدينة المنبسطة والمفتوحة على مصراعيها أمام الجميع، تبعد عن العاصمة الرباط شرقا بحوالي 86 كيلومترا، ورغم التاريخ القديم لمناطقها الواسعة المحيطة، فقد كان تأسيس المدينة كحاضرة حديثة عام 1935 من قبل المستعمر الفرنسي الذي اهتم بها بحكم موقعها الجغرافي ووجودها على الطريق بين العاصمة الرباط وفاس، وهو السبب الأساسي الذي جعلها تتوسع وبسرعة، في ظل السرعة التي عرفتها الهجرة الريفية إليها خلال سبعينيات القرن الماضي.
وبالحديث عن الاستعمار الفرنسي، نذكر أن الخميسات هي مسقط رأس رئيس الوزراء الفرنسي ووزير الخارجية السابق دومينيك دو فيلبان. كما أنه جعل من المدينة مركزا لإعداد الجنود خاصة المغاربة الذين شاركوا في الحرب العالمية، كما تفيد بعض الموسوعات.
ليس غريبا على مدينة حديثة التأسيس حسب الزمن الحالي، أن تعرف هذا النمو السكاني الكبير، القبائل التي تحيط بها كثيرة وهي تشغل النسبة الأهم من المناطق المحيطة بالخميسات التي صارت عاصمة لزمور كما يلقبها أهل هذه القبائل الأمازيغية، ناهيك عن موقعها على الطريق بين الرباط وفاس وقربها من محور القنيطرة والدار البيضاء، مما كان له الأثر في هذا التوسع المرتبط بالسكان والعمران أيضا.
بعض المنتقدين لحال المدينة يعبرون عن استيائهم من غياب أي نشاط اقتصادي كالمصانع والمعامل، فقط الصناعة التقليدية وخاصة صناعة الزرابي التي تشتهر بها إضافة إلى التجارة والزراعة. كما يلومون المجالس المنتخبة التي تعاقبت على تدبير الشأن المحلي في الخميسات على حال ووضعية المدينة التي لم تعرف التطور الذي يحلم به كل السكان وخاصة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي وحتى الرياضي.

زرابي وتبوريدة

الفرح صفة من صفات أهل مدينة الخميسات، حيث تبسط الزرابي «الزمورية» (أنواع من السجاد المحلي) المزهوة بألوانها والمتقنة في صناعتها الدقيقة والجميلة والمزركشة بأشكال تستمد ملامحها من الموروث الأمازيغي، تجدها في كل منزل وعند المناسبات الخاصة، هي سيدة الأرض، كما أنها فاتحة الكرم الذي جبل عليه أهل المنطقة أسوة بجميع المغاربة.
الفرح لا يقتصر على زربية مبسوطة وحدها بل من خلال المناسبات العديدة ومنها تلك المواسم التي تحولها إلى ملتقى اجتماعي بامتياز، ونذكر منها موسم التبوريدة المحلي المعروف بموسم أيت يدين، ومواسم أخرى مثل أيت أوحي وسيدي الغندور وأيت عبو.
هو زواج الأصالة والحداثة في «تبوريدة» أهل زمور، حين تتحول الخميسات إلى عاصمة تلك القبائل التي منها من استقر في الحاضرة ومنها من بقي في أراضيه الخصبة يمارس الزراعة ويعيش طقوس الانتماء إلى الأرض.
ومن علامات الفرح في هذه المدينة المنفتحة، أنها أنجبت نجاة عتابو المغنية الشعبية الشهيرة التي صدحت وما زالت بحنجرتها الأمازيغية الأصيلة بمواويل وأغاني بالدارجة وبالأمازيغية ويرددها الجميع ليس في الخميسات فقط بل في كل المغرب، حيث تحولت هذه الفنانة إلى أيقونة الفن الأمازيغي (الثوري) حينها لأنها تغنت بمواضيع كانت تصنف في خانة التابو اجتماعيا.
ليست عتابو الفنانة الوحيدة التي أنجبتها الخميسات، بل من أبنائها المخرج الكبير الجيلالي فرحاتي صاحب أفلام أسست للسينما المغربية مثل «عرائس من قصب» و«شاطئ الأطفال الضائعين»، أيضا المغني الشعبي الشهير فيصل والفنان المسرحي سعيد عامل والممثلة رجاء خرماز… وغيرها من الأسماء اللامعة في سماء الفن بهذه المدينة الكريمة.

السياحة في ضاية الرومي

يعرف بعض المؤرخين الخميسات بأن موقعها كان يتكون في غالبيته من الضايات، بقيت منها ضاية الرومي (الضاية تعني البحيرة)، التي تنتصب كأحد المعالم السياحية الطبيعية الأكثر جذبا للسياح من الداخل والخارج، ويأسر جمالها الزائر ولا ينفك يعود إليها وهي الواقعة على بعد 15 كيلومترا جنوب الخميسات، وتمتد على مساحة تفوق 87 هكتارا من المياه العذبة، وسط غابة ضاربة في القدم مكونة من أشجار الزيتون والكاليبتوس والدراق، بالإضافة إلى أكثر من 80 نوعا من الأعشاب، يصل عمق البحيرة ما بين ثمانية إلى تسعة أمتار، ومحيطها إلى حوالي خمسة كيلومترات، وهي مياه توفر الحياة لعدد كبير من الأسماك خاصة الشبوط والنون وبومنقار.
وتحكي الأرض قصة ضايات أخرى غابت في الوقت الحاضر، وهي ضاية دجاج الماء التي تحولت إلى أحد الأحياء السكنية حاليا وهو حي السلام، وضاية آيت الكباش وبدورها تحولت إلى زنقة (زقاق) الشومور، أما ضاية الطْريقْ فقد أصبحت ساحة المسيرة، ويحتضن موقع ضاية آيت حدو مقر محافظة المدينة، وضاية سوق الثلاثْ وهي أيضا صارت حيا سكنيا، ثم ضاية البكرة وضاية ولاد عباس هذه الأخيرة تحولت إلى مقر البلدية.

زيارة على السريع

الزائر لمدينة الخميسات عليه الاستعداد ليكون ضيفا على كل الإقليم وليس فقط الحاضرة منه، وأن يقابل ساكنها الأصلي والوافد عليها منذ سنوات حتى بات جزءا منها، وهي التي أقامت بها وما زالت قبائل زمور مثل آيت أوريبل، قبليين، مصغرة، آيت سيبرن، حوذران، آيت يدين، وغيرها، كما استقر بها سكان مدن وقبائل أخرى، نذكر منها سلا، الرباط، مكناس، الريف، الصحراء، دكالة، سوس، الشاوية.
وبجولة خفيفة حتى مشيا على الأقدام فهي أرض غير متعبة، تمر الخطوات رشيقة من شارع ابن سيناء إلى شارع محمد الخامس ثم شارع الصحراء المغربية فشارع قاضي عياض، وللغوص في المدينة أكثر تقود الخطوات الزائر إلى بعض أحيائها الشهيرة مثل حي القائد، وحي الزهراء، وحي السلام، وحي زمرمان، وحي سيدي غريب، وحي بوخام، وحي الياسمين، وحي المنى، وحي الهناء، وحي المراكش (ديور الحومر)، ثم حي التقدم والسعادة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية