الدراسات الإثنية والنقد ما بعد الاستعماري د.عثماني الميلود – تقديم : تسعى هذه الورقة إلى الكشف عن جانب مضيء من جوانب النقد الثقافي، أو ما يشكل جغرافيته الممتدة، مع إبراز دور الدراسات الإثنية في إعادة الاعتبار للمجموعات البشرية التي تعرضت للتهميش والظلم، والكشف عن الدور الذي قامت به نظرية ما بعد الاستعمار في فضح صور العولمة الثقافية وكيف أنها تسعى إلى صياغة المشروع الاستعماري من جديد كي يباشر أدواره كما رسمها الآباء الأولون للاستعمار. يحيل مفهوم ‘الدراسات الإثنية’، أحيانا، إلى مفهوم ‘دراسات الأقليات’. وقد كان للمفهوم، منذ نشأته، صلة وطيدة بمفهوم’ النقد ما بعد الاستعماري’ في صلة هذا الأخير بالإمبريالية والاستعمار الأوروبي والأمريكي، وذلك خلال القرون الأربعة الأخيرة، سواء أتعلق الأمر بالخارج (الإمبراطورية) أم الداخل (الاستعباد). واتجه هذا الصنف من الدراسات، مباشرة، إلى دراسة المجموعات الإثنية الإفريقية والأفرو- أمريكية والصينية والأقليات الدونية في الهند وإيرلندا والسكان الأمريكيين الأصليين، وذلك من بين عدد كبير من الأقليات المهمشة. تعنى ‘الدراسات الإثنية’، بعامة، بالجوانب الفنية والأدبية للمجموعات الإثنية المعلومة والمهمشة، أو في وضعية دونية بإزاء الثقافة المهيمنة. أما ‘النقد ما بعد الاستعماري’ فيتحرى الصلات القائمة بين المستَعمَرين والمستعْمِرينَ إبان الفترات ما بعد استعمارية. ورغم كون المجالين يتقاطعان عند أكثر من نقطة، فإن بينهما فروقا على صعيد تاريخهما وفكرتهما المؤسسة. لقد كان ‘للدراسات الإثنية’ أثر كبير على الدراسات الأدبية في الولايات المتحدة وبريطانيا، حيث نجد لدى ‘ويب ديبوا’ سعيا لصوغ نظري لمنزلة الأفارقة الأمريكيين في أتون ثقافة بيضاء مهيمنة رغم وجود ‘وعي مضاعف’ لهوية ثنائية تتضمن ما هو ‘أمريكي’ وما هو ‘أسود’. وقد سعى كل من ‘ديبوا’ والمنظرين الذين تلوه إلى فهم كيف يمكن لهذه التجربة المضاعفة أن تبتكر هوية عبَّرت عن نفسها داخل الثقافة الأمريكية. وقد أضفى الكتاب الأفرو- كاريبيين والأفارقة (إيمي سيزار، فرانز فانون، شينوا أشيبي) دلالة على الصيغة الأولى لنظرية وتطبيق ‘النقد الإثني’ الذي بحث في العادات. وهي عادات وقيم تعرضت دوما للتهميش والنفي، سعى النقد الإثني إلى الاستعانة بها في بناء صورة وهوية الثقافات المقصية من المجال العمومي لثقافة الأغلبية. إن نظرية ألأدب الإثني ونظرية أدب الأقليات تؤكدان معا على العلاقة الوطيدة ما بين الهوية الثقافية والهوية الفردية في كل الظروف التاريخية المصاحبة لأي استبداد عنصري كان. وحديثا جدا، أبدى دارسون وكتاب كبار (أمثال هنري لويس غايتس، طوني موريسون، وكوام أنطوني أبْياه)، اهتماما شديدا بالمشاكل الضمنية في عملية تطبيق النماذج النظرية المشتقة من الأنموذج الأوروبي-المتمركز (الذي هو في الآن نفسه بنية لهذا الفكر) على الأعمال الأدبية للأقليات، مع ضرورة استغلال استراتيجيات تأويلية جديدة من أجل فهم عامية المجموعات التي عانت العنصرية فمكثت، لمدد تاريخية، مهمشة على يد الثقافات البيضاء. على أن أول الكُتَّاب الذين بحثوا عميقا في الظروف التاريخية لما بعد الاستعمار، لن يكون سوى المنظر الأدبي الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه’الاستشراق’ الذي عُدَّ، بعامة، أول كِتابٍ دشن، ضمنيا ،’ النقد ما بعد الاستعماري’ في الغرب . فقد أوْضحَ المرحوم سعيد أن مفهوم ‘الشرق’ نحته ‘المخيال الجغرافي’ للدارسين الغربيين، فكان الوسيلة التي سوغت استعمار المجتمعات العربية . من هنا سعت النظرية ما بعد الاستعمارية إلى قلب الاتجاه التاريخي للمركز والهامش بانتقاد المدينة الغربية والرأسمال الاستعماري الذي جلبه رواد المستعمرات. وبناء على ذلك أمطر منظرون شأن ‘هومي بابا’ العقل الثنائي الذي أنتج ثنائية المركز والهامش، الأبيض والأسود والمستَعمِر والمسْتَعمَر، وهي ثنائيات بررت بها القوى الاستعمارية أفعالها.هذا في الوقت الذي أمعن كل من غايتري وشبيفاك النظر في مسألة من كان يتحدث عن ‘المستعمَرين’، ومن كانت لديه الهيمنة على الخطاب وتمثيل تطوير ذاتية ما بعد الاستعمار. وعلى شاكلة ‘النقد النسوي’ و’النظرية الإثنية، فإن ‘النقد ما بعد الاستعماري’لم يكتف فقط بدراسة الأدب الهامشي للشعوب المستَعمرة في القوانين والخطابات المهيمنة، بل مارس نقدا جذريا لإيديولوجية المهيمنين، مع تخصيص مجالات واسعة لما سماه إدوارد سعيد بـ’المخيال الجغرافي’ للمستشرقين الذين بلوروا مفاهيم أسهمت في تقسيم الغرب والشرق، والمتحضِّرين وغير المتحضرين، العالم الأول والعالم الثالث. وفي هذه الحالة نلاحظ أن ‘النقد ما بعد الاستعماري’ هو نقد مناضل ومقاوم وفق أهدافه ومراميه. إن النقد ما بعد الاستعماري أضفى منظورا جذابا على دور الشعوب المستَعمَرة ( ثروتها ،وعملها وثقافتها) في تقدم الأمم الأوروبية المعاصرة. وفي الوقت الذي ينغمس فيه ‘النقد ما بعد الاستعماري’ في اللحظات التي تلت غروب شمس الإمبراطوريات الاستعمارية الحديثة، فإن العولمة (الثقافية) الطاغية (والمتضمنة للإستعمار الجديد والشركات متعددة الجنسيات ) تبشر بعودة هذا الاستعمار ونهضته.