الدراما والسياسة ولعبة الكراسي الموسيقية: من انقلاب يوليو 1952 إلى انقلاب يوليو 2013

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: تشكل الأعمال الدرامية حالة يمكن من خلالها استنتاج المناخ العام السياسي المسيطر، سواء بشكل مباشر أو بالمواربة، لذا يمكن لهذه الأعمال أن تكشف طبيعة وآليات السلطة السياسية وما تريد إيصاله من رسائل، بل وتأصيله وبثه في الوعي الشعبي العام. وتتفاوت مستوى هذه الأعمال سواء مسرحية أو سينمائية، وحديثاً الدراما التلفزيونية، والتي أصبحت الأكثر تأثيراً على المشاهدين أو الجماهير بشكل عام.

وإن كانت الأعمال الفنية في الغرب تبدو انتقادية في أغلبها بداية من أوضاع اجتماعية وصولاً إلى السلطة السياسية نفسها، بل والسخرية من رئيس الدولة نفسه وسياساته، إلا أنها في الشرق وفي العالم العربي ومصر بشكل خاص تبدو تابعة وموالية للنظام السياسي، تدور في فلكه ولا تستطيع العمل إلا من خلال هذا النظام أو ذاك مهما بدت أو ادّعت غير ذلك. وبداية من انقلاب تموز/يوليو 1952 ووصولاً إلى انقلاب تموز/يوليو 2013 ــ يبدو أنه الشهر الموعود بالانقلابات ــ نستطيع ملاحظة مدى ارتباط الدراما بالمناخ السياسي السائد، والعمل على استتباب الأمر للسلطة الجديدة من خلال تزييف الوعي العام وقلب الحقائق، كأداة إعلامية لا يمكن الاستغناء عنها.

إنقلاب يوليو 1952

اتسمت العلاقة بين السلطة السياسية والسينما في تلك الفترة بالتبعية الشديدة، حتى في الأفلام التي تتظاهر بتقديم نظرة انتقادية للواقع، وهي أفلام قام بها مخرجون كبار حاولوا التظاهر بالموضوعية أو الحياد والانتصار للقيم العليا والفرد في مواجهة السلطة، لكن أعمالهم كشفت عن مدى تزييفهم للواقع، ومنهم، يوسف شاهين، وصلاح أبو سيف، وبركات، وكمال الشيخ. فكلهم أذعن وسار في فلك السلطة الجديدة، مُردداً شعاراتها، مُحققاً رغباتها، ومُعبّراً عن سياساتها. ومن هذه الأفلام على سبيل المثال لا الحصر «صراع في الوادي» ليوسف شاهين 1953 و«الفتوة» لصلاح أبو سيف 1975 و«أرض السلام» لكمال الشيخ 1957 و«بور سعيد» و«رد قلبي» لعز الدين ذو الفقار 1957 و«الحرام» لبركات 1965 و«القاهرة 30» لصلاح أبو سيف 1966.
فصلاح أبو سيف في «القاهرة 30» يُعيد تقديم الرواية التي كتبها نجيب محفوظ عام 1945 بإعادة صياغة العديد من أحداثها، وعلى رأسها وضع الحل على يد البطل الاشتراكي، الذي يعلق في حجرته إطاراً خالياً للزعيم الجديد، الذي سوف يأتي، بجوار صور زعماء الحركة الوطنية المصرية. وبالتالي تتحول السمة الانتقادية في الرواية إلى جانب كبير من الدعاية للنظام الجديد وزعيمه الأوحد.
ويقوم يوسف شاهين بدوره فيقدم أفلاماً تنتقم من الماضي والعهد البائد «صراع في الوادي» 1957 ثم يؤسس وينادي بزعامة الفرد، وأنه هو الأمل والخلاص الوحيد من خلال فيلم «الناصر صلاح الدين» 1963 من خلال إسقاط تاريخي لا يخلو من مُغالطات تاريخية ودرامية فادحة، عن شخص صلاح الدين، الذي يكاد يُقارب الآلهة ــ وهو ما يُخالف تاريخه الحقيقي ــ تماماً كما كان يريد تصوير زعيمه الوهمي، ثم يقدم نموذجاً آخر للدعائية الفجة متمثلاً في فيلم «فجر يوم جديد» 1965.
من ناحية أخرى ومنذ عام 1955 بدأ ظهور ضابط الجيش ممثلاً الضباط الأحرار، كنموذج جديد للبطل السينمائي، كما في فيلم «الله معنا» لأحمد بدرخان، صعد هذا النموذج وتنوعت أشكاله، ليُعبّر عن الفئة الجديدة، التي أصبحت بيدها الأمور. ثم كان البحث عن نجم جماهيري تؤثر أفلامه في العالم العربي كله دون الاقتصار على مصر وحدها، فجاء اختيار إسماعيل ياسين، الذي شارك هو والمخرج فطين عبد الوهاب بمجموعة من الأفلام تدّعم الصورة الجماهيرية للجيش. فالقاعدة في السينما هي السير في ركاب السلطة والتهليل لها، ونشر أفكارها، حتى لو تظاهر البعض أنه ينتقدها. ولعل هذا ما يُفسر عدم اصطدام الرقابة بصانعي هذه الأفلام صداماً عنيفاً، هذه الرقابة التي منعت من قبل أفلاماً على رأسها «السوق السوداء» لكامل التلمساني عام 1943.
فأفلام تلك الفترة في مجملها كانت تدافع عن وجود وأفكار السلطة، سواء كانت مؤمنة بأفعالها في الحقيقة أم لا، ومن دون أن تسعى لنقد المشكلات الاجتماعية القائمة ومواجهتها. لذلك نجد أن تلك الأفلام عملت كبوق دعائي للنظام الجديد، سواء بطريقة مباشرة، كما في الأفلام التي استمدت موضوعاتها وأصبح أبطالها من ضباط الجيش، أو بطريقة غير مباشرة توجهت في الأساس بانتقاد العهد الملكي ــ البائد كما تمت تسميته ــ في سذاجة وسطحية، بهدف دعم وإظهار مدى شرعية السلطة العسكرية الجديدة.
إنقلاب يوليو 2013

ونأتي إلى الانقلاب الأخير الذي نعيش في ظله الآن، ليبدو الفارق الشاسع في معالجة سياسات الدولة وكيفية تجميل صورة السلطة. الفارق هنا أن فناني انقلاب 1952 كانوا على قدر كبير من الموهبة التي تم استغلالها على الوجه الأكمل، فهم نتاج تعليم وثقافة العهد البائد، التي أثبتت فعاليتها ورسوخها، أما فنان انقلاب 2013 فهو نتاج تعليم متدني وثقافة متهافتة، وموهبة محدودة، ناهيك عن رجال السلطة أنفسهم، فهم نتاج هذا التعليم العشوائي، فلم تكن مصادفة أن تظهر أعمال تثير الضحك والسخرية، بداية من ركاكة الفكرة وصولاً إلى معالجة درامية متهافتة، وخطاب مباشر تعليمي أو توجيهي بمعنى أدق، أشبه بالبيانات العسكرية التي لا تريد إلا الموافقة عليها وتنفيذ الأمر، لا أكثر ولا أقل.
بداية كان لابد من ظهور (حضرة الضابط) سواء جيش أو شرطة وكأنه ملاك يعيش بيننا نحن الشياطين، هو الوحيد الفاهم والعالم بدقائق الأمور، وهو الوحيد الذي يعرف جيداً مصلحة الدولة، الدولة التي تجسدت في شخص السيد الملاك.
وتوالت العديد من الأعمال، لعل أشهرها «سلسلة الاختيار» وكأنها سلسلة مطاعم لا تقدم إلا صنفاً واحداً. الضابط المناضل، المتفاني، الرحيم، الكريم، وصولاً إلى سلسلة لا تنتهي من الصفات الحسنى لسيادته.
وبالطبع يسقط المسلسل الفكاهي في جب غياب الموهبة والحرفة، مقارنة بفناني 52 الذين كانوا يجيدون لعبة الثلاث ورقات، فجاء العمل في مستوى مُتراجع بداية من الجزء الأول وحتى الثالث الذي كان كارثياً بكافة المقاييس، وتبدو الأوامر والنشرات العسكرية هي التي تصوغ دراما العمل، وربما هو العمل الوحيد حتى الآن في أنه نجح تماماً في مخالفة أهدافه، وأثبت ما يريد نفيه والعكس صحيح.
ولكن النجاح الأكيد لهذا العمل أنه يعبّر في صدق شديد عن طبيعة المرحلة التي تعيشها مصر الآن، طبيعة مَن يفكرون ــ إن كانوا يمتلكون ملكة التفكير من الأساس ــ ومَن يحكمون مصر، فهو تجسيد حقيقي للعقلية الحاكمة بكل تناقضاتها وهواجسها وأوهامها.
وربما في القريب سنتحدث عن مثل هذه الأعمال من خلال التاريخ الذي لا يرحم أحدا، مهما ظن أنه بعيد عن المساءلة أو النقد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية