منذ انقلاب 1962 الأسود، على الحكومة المدنية المؤقتة برئاسة محمد بن خدة، وضعت الدولة المدنية في ثلاجة الأموات، نهائياً. خطابه في 3 أغسطس/آب كان واضحاً، حدد فيه بدقة وظيفة الجيش: الجيش في خدمة الأمة وليس العكس. فهو خاضع للسلطة المباشرة والمطلقة للحكومة، الشعب وحده مصدر الحكم.
الشعب الجزائري الذي خرج من حرب قاهرة، وفي ذاكرته دم مليون ونصف المليون من الشهداء، لم يكن مستعداً لحرب أخرى. سلم الأمر لجيش الحدود في انتظار ضمان الاستقرار والعودة إلى الطريق المدني الطبيعي. الذي حدث، شيء آخر، بالضبط ما حذر منه الشهيد العربي بن مهيدي، خوفي من تقاتل الأخوة من أجل السطلة. منذ ذلك الزمن والحكومات العسكرية تتعاقب، حتى ولو ارتدت الزي المدني. الرؤساء: أحمد بن بيلا، هواري بومدين، الشاذلي بن جديد، محمد بوضياف، علي كافي، وليامين زروال. كلهم عسكريون، أو ضباط في جيش التحرير الوطني. المشكلة ليست في هذا، ولكن في العقلية التي ترسخت وأصبحت نمط تفكير، كل من خرج عنه، أصبح خائناً.
ولم يشذ عن هؤلاء الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، الذي دخل حلبة الصراع الرئاسي في يوم 27 أبريل/نيسان 1999، خلفاً للرئيس ليامين زروال، الذي استقال قبل نهاية عهدته، في 11 ديسمبر/كانون الأول 1998. ومر بوتفليقة عن طريق علبة تصنيع الرؤساء، مرشحاً للجيش، لكنه كان مصمماً على أن يكون رئيساً كاملاً، كما ظل يردد، وليس ربع رئيس، حاملاً على عاتقه حلماً كبيراً راود كل الجزائريين الذين جرحتهم العشرية السوداء: توقيف الحرب الأهلية. وعد ونفذ وعده، ولو أن ثمن تحقيق ذلك كان باهظاً، وعلى حساب الذين جرحوا في الصميم من الإرهاب الأسود. وكان عليهم أن يقبلوا برؤية قتلة أبنائهم ومغتصبي بناتهم يعبرون الشوارع بأمان، ويشربون قهوتهم المسائية في شرفات المقاهي باستعراض عضلات المنتصر، وراءهم ترسانة من القوانين التي تحميهم وتضمن سلامتهم. كان السلام خياراً شعبياً كبيراً، ولكل خيار ثمن قاس. أكثر من ذلك، عاد القتلة إلى أعمالهم وكأن شيئاً لم يكن، بينما الشباب الذي رفض الانجرار نحو الإرهاب ظل في مهنة الحيطيست. ومع ذلك تحمل ضحايا الإرهاب الجرح مقابل وطن يجمع ولا يفرق. فاز بوتفليقة على بوتفليقة، في انتخابات انسحب كل فرسانها: حسين آيت أحمد، مولود حمروش، مقداد سيفي، أحمد طالب الإبراهيمي، عبد الله جاب الله، يوسف الخطيب، بحجة دعم الجيش له، ونية التزوير الواضحة، ومع ذلك أغمض الشعب عينيه. كانت الجزائر في حاجة إلى رئيس يذهب بها فقط نحو السلام، وانتهت الولاية الرئاسية الأولى بخير، وبطفرة مالية غير مسبوقة. وفاز بوتفليقة في الولاية الثانية، فقاد حملته الانتخابية مشجعاً بالنتائج الإيجابية التي حققتها فترته الرئاسية الأولى، مدافعاً عن الأفكار والآراء الكامنة في مشروع المصالحة الوطنية، ومراجعة قانون الأسرة، ومحاربة الفساد، ومواصلة الإصلاحات. وأعيد انتخابه يوم8 أبريل/نيسان 2004 بما يقارب 85٪ من الأصوات.. كان الشعب عموماً يرغب في أن يمنح الرئيس المنتخب فرصة أن يذهب بمشاريعه حتى النهاية. في اللحظة التي انتظر فيها الجميع احترام الدستور، بدأت عملية كسر الدولة بضربها في عمودها الفقري وتحويل الدستور إلى ورقة لا قيمة لها. فغير الدستور ونزعت فكرة الولاية الرئاسية، وأصبح لباساً على مقاس الرئيس. وأعيد انتخابه؟ في 9 أبريل/نيسان 2009، وقتها كان في صحة جيدة، ما يعني أن مسؤوليته في كسر الدولة كانت كبيرة، ولحظة وعي شديدة الأنانية.
منذ تلك اللحظة أصبحت الدولة في خدمة السلطة، على عكس ما يحدث في البلدان التي تتوفر على حد أدنى من الديمقراطية. أصبحت محكومة بنظام أوليغارشي عائلي-جهوي غير مسبوق، وبدأ النظام المافياوي يتمركز بالمنطق نفسه؛ الأب الكبير صاحب الخبرة العتيدة في دواليب الدولة، والحلقة الأولى الحامية المكونة من الأهل أي الإخوة، ثم حواشي الحاشيات من المقربين من الإخوة، ثم الدوائر الأخرى من رجال أعمال وأصحاب المصالح المالية الذين بنوا إمبراطوراتهم على ظهر الدولة.
لم يعد للدولة أصلاً أي وجود. كل الاتفاقيات السياسية والعسكرية والاجتماعية تمر عبر الرئاسة التي يدير شؤونها المستشار/ الرئيس، السعيد بوتفليقة الذي استولى على الختم. انتفت الدولة كلياً. أصبحت السلطة وليس الدولة، فوق الجميع.
ثم جاءت العهدة الرابعة في17 أبريل 2014 وفاز فيها بوتفليقة بأغلبية تجاوزت 51 في المئة، وكان قد بدأ يسير على كرسي متحرك. فتم تجيير الدولة نهائياً لمصلحة الدولة العميقة التي أصبحت مهيكلة ومؤسسة، تدير شؤون البلاد من وراء مجالسها الخاصة والخطيرة.
نحتاج اليوم أن نعرف من قتل كل تلك القوائم التي قيدت ضد إرهابي مجهول، على رأسها الرئيس بوضياف الذي أعدمته الدولة العميقة أمام أكثر من ثلاثين مليون جزائري. ولم يعرف الرئيس بوتفليقة كيف يخرج باحترام، لأن الدولة العميقة كانت تعرف أن أي رئيس سيأتي بعده سيضعها تحت مجهره ويظهر نهبها الخطير. لهذا، كان جهد الدولة العميقة منع الدولة من إعادة التكون والمرور إلى انتخابات حقيقية، قبل أن تصل المسألة إلى حالة المهزلة في العهدة الخامسة. وفتح باب الترشيحات أمام كل من هب ودب. كرنفال حقيقي أصبحت فيه الجزائر محل سخرية، من مرشح البوفتيك حتى الميكانيسيان، إلى الذي رأى نفسه في الحلم رئيساً. أخرجوا كل قردة الحظيرة التي تثير الضحك باسم الديمقراطية، ومعها رئيس الكرنفال نكاز الذي سخر حتى من مرشحيه ومحبيه ليعوض نفسه بابن عمه، ضارباً عرض الحائط الذين وقفوا معه.
فوق كل هؤلاء كان يتربع الكادر (الإطار) للرئيس الذي أصبح كائناً خشبياً، يتبرك به الناس ويرجونه أن يترشح إكراماً لشعبه. ترسخت الدولة العميقة بعد أن وضعت تحت يديها كل منافذ التغيير والمال. وكان من الصعب على الشعب الجزائري أن يتحمل المسرحية السوداء التي كانت تطعنه كل يوم في شرفه.
لم يكن للدولة العميقة خطة (ب) لأن يقينها في البقاء الأبدي كان مطلقاً. لم تحسب حساب قوة ملكت دوماً مفاتيح البلاد، الجيش. وعندما تحركت الدولة العميقة مرعوبة، ببيان إقالة رئيس الأركان، كان كل شيء قد انتهى. فقد مُنع التلفزيون من بث بيان الإقالة باسم رئيس الجمهورية المفترض، وفتحت أبواب جهنم على الدولة العميقة التي أرادت أن تستعمل ورقة التوت الأخيرة، مع الرئيس الأسبق ليامين زروال الذي عرف كيف يستقيل في الوقت المناسب بعقلية العسكري المنضبط. وفضح المخطط الذي دفع بمؤسسة الجيش إلى أن تختار بين العصابة أو الشعب الممثل في الحراك، إذ لم يعد هناك مسلك ثالث. منذ تلك اللحظة بدأت العصابة تعمل على إفراغ الحراك من محتواه النضالي وتحويله إلى وسيط للدفاع عن الدولة العميقة وحلفاء آخر ساعة، لكن ذلك لم يثبت أمام قوة الوحدة الشعبية التي طلبت من الجيش الذهاب عميقاً في خياراته، ومنها حل حكومة هي ثمرة من ثمرات اللادولة، أو العصابة. لم يعرف الرئيس المريض كيف يخرج؟ فقد وصل إلى عنق الزجاجة. كانت الدولة وقتها قد وصلت إلى الدرجة الصفر. وخرج الرئيس المختطف لينطفئ في اللحظة ذاتها على عربة ختمت حكمه بشكل تراجيدي.