الدستور والسيسي: تعديل بطعم التفويض

عبير ياسين
حجم الخط
0

ربما يكون من الصعب الاقتراب من الشأن المصري دون أن يكون التفويض حاضرا، وهو الذي استخدم منذ ظهور الرئيس عبد الفتاح السيسي على المسرح السياسي بوصفه الإجابة الجاهزة للرد على كل التساؤلات، وتبرير الغياب والحضور. التفويض هو الذي دفعه إلى الترشح، وهو الذي حال دون وجود برنامج في ظل ضغوط التفويض ومهام إدارة الجيش، وهو الذي فرض الاستمرار، وهو الذي يبرر السياسات الصعبة التي تقدم بوصفها جزءا من التفويض المفتوح بين الحاكم والشعب.

هو الإطار العام الذي يحكم سياسات السيسي، والمبرر الذي يدافع به عن أفعاله، وهو التفسير الذي يساهم، ضمن عوامل أخرى، في تقسيم الناس إلى أهل شر وكتلة صلبة حسب موقعهم من علاقة التفويض التي تقدم بوصفها علاقة مفتوحة، لا تسقط بالتقادم ولكنها تتجدد في كل حضور جماهيري مطلوب، وبكل صمت شعبي على تحديات الواقع. وهو التفويض الذي يملك أن يغير شكل الأوضاع في مصر أن تم تعديل الدستور بوصفه تفويضا جديدا، ودستورا معدا للسيسي تحديدا، حيث السلطة المطلقة التي يقننها الدستور، والتفويض الذي يفترض توفره متى أعدت التحركات الشعبية ورفعت الصور والشعارات المؤيدة.

بدورها ما زالت كرة الثلج تتدحرج في طريقها إلى الدستور المعدل، ولكنها في الطريق لا تكبر فقط، ولكن تسمح بإزالة كل العقبات الدستورية والقانونية القائمة، ناهيك عن إزالة الدستور نفسه بكل ما فيه من أحاديث لا يفضلها النظام وخاصة حرية الرأي والتعبير والمساواة، وفي المجمل محاولة التخلص من الدستور “حسن النية” كما يطلق عليه اتساقا مع الواقع السيئ.

تتضخم كرة الثلج بداية من تقدم عدد من المحامين بطلبات تعديل الدستور قبل نهاية العام2018  من أجل السماح ببقاء السيسي بعد مرور مدتي الحكم التي ينص عليها الدستور، إلى الإطار التنظيري -إن جاز القول، الذي ظهر في صورة مقال من أحد الشخصيات المقربة من السلطة في بداية العام الحالي- 2019، الذي اعتبره عام تعديل الدستور دون أن يقدم مبررا موضوعيا بعيدا عن المعروف سلفا وهو تغيير الدستور من أجل صلاحيات رئاسية أكبر ومدد حكم متجددة وإعطاء البعض الحق في التحكم في المستقبل عبر لجنة صيانه الدستور، وهو الأمر الذي ظهر مع صلاحيات جديدة للجيش في مقترحات التعديل التي وافق عليها البرلمان في شباط/فبراير الجاري، واضعا للجيش دورا في صيانة الدستور والديمقراطية والحقوق والحريات.

وبعد أن كان السيسي هو رئيس الضرورة في لحظة الظهور السياسي، والمرشح الوحيد القادر على حكم مصر بعدها، يصبح حجر الزاوية في بقاء الدولة المصرية واستمرارها، متسقا مع أحاديثه عن “فوبيا” سقوط الدول وخطاب أحسن من دول الجوار. وأن اعترض البعض فإن آلة الرد معدة سابقا بخطاب فيه خليط من فترة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك وما بعده، بداية من أن مصر غير معدة للديمقراطية، وصولا إلى حديث أهل الشر، ووصفة المستبد العادل التي تصب في واقع الأمر في مستبد دائم لا يغادر السلطة بحكم الصندوق أو مدة الحكم التي ينص عليها دستور ما، كما هو الوضع الحالي، ولكن يغادر في النهاية الطبيعية للبشر أو الموت كما قال الرئيس.

وكما هو المتوقع من تلك التحركات، وساعات البث التي تفرضها، يصبح من الطبيعي أن يدخل البرلمان ساحة النقاش معبرا عن رغبة الجماهير، دون أن نطرح تساؤلات منطقية عن سرعة تعامل البرلمان هنا مقارنة بحالات أخرى مهمة للشعب الذي يفترض أن يمثله وليس الحاكم الذي يفترض أن دوره مؤقت في خدمة الوطن وفقا لمقتضيات الوظيفة. تختلط المناهج كالعادة، ويختلط الواقع بما هو مفترض، ولكن في تلك الأوضاع يكون البرلمان حاضرا وسريعا في الموافقة على مناقشة مقترحات تعديل الدستور.

يبدأ الجزء التالي من التطور الطبيعي للأشياء، وكما حدث مع جزيرتي تيران وصنافير، من النقاش لدى البعض رسميا حول الإجراءات والآليات وطرق التنفيذ، مقابل الجانب الآخر الذي يعترض مستندا إلى الدستور قبل أن يتناول الانعكاسات المحتملة وغيرها من التفاصيل التي لا تمنع في النهاية من الوصول إلى الفصل الأخير وهو دستور مختلف المهم فيه أن المنتج النهائي -مع تصور ثبات العوامل الأخرى-  يصب في تعظيم مكانة الرئيس وسلطاته بشكل دستوري، ويدشن للاستفتاء الشعبي الذي يعيد للواجهة حديث التفويض.

تصل الأمور إلى النقطة التي تبدأ معها مصر مرحلة مختلفة عن ما شهدته خلال الفترة السابقة من حكم السيسي حيث يتم الإلقاء بكل ما لا يعجب السلطة إلى مقابر الذاكرة والإبقاء على كل ما يهم من أجل تدشين البقاء وإضفاء طابع دستوري على ممارسات السلطة وخطابها في تجربة مميزة يتم فيها وضع الدستور في فترة تولي السلطة، وتطبيق القانون بأثر رجعي بما يسمح للحاكم بالبقاء بعد أن كان يفترض أن يغادر، ويملك سلطات لم يكن يملكها دستوريا، ويعيد هيكلة وضع ثورة 25 كانون الثاني/يناير، والأكثر أهمية أن يتحول التفويض من سياسات يومية إلى دستور هو في النهاية القانون الأساسي للدولة في وضع مضر بالإصلاحات السياسية المستقبلية.

هنا يبدو من المهم أن نقف أمام أسباب الاعتراض على تعديل الدستور، وهي متعددة، فما دام أن الاتفاق شبه تام على أنه لا يحترم ولا يطبق في الواقع يصبح السؤال المنطقي بالنسبة للبعض هو لماذا نعترض على دفن الميت؟ ورغم ما يبدو عليه التساؤل من منطق، إلا أنه خطير ويصب في مصلحة السلطة حين يقدم الدستور بوصفه مجرد ورقة هامشية يمكن إسقاطها في أي وقت من أجل أي فرد. وإلى جانب أن الدستور أبو القوانين، فإن الفارق يظل قائما بين أن يكون الاحتكام إلى وثيقة محترمة تضمن حدا أساسيا من الحقوق والحريات، والفصل والتوازن بين السلطات، وبين أن تغيب كل هذا من أجل وثيقة ترسخ الحاكم الفرد وتدخل الجيش في السياسة، بكل ما يمكن ان يكون لهذا من انعكاسات.

يبدو الفارق واضحا بين أن يتواجد دستور يفترض أن يحترم، ونستند له عند الحديث عن ممارسات السلطة والقوانين بوصفها دستورية أو غير دستورية، وبين دستور لا يتوفر على تلك الحقوق والحريات وتوازن السلطات كما يفترض، وتصبح المرجعية أقل من أن توفر الحماية الضرورية خاصة وأن ما يحدث هو استبدال دستور كتب في سياق أقل شخصنة بدستور مرحلة الشخص الواحد المسيطر. في الحالة الأولى تقاد المعارك على مستوى المطالبة بالالتزام بالدستور، وفي الحالة الثانية تصبح الأمور أكثر تعقيدا والتغير الديمقراطي أصعب حيث تزيد سيطرة السلطة وفي القلب منها الحاكم الفرد أو الدائرة الضيقة.

من جانب آخر، يتم التجاوز عن توضيح الحقائق المحيطة بالحدث، حيث يتم إسقاط الدستور من خلال آليات غير دستورية رغم أنه يقدم بوصفه تعديلا دستوريا وليس كتابة دستور جديد من أجل تسريع إجراءات التغيير وضمان حدوثه قبل فترة كافية من نهاية فترة حكم السيسي الثانية والأخيرة حفاظا على الشكل الديمقراطي، مع الرغبة في استفادته من التعديلات الأخرى التي تشمل سلطات الرئيس. والسبب الأساسي هو أن الدعوة إلى الاستفتاء المادة157  تشترط أن يكون متعلقا بمصالح البلاد العليا وبما لا يخالف الدستور، في حين أن المادة 226 تنص على أن “لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، أو بمبادئ الحرية أو المساواة، ما لم يكن التعديل متعلقا بمزيد من الضمانات”. ولأن التعديل لا يحقق تلك الأهداف بالإضافة إلى أنه يهدف إلى إطالة مدة حكم الرئيس القائم، تصبح الدعوة للاستفتاء غير دستورية، وفقا لبعض الآراء القانونية، وما يحدث هو التفاف على الدستور من أجل تفصيل بنود متسقة مع مطالب السلطة.

بالطبع سوف يؤكد البعض خلال رحلة كرة الثلج أن وجود السيسي رئيسا هو الضمانة الأساسية لبقاء مصر، وأن الحريات والمساواة غير مهمة، ويستخدم خطاب أن الدستور غير مطبق من أجل تمرير ما يحدث بوصفه تعديلا يجعل الدستور متسقا مع الواقع وليس تفصيلا على مقاسات الواقع ورغباته بشكل يقيد الإصلاح في المستقبل. في النهاية من شأن تلك الإجراءات أن ترسخ واقعا أسوأ من ناحية الحريات مما كان قبل ثورة يناير، ولكنها للمفارقة، تغلف كل هذا باسم الإجراءات الدستورية والبرلمان والجماهير المفوضة في الميادين المعلبة.

يدشن التعديل بالطريقة التي يتم بها، والأهداف التي يسعى إلى تحقيقها واقعا أسوا في التفاصيل من حكم مبارك وأن تشابه معه في مدة الحكم الممتدة، خاصة وأنه يأتي بعد ثورة بكل ما تمثله من فعل وفكرة مخيفة للسلطة ومن حولها، وبعد تجربة وتفويض يصبغ كل الأشياء، لهذا، يبدو التعديل -أن تم -وما يتبعه بمثابة الثمن الذي على الجميع دفعه رغم طرق جدران الخزان أو ثورة يناير، لأن نصف الثورة لم تفتح الخزان، وأنتجت سلطة أكثر قمعا وخوفا من تكرار الثورة، وتجربة تؤكد لمن في السلطة وحولها أن المهم هو الإبقاء على الخزان مغلقا، والتأكد من عدم خروج أصوات من فيه، وأن يشعر من في داخله أنه ليس في الإمكان أفضل مما هو كائن.

يقدم التعديل الغلاف البراق للسياسات القائمة، ويصبح من الطبيعي الرد على كل اعتراض بأن ما يحدث متسق مع الدستور، وأن الدستور مؤهل للتعديل عندما يكون الشعب مؤهلا للديمقراطية، ولكن في مسار التطورات، كما في مسار كرة الثلج، يتجاوز البعض عمدا عن حقائق الواقع المتغير، والشعوب التي يصعب التنبؤ بتحركاتها مهما طال صمتها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية