في كتابه «الخيال السياسي» الصادر منذ أقل من عامين، عن سلسلة عالم المعرفة في الكويت، يقول عمار علي حسن، إنه يستحيل التقدم في العيش بلا خيال، فهو الطاقة السحرية التي تقود الإنسان إلى التمرد على واقعه، والتحرك خطوات مستمرة للأمام، وسط حال من التوتر الدائم، الذي تمور به نفس الإنسان، وهو يسعى بلا كلل إلى بلوغ آفاق جديدة، وخوض مغامرات لا تنقطع، في سبيل تحسين شروط الحياة.
هنا يؤكد المؤلف على أنه ثبت خطأ التصورات التي ردت العالم إلى نظام آلي ومادي لا يكون للخيال فيه إلا دور ضئيل، مثلما رأى ديكارت ولوك وغيرهما، وبقراءة تاريخ العلوم نجد أن كل القفزات العلمية كان الخيال وراءها، وأن كل كسْب جديد في المعرفة العلمية لا يحدث إلا بخرق قوانين الإنسان العلمية القائمة، فالخيال في صراع دائم مع هذه القوانين، ومع النظام بشكل عام، ومن مصلحة التقدم أن يكسب الخيالُ المعركة، والثورات العلمية الكبرى مرتبطة بإطلاق الخيال، وتجاوز المألوف، والمغامرة والرغبة العارمة في التغيير والارتقاء.
الخيال هو الذي يجعل الإنسان يسمو فوق واقعه التعيس، حسبما يرى المؤلف الذي يرى كذلك أن ثورات الربيع العربي طرحت سؤالاً عن غياب الخيال السياسي، إذ يمكن القول سياسيًّا، إن هذه الثورات كانت نتاجًا لقصور كبير في المخيلة السياسية العربية، وهو القصور الذي ندفع أخطاءه، في ظل عجز العقلية العربية عن تنمية الخيال الســـياسي لديها، وهو ما جعلها ضعيفة أمام تحديات واقعها.
رؤية أولية
في «الخيال السياسي» يسعى المؤلف إلى تأسيس رؤية أولية في الخيال السياسي، بوصفه قضية جوهرية في واقعنا المعاصر، سواء على مستوى التأمل والتقعيد النظري، أو على مستوى وضع مؤشرات ورسم مسارات للتطبيق العملي. إلى جانب هذا يطرح عمار عدة أسئلة منها ما المقصود بالخيال السياسي؟ وما علاقته بالخيال عمومًا وما أهمية ومهام الخيال السياسي؟ وما المنابع التي يخرج منها؟ وهل من الضروري أن نعزز وجوده وننميه؟ وما هي العقبات التي تصنع انطلاق خيالنا السياسي؟
المؤلف لا يتعامل هنا مع الخيال السياسي بوصفه شرودًا ضالاً، بل بوصفه إسهامًا في تداعي الأفكار، ذاكرًا رؤية ديفيد هيوم، الذي أقر بأن هناك ترابطًا بين مختلف خواطر الذهن أو أفكاره، مثلما ينظر إلى الخيال السياسي باعتباره «منتجًا ثقافيًّا» لأسباب أولها، أنه يخضع لقدرة الفرد على الإبداع، وإمكانية المؤسسة على الخلق والابتكار. عمار الذي وجد في تأليف كتابه هذا ما يلبي نداءً داخليًّا، إلى جانب اقتناع يترسخ لديه بأنه فقر الخيال السياسي في الحياة العربية العامة من العناصر الخفية التي أسهمت في تردي الأحوال، وأن الفجوة التي تتسع بيننا وبين الغرب لا تقتصر على التقنية والحداثة فقط، بل أيضًا الخيال السياسي، لا يرى أن هذا الكتاب يحاول الإسهام في تشييد جسر آخر بين الأدب والسياسة.
المؤلف يذكر أن كتابات كثيرة نظرت إلى الخيال السياسي باعتباره الروايات السياسية التي تنطوي على نبوءة بالمستقبل، أو تسعى إلى بناء عالم موازٍ للواقع المعيش. كما يذكر أن أفلاطون كان قد عارض قديمًا الأدب الخيالي، إذ رأى أن مبدعي الدراما والشعراء خياليون ولا يقدمون العالم الحقيقي، كما أنهم يضرون الأخلاق حين يبعدون الناس عن رؤية واقعهم كما يجري، ولذا فلابد أن يسيطر ذكاء الفلاسفة على الأدب الخيالي، لكن في الأخير تجاهل الفلاسفة المعاصرون ادعاءات أفلاطون وربطوا بين الأدب والفلسفة.
الحلم خيال
عمار الذي يبدأ حديثه عن معنى الخيال السياسي وأهميته قائلاً إنه حتى لو لم تكن النتائج التي يصل إليها خيالنا حاسمة، وحتى لو لم تتصف بالدقة المتناهية، فإنها تقربنا من الفهم وتجعلنا أكثر عمليةً في تحديد بدائل لحل المشكلات التي تعترض طريقنا، يقول أيضًا إن السياسي يحتاج إلى الخيال لأنه الأكثر مسؤولية عن الواقع، والواقع لا يُقبض عليه، بل يُقترب منه بخطط تصنعها الأحلام، ويوسعها الخيال، والحلم خيال يسعى إلى هدف، أمنية يتلبسها طموح، رغبة ما لتجاوز ما هو قائم إلى شيء آخر، والسياسي الذي لا يمتلك هذه القدرة يفلت منه الواقع وينعدم عنده الحس بالمسؤولية العاقلة بالخيال. المؤلف الذي يرى أن حضور الخيال في السياسة لا يقتصر على المسائل الإيجابية، سواء في اتجاه تطوير علم السياسة أو من أجل تبصير السياسي بالقرار الرشيد، إنما يمتد إلى مسائل سلبية متعددة كالتحايل والتلاعب والمخاتلة والخداع الذي يمارسه الحاكم إزاء شعبه، أو تفعله النخبة حيال الجمهور العريض، يرى كذلك أن هناك من ينظر إلى الخيال في مجال السياسة على أنه مسألة ثانوية وتزيينية ومصطنعة، لكن إمعان النظر ما بين السياسة والخيال من اتصال يبدد هذه الأوهام. عمار يؤكد أيضًا أن هناك سياسات وإجراءات لم يطلقها الخيال السياسي فقط، بل كانت هي نفسها محض خيال، وهو ما يمكن أن يصل إليه الذهن بعد مرور الزمن واسترجاع اللحظة التاريخية التي انتهجت فيه هذه السياسات، كما يؤثر الخيال تأثيرًا كبيرًا في تحديد حركة الأحداث بوجه عام.
هناك من يثبت دومًا أن الحاجة إلى الخيال السياسي ضرورية، ويوجد من يدرك هذه المسألة ويعيها تمامًا، وهناك من ينخرط فيها ويمارسها بدون إدراكها على النحو الذي تتعين عليه، ويتحدد قوامها، أو بدون تبلورها بطريقة علمية.
في السياق ذاته يؤكد عمار على أنه حتى لا يكون الخيال وهمًا أو أضغاث أحلام يجب أن يقوم على أسس علمية سليمة لن تمنحنا فرصة توقع كل شيء، كما سيجري في المستقبل بدون تغيير أو تبديل أو تحوير، ذاكرًا أن دراسة المستقبل تتطلب استيعاب الماضي وفهمه العميق، مع الفهم الدقيق والمتكامل لكل ما يدور في الحاضر، وتوظيف كل عناصر المعرفة الممكنة.
تاريخ الأفكار
هنا يذكر المؤلف أن الجغرافي والمفكر جمال حمدان يقر بأن البعد التاريخي يُعد مدخلاً مهمًّا إلى دراسة عملية جادة وعميقة لواقعنا السياسي، وتصوراتنا الاستراتيجية، كما يشير أيضًا إلى أنه يجب أن لا يقتصر الأمر على تاريخ البشر وما ينتجونه من ظواهر إنسانية متعددة، بل من الضروري أن يمتد إلى تاريخ الأفكار، فالمعرفة ذات طابع تراكمي، ومن الحماقة أن نبدأ من الصفر في التعامل مع أي مشكلة نريد حلها، أو قضية نسعى إلى الإلمام بمختلف جوانبها، بل يجب أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون. كذلك يشير المؤلف إلى أن الأدب يمنح، من نافذة التاريخ، السياسةَ بعدًا جديدًا ومغايرًا حين يطرح الأدباء في نصوصهم أو يقترحون عاملًا بديلاً، بعد أن ينتقدوا الأوضاع السائدة، وأحيانًا يكون هذا العالم البديل مثاليًّا فيه الحرية والعدالة والمساواة والسعادة، ولهذا يبدو الخيال السياسي في بعض الأوقات فرعًا من فروع الأدب يتناول الشؤون السياسية، أحداثًا ووقائع ونُظمًا ونظريات. وهناك عشرات الأعمال الأدبية، عربية وأجنبية، تبرهن على وظيفة الأدب في إثراء الخيال السياسي والاجتماعي.
المؤلف الذي يتساءل عن سُبل تنمية الخيال السياسي وتعزيزه، وقبله يتساءل عن كيفية تعزيز التفكير الإبداعي، يرى أن عملية توظيف الخيال في مجال السياسة تقتضي أن يبتعد المتخيلون بأنفسهم عن آرائهم الخاصة بشأن المجتمع، بوصفهم أعضاء فيه، وأن يستخدموا النظريات ويقرأوا التاريخ جيدًا لتوفير الأدلة والبراهين. ما يؤكد هنا أيضًا المؤلف أن الخيال السياسي، على أهميته، إلا أنه لا يجد غالبًا لدى السلطات والنخب العربية طريقًا ممهدًا في كل الأحوال، إذ تعترضه أشياء كثيرة فتقتله، أو تحد من انطلاقه، وبالتالي تجعل الاستفادة منه ضئيلة وهزيلة، أو تحوله إلى خيالات وأوهام وأضغاث أحلام. كذلك ينفي عمار عن العرب المعاصرين عجزهم عن الخيال السياسي من الناحية الطبيعية أو الفطرية، لكنهم، كغيرهم في دول نامية ومتخلفة، يجدون أنفسهم مثقلين بأحمال تمنع إطلاق الخيال.
أما ما تعتمد عليه منابع الخيال السياسي، على حد قول المؤلف، فهو استقراء التاريخ، والعمل بروح الفريق، وامتلاك العقل المنطقي الخلاق، واستعمال الإبداع الأدبي، واللجوء إلى استطلاعات الرأي، واستعمال أدوات كنظرية المحاكاة ونظرية المباريات، والاستفادة من الدارسات عبر النوعية. ومن كوابح انطلاق الخيال السياسي، في كل زمان ومكان، يذكر المؤلف قلة الطموح، ويسميها بالوقوعية، وبلادة صُناع القرار، والتحكم البيروقراطي، ونقص المعلومات والاستهانة بدورها أو الاستسلام التام لها، والجهل بالتاريخ، والاستسلام للموروث. وفي معرض حديثه عن مجالات توظيف الخيال السياسي، يقول عمار إنه طوال التاريخ الإنساني وهناك من يثبت دومًا أن الحاجة إلى الخيال السياسي ضرورية، ويوجد من يدرك هذه المسألة ويعيها تمامًا، وهناك من ينخرط فيها ويمارسها بدون إدراكها على النحو الذي تتعين عليه، ويتحدد قوامها، أو بدون تبلورها بطريقة علمية. وقد تعددت، مثلما يقول المؤلف، مجالات توظيف الخيال السياسي لتشمل قضايا محلية ودولية تضغط على أعصاب المجتمعات والأمم، وتشكل تحديًا شديدًا لا بد من الاستجابة له، بدءًا من السعي إلى عبور الأزمات وصولاً إلى نحت دور دولي، مرورًا بالحرب والتخطيط وصناعة الاستراتيجيات والبحث عن المثل العليا وتعزيز دور الصناعات الإبداعية. عمار الذي يرى أن اليوتوبيا تبقى درجة عالية من الخيال السياسي، ويبقى الأخير سبيلنا إلى رسم معالمها على الورق، ثم العمل من أجل تحققها في واقعنا، كي نظفر ولو بالقليل من محاسنها، يورد هنا ما قاله الأديب الفرنسي أناتول فرانس، حيث يقول إنه لولا يوتوبيات العصور الأخرى لظل الناس يعيشون في الكهوف عرايا بؤساء.
إن اليوتوبيات هي التي رسمت خطوط المدينة الأولى، ومن الأحلام السخية تأتي الوقائع النافعة، واليوتوبيا هي مبدأ كل تقدم، وهي محاولة بلوغ مستقبل أفضل. ويخْلص المؤلف، بعد هذه الجولة التي رافقنا فيها في عالم الخيال السياسي، إلى أن يقول إنه يجب أن لا نقول في الخيال السياسي لا «حتمًا» ولا «مطلقًا» ولا «أبدًا»، خاصة أن الزمن وحده هو الذي يبرهن على أن ما تخيلناه كان صوابًا أو خطأً، حقيقة أو وهمًا، ولهذا فما نتخيله الآن، ونسجله على الورق، ونضع على أساسه تصوراتنا للمستقبل، قد يتسرب من بين أيدينا، ويذوب في الهواء، لأن الأيام التي تقدمت حاملة تصاريفها ووقائعها، يمكن أن تجرف في طريقها كثيرًا مما اعتقدنا رسوخه وثباته.
عمار علي حسن الذي يورد هنا تساؤل إيف شارل زاركا وهو هل من السهل استئصال الخيال من السياسة، وإجابته التي تفرق بين الخيال بوصفه وهمًا أو خدعة، والخيال بوصفه شفافية، يختتم كتابه «الخيال السياسي» الذي طرح فيه موضوعًا نادر التناول في التحليل السياسي، كما كُتب على ظهر الكتاب الأخير، قائلاً إن الكل يحتاج إلى خيال، ولولا الخيال لبقي الجميع واقفين في مكانهم، من دون أن يتقدموا خطوة واحدة إلى الأمام.
٭ شاعر ومترجم مصري