حكاية التعديلات الدستورية
وقبل الخوض في ما تسرب من ملمح دستوري لمستقبل السياسة والسلطة بالجزائر، تلزمنا أهمية الموضوع العودة قليلا إلى الوراء، لنطل على ماضي لعبة تغيير الدستور، التي سُلكت في الجزائر مذ تراسمت معالم الدولة القطرية في باكورة تجربتها المؤسساتية بعد الاستقلال، حيث يتضح أن تلك التعديلات جاءت استجابة ظرفية للحظة عنفية متولدة عن تصادم عُصبي، وليس تداعيا لارتقاء في الوعي المؤسسي أو السياسي، على أي نحو من المناحي أو مستوى من المستويات.
فبعد إلغاء دستور سلطة بن بلة لسنة 1963، إثر الاطاحة به بانقلاب عسكري عنيف من قبل وزير دفاعه هواري بومدين، قام هذا الأخير بتجميد العمل بكل المؤسسات وإلغاء الدستور نهائيا، إلى أن حلت سنة 1976، حيث تم اصدار وثيقتين، الأولى أيديولوجية سموها بالميثاق الوطني، والثانية قانونية تنظيمية، وهي الدستور الذي سيحكم الجزائر على غاية الانتفاضة الشعبية الكبرى للشعب الجزائري، في ما عُرف وقتها بأحداث أكتوبر، التي لا تزال حقيقتها لغزا محيرا لم تتكشف بعد خيوطه البيضاء من خيوطه السوداء، رغم الكم الهائل من المذكرات التي نشرتها شخصيات كانت في دوائر السلطة أو مقربة منها. وهنا تم تكسير بنى النظام البومديني دستوريا، بعد أن كُسر قبلها تنظيميا وفكريا، وأعلن عن دستور يهدئ الانفس ولا يبني دولة قانون، مثلما تصرخ به عادة خطابات وخطب السلطة.
لم يعمر دستور 1989 أكثر من سبع سنوات، حتى أزيل عن موضعه، حيث اتهم هو ومن صاغوه بكونهم سببا في اندلاع المأساة الوطنية، التي خلفت أزيد من 200 ألف قتيل، في أعقاب إلغاء انتخابات 1992، التي فازت بها الجبهة الاسلامية للإنقاذ، فتمت صياغة دستور جديد عرض على الاستفتاء الشعبي ولقي قبول الشعب كالعادة وبنسبة عالية من الاصوات، لكن القبول الشعبي الكبير كما ذُكر لذلك الدستور، لم يكن كذلك في ما بعد لبعض العصب السياسية ممن استفادت من الوضع الجديد الذي خلفه قدوم بوتفليقة سنة 1999 للسلطة، إذ غضب جلهم من بعض المواد الدستورية التي هي في الحقيقة اجود ما تضمنه دستور 1996، خصوصا تلك التي تحدد ترشح الرئيس لأكثر من عهدتين، فتمت ازالتها بشكل انتهازي وانتهاكي لأعلى قانون بالبلاد، وها هي ذي العملية التعديلية الخامسة التي تجرى على الدستور في لحظة احتدام حرب المواقع داخل السلطة بأقطابها وأصحابها المترافقين المتفارقين.
دواعي التعديل.. تطور الصراع لا صراع التطور
يتضح جليا من خلال هاته الاطلالة السريعة والمقتضبة على سيرورة الظاهرة الدستورية المضطربة في الجزائر، أن دواعيها تنحصر اساسا في صراع أفقي أزلي حول مساحات أوسع من مصادر صنع القرار بين فرقاء السلطة الحاكمة التي نتجـــت عن لحظة مأساوية مثلها الانقلاب الأول على الشرعية، الذي عرفته البلاد صائفة 1962، عندما أزال جيــــش الحدود بقيادة العقيد هواري بومدين بالقوة الحكومة المؤقتة بقيادة الرئيس الراحل يوسف بن خدة، ومن يومها تقلص مفهوم السياسة والسيادة في العرف الخطابي الاعلامي والتاريخي والخطاب السياسي في الجزائر إلى مستوى الاستحواذ على السلطة، وليس ثمة ما يرقى على هذا المفهــــوم، والسبب يرجع إلى كون المؤسسات تماهت في الشخصيات وليس العكس مثلما يُفترض أن يكون ومثلما هو سائر لدى دول العالم.
شخصنة الدولة ومؤسستها فتح أبواب الصراع الصادم على مصراعيه بين مغتنمي الدولة بعد الاستقلال، ومن دون انزال الصراع إلى الواقع الشعبي في ما عدا تجربة أحداث أكتوبر 1988 الدامية، كان الدستور هو حلبة الحسم، لذلك العنف التصارعي الافقي تارة بالإلغاء، كما مر بنا في تجربة 1963، وتارة بالتعديل النمطي الانتقائي، كل ذلك يجري في مبعدة تامة عن المجتمع وإرادته، وفي ترجمة عملية لمقولة القصور الشعبي في إدراك حقائق الدولة التي لطالما رددها صناع القرار من السلطة المتخفية، مثلما كشف عن ذلك الدكتور طالب الابراهيمي في إحدى حصصه التلفزيونية بقناة الجزيرة.
وهكذا تبدو في المحصــــلة أن التعديلات الدستورية التي تتطلبها في العادة مقتضــيات التطور الحاصل على صعُد المجتمع بالكامل، السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية، هي في الحـــالة الجزائرية غير ذلك بالمرة، بل هي رهينة تبدل موازين القـــوى بين اقطاب الصراع العــــلوي لمساحات الهيمنة على القرار، فهي تعديلات مستجيـــبة لواقع تطور الصراع الافقي وليس تداعيا للصــراع الطبيعي في المجتمع، الذي يقوده حتما إلى التطور في المفاهيم كما في الميادين.
المجتمع السياسي هو
الذي يؤسس دستوره وليس العكس’
وإذا كانت الظاهرة الدستورية في الدولة الحديثة قد تأتت عن ارتقاء في مستوى النضج المؤسسي للعقل السياسي الغربي، مما تولد عنه بروز مجتمعات سياسية قوية تعمل بمعية كل مكونات المجتمع المدني على حماية الدستور من أي انتهاك مصلحي من أية جهة من الجهات، فإن العكس هو الحاصل في واقع المجتمعات العربية والإسلامية، كما هو حال الجزائر، حيث تضمر الارادة الجماعية والاجتماعية حيال القضية الدستورية، وهذا راجع بالأساس لغيبة أو تغييب المجتمع عن القرار السياسي، بل تحييده الازلي من النشاط السياسي، بحسبان ان هذا الأخير هو المساعد على اكتساب الوعي بالحق الدستوري والواجب السياسي، كل ما على الشعب هو أن يشارك في المعارض الدستورية والمآدب السياسية، استفتاء كانت أم انتخابا.
ففي ظل ضمور المجتمع السياسي والتأخير المتعمد لانبثاقه عبر تضييق مساحة الفعل السياسي وصناعة الفاعلين السياسيين من قبل سلطة تخلق معارضتها، وليس معارضة تنجب سلطتها، كما هو حاصل في العادي من الدول، فقد الدستور بالجزائر قدسيته الوضعية القانونية وصُير إلى توافه الآليات التي يمكن الوصول إليها بأسهل ما يكون من طرق وإعادة تشكيلها بأبسط ما تقتضيه قواعد اللعبة السياسية السلطوية الجارية في الظلام.
الحبر صيني دوما والرسم امريكي
وكانت عدة جهات اعلامية وسياسية التي لها مصادر مقربة من لجنة فقهاء الدستور، والتي تشتغل على اعداد النسخة الدستورية الجديدة، قد استبقت نشر النسخة التي ستقترح على الاستفتاء وبشرت الشعب بحياة دستورية على الطريقة الامريكية، حين أشارت إلى أن بعض مواده تحاكي الشاكلة الدستورية الامريكية، القائمة على تحديد مدة الترشح بعهدتين فقط وبأربع سنوات بدلا من خمس سنوات التي تضمنتها كل الدساتير الجزائرية السابقة، وضمان مبدأ الفصل الحقيقي بين السلطات، وتعيين نائب للرئيس بسلطات محدودة، وهي الوعود ذاتها التي صيغت بالحبر الصيني في كامل التجارب الدستورية الجزائرية السابقة، بيد أن واقع الممارسات القانونية والدستورية ظل غامضا على كامل صعد المسؤولية المؤسساتية، إذ أن الدستور في الرسم الامريكي هو اسقاط سلس وممتد عبر الزمن للمخيال السياسي المتعاظم نضجا، المتعالي تجربة والمتعاقب أجيالا على واقع حال الممشى التاريخي لتلك الأمة، لكونه ناشئا عن التجربة الجمعية للشعب الامريكي في التعايش السياسي الدائم، والمبني على احترام مؤسسات الدولة وممارسة الحق السياسي وفق الاطر التي تحكم تلك المؤسسات.
وعليه نتساءل هل ما نرسمه نحن بالحبر الصيني عن هاته التجربة لواقع حالنا، يعدو حقا عتبات الحلم؟ أو هل هو متأت عن نية حقيقية في نهج سبيل التحول السياسي للأمة، من احتكار سلطة افقية توافقية للخيال، الحلم والأفق الســـياسي للبلاد، محيدة للإرادة الشعبية، في رسم معالم الطريق نحو التطور السياسي الى ترك المبادرة لعبقرية المجتمع السياسي الحر؟ لا أعتقد أن الرسم الذي يُعد لحياة الجزائريين الدستورية على شاكلة التجربة الامريكية بالحبر الصيني سينأى عن تجربة الصين، حيث تحول هذا العملاق المستيقظ بأحاديته السياسية من الاشتراكية إلى الليبرالية، أي اشتراكية الدولة وليبرالية المجتمع الاقتصادي، مما كرس الفساد بشكل غير مسبوق، في ظل عجز سلطات الرقابة الأخرى القضائية منها والشعبية والاعلامية عن مقاومة البينة الصلبة للأحادية المركزية للسلطة، التي تهيمن عليها العصب المحتكرة لشرعية التاريخ الباني للصين الشعبية، كذلك الحال في الجزائر حيث ترفض السلطة المحتكرة اللحظة التأسيسية للقُطر، التحول المحتوم والمرجو نحو أفاق جديدة للحكم في ما عدا العناوين الدستورية والقانونية، أما ميدانيا فخطها ممتد في الوعي الاحادي الغنائمي للدولة.
‘ كاتب وصحافي جزائري