محمد علي والمعارضة المصرية: فرص وتحديات

عبير ياسين
حجم الخط
0

يقول الفيلسوف الفرنسي فولتير: “من الخطير أن تكون على حق عندما تكون الحكومة على خطأ”. قراءة قد تكون قدمت في شكل حكمة للكثير من الأشخاص في عالمنا وانتهت بهم إلى أتباع الطريق الآمن وهو الطريق القائل بأن تلتزم بما تقول عليه الحكومة وتضمن أنك دوما على حق من وجهة النظر الرسمية. ورغم ان تلك الطريقة لا تقود إلى قيام المعارضة بدورها المفترض بوصفها على أقل تقدير “فرملة” تحمي الدولة “كما تحمي الفرملة السيارة من الانقلاب أو الاصطدام” كما قال الكاتب والصحافي المصري مصطفى أمين، إلا أن تلك الطريقة المتبعة في الالتزام بالخط الرسمي والمتواجدة بصور كثيرة في عالم تغيب عنه الديمقراطية، من شأنها أن تطرح الكثير من التساؤلات حول تعريف المعارضة في مصر، وهل يمكن بالفعل تصنيف كل الأحزاب التي لا ينتمي لها الحاكم أو نظام الحكم بوصفها معارضة، وكيف يتم هذا أن كان بعضها يتنازل عن هدف الأحزاب الأساسي وهو السعي للوصول إلى السلطة، وبعضها يلتزم الدفاع عن كل ما تقول به السلطة ربما أكثر من السلطة ذاتها مؤيدا ومدافعا لدرجة أن المرشح في الانتخابات الرئاسية يعلن صراحة عن تأييده ودعمه للرئيس القائم الذي يفترض أن يكون منافسا ومعارضا له.

ورغم أن تلك الصورة لا تتعلق كثيرا بالحديث عن تأثير الفنان ورجل الأعمال محمد علي، وقد يتعامل معها البعض بوصفها مقدمة غير ضرورية، إلا أنها تمثل الخلفية الأساسية للتعامل مع القوى التي تشكل المشهد المصري وكيفية استجابة تلك القوى للتطورات التي تحدث من الداخل أو الخارج ومنها بالطبع تأثير محمد علي نفسه لأنه في النهاية يتعامل مع واقع له أطراف من شأن الاستجابة والتفاعل القائم بينه وبينها أن تشكل التطورات القائمة والقادمة، وفي القلب القدرة على التأثير على الجماهير وضمان استجابة تلك الجماهير لموقف طرف من أطراف تلك العلاقة وتفاعلاتها بما قد يقود إلى المزيد من التصعيد أو التهدئة والعودة إلى حالة السكون الظاهر على سطح البحيرة المشتعلة بالغضب.

وأن كان ما سبق يعبر عن جزء أساسي من تصور فكرة المعارضة المؤسسية الممثلة في الأحزاب، بدون أن يشمل كل الأحزاب بالطبع في ظل وجود أحزاب معارضة حقيقية حتى وأن كان حضورها ضعيفا ووصولها إلى السلطة غير متاح في ظل الأوضاع القائمة لاعتبارات عديدة خارج نطاق النقاش هنا وأن كانت في خلفية المشهد، إلا أن هناك أطرافا أخرى قد يكون بعضها في جماعات ومؤسسات غير حزبية ولكنها تعارض السياسات القائمة، وربما تعمل على دعم أطراف حزبية أو مستقلة في الانتخابات من أجل التعبير عن أصوات مختلفة داخل مؤسسات الدولة. وخارج تلك الأطر المؤسسية الطابع هناك الأفراد بما لهم من قوة تأثير من خلال الكلمة سواء عبر وسائل التواصل التقليدية أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي وما تقدمه من آلية مهمة للحضور والتأثير كما حدث في حالة الربيع العربي وكما يحدث مع محمد علي نفسه.

الحراك

في هذا المشهد الذي تتماهي فيه الكثير من الأحزاب مع السلطة وخطابها، ويقلص تواجد العديد من الأحزاب أو المؤسسات الأخرى سقط محمد علي في بحيرة الأحداث الساكنة السطح، مثيرا الكثير من الحراك الذي تناقض مع خطاب الرئيس والسلطة في عمومها حول الحق في الإيمان بالرأي دون التعبير عنه، واحتكار السلطة للحق في التفكير والحديث والحق في القلق والتوجيه وغيرها من الأفكار التي توالت عبر السنوات الأخيرة من أجل تأميم ما هو مادي وما هو معنوي وخنق المزيد من المساحات كما يتم خنق الموارد المتاحة للمواطن باسم الصبر والفقر وحالة العوز.

وأن كان تأثير محمد علي مثل أثر الفراشة الذي لا يرى ولا يزول كما يقول محمود درويش رغم حضوره الواضح بكل ما له من تأثير عابر للقوة المفترضة والحدود، إلا أن تأثيره، وبعيدا عن دوائر السلطة المباشرة، كان أكبر في بحيرة المعارضة المنقسمة، لأنه وضعها في اختبار صعب أمام ذاتها وأمام الرأي العام، وفي الوقت الذي قدم لها فرصة، فرض عليها تحديات وهو الأمر الذي يتجاوز بدوره كيفية تعامل السلطة مع المعارضة إلى كيفية تعامل المعارضة مع محمد علي وما يشبهه من مدخلات في العملية السياسية.

مثل ظهور علي حالة ملتبسة أو صدمة ساهمت ربما في غياب رد فعل واضح من قبل القوى المعارضة. فإن كان وجوده قدم قبلة حياة ساهمت في تحريك الأوضاع الساكنة وإرجاع الجماهير إلى الشارع بعد غياب، إلا أنه طرح التساؤل عن المعارضة والأدوات اللازمة من أجل التأثير، والمبررات التي تقدم من قبل بعض الأطراف لتفسير غيابها عن الشارع وابتعادها عن الجماهير ممثلة في عدم تمكينها من التحرك من قبل السلطة في وقت كان بإمكان علي القيام بهذا عبر أدوات بسيطة.

تأخر تفاعل بعض القوى في ظل تصور البعض أن علي سوف يغيب كما غابت أصوات أخرى بعد فترة قصيرة، وهو ما لم يحدث بما رتب ضرورة التعامل معه بوصفه حالة قائمة، ونظر إليه البعض نظرة استعلائية مستنكرا صورة الشاب صاحب المستوى التعليمي المحدود، كما قيل، والمتمسك بسيجارته وخطابه المرتجل من دون الالتزام بقواعد أكاديمية وطبقية معينة من أجل الصورة. بدورها تمثل تلك المقولات التي تنتقد علي أسباب انتقاد للقوى المعارضة ذاتها لأن محمد علي، وبغض النظر عن حديث القوى التي تدعمه ووجودها من عدمه، كان قادرا على تحريك الأحداث والتأثير في الجماهير كما لم يفعل غيره في السنوات الأخيرة عبر هاتف وصورة عادية غير مرسومة أو مرسومة في إطار الحفاظ على تلك الحالة العادية في حين لم تستطع القوى الأخرى إحداث التأثير نفسه رغم تعدد منصات التواصل وفرص التواجد.

من جانب آخر، فإن الاستمرار في تجاهل وجود علي بكل ما أحدثه من تأثير كان من شأنه أن يمثل فرصة ضائعة يؤدي تفويتها إلى الإضرار بالمعارضة وتضخيم مشاكلها الداخلية في اللحظة والمستقبل. وأن كانت المعارضة لم تستطع إحداث تأثير شعبي مماثل فإن الخروج من الحدث بدون مكاسب وبدون مشاركة في الاستفادة بالزخم الشعبي وتوظيفه من أجل المطالب المكررة من تلك القوى كان من شأنه تعظيم المخاطر وإظهار ضعف المعارضة بوصفه ضعفا ذاتيا أكثر من أن يكون نتاج ضغوط خارجية وأوضاع مفروضة.

أدركت المعارضة مع استمرار محمد علي في الظهور والناس في التفاعل معه والإعلام المؤيد للسلطة في محاربته، صعوبة الخروج بدون موقف أو الالتزام بإنصاف المواقف. ولم يكن لدى المعارضة رفاهية تفويت فرصة التفاعل مع علي وتأثيره في الشارع، ولهذا نجد أن مواقف الأحزاب والقوى المعارضة التي ظهرت على هامش الحراك الشعبي الناتج عن مناشدات علي وضعت ضمن مطالبها الداعية إلى إلغاء التعديلات الدستورية الأخيرة، والإفراج عن المعتقلين وغيرها من المطالب المكررة مطلب حماية الشهود والتحقيق في الاتهامات التي أعلنها علي في ما يتعلق بقضايا الفساد وإهدار المال العام.

استجابات مختلفة

من ناحية أخرى فإن القوى المعارضة من خارج الأحزاب اختلفت استجابتها لاعتبارات مختلفة بدون أن تخرج عن التشكيك في علي بشكل مباشر أو غير مباشر. واستند هذا التشكيك على أسباب عديدة بعضها اعتبر طبقيا في حين تمسك البعض برفض علي بوصفه جزءا من صراع أجهزة وتعبيرا عن جهة ما في صراع خلفي لا نعرفه ولا يفترض أن نساهم فيه كما تقول، في حين رفضه البعض على أساس انه كان مستفيدا من الفساد الذي يتحدث عنه الآن. وبدورها تثير تلك الأسباب الكثير من الجدل وتصب في صالح تفويت فرصة الاستفادة من القيمة التي يمثلها تواجد علي في المشهد، خاصة وأن ما يقدمه عبارة عن تفاصيل داخلية تفسر حالة الفقر والعوز التي يتحدث عنها النظام وتناقضها مع الاحتفالات والحديث عن المشاريع الكبرى والقروض وعدم الرشادة في تخصيص موارد الدولة. وأن كان حديث يوتوبيا والرشادة الغائبة صعب التسويق أحيانا، فأن حديث علي يسهل تسويقه بوصفه تفاصيل ومبررات للواقع الصعب وتدهور الأوضاع المعيشية وغيرها من الخسائر القائمة. هو في النهاية مدخلات يمكن البناء عليها لتأكيد خطورة الانفراد بالسلطة وغياب أسس اختيار المشاريع وأهمية الديمقراطية والفصل بين السلطات ووجود برلمان معبر عن الشعب وقادر على تحقيق التوازن بين السلطات. في النهاية يعبر محمد علي ضمن أشياء كثيرة عن غياب الرقابة والضبط في عمل مؤسسات الدولة التي اكتفت في التعامل مع سلطة الفرد من البداية بالتبرير وتحويل سيطرته إلى دستور وقوانين.

أما القوى المؤيدة للسلطة فقد تأخر موقف بعضها وظهر بوصفه جزءا من إطار أوسع خاص بكيفية استجابة السلطة للاتهامات المعلنة، خاصة بعد أن فشل الاعتماد على تعليق الرئيس في إيقاف أثر الفراشة الذي أحدثه علي في مياه البحيرة المصرية، وهو الفشل الذي أدى إلى إدخال أطراف أخرى سواء من الإعلاميين والفنانين والأحزاب المؤيدة بتنوع الأساس الإيديولوجي المفترض ما بين الديني واليساري إلى ساحة الحشد والمواجهة بما فيها محاولة تجميع الجماهير في توقيت مشابه للتوقيت الذي طالب علي فيه الجماهير بالخروج إلى الشارع للتعبير عن معارضة السلطة والسياسات القائمة.

وبهذا بعد صمت وفي ظل الغضب المتزايد من الرد الرئاسي على الاتهامات المعلنة، جاءت بيانات وتحركات تلك الأحزاب مؤيدة للخط العام للسلطة والقائم على دعم النظام بوصفه المعبر عن وحدة الدولة، والفرد بوصفه المعبر عن الدولة ومكانتها، مع المطالبة بعقد مؤتمرات والتمسك بحزام الصبر والتعامل مع الاتهامات بوصفها جزءا من سياسات أهل الشر وتنظيم نشر التشاؤم وغيرها من الاتهامات الجاهزة، ولم تطرح السؤال الأكثر أهمية والمفترض تقديمه من قبل الأحزاب السياسية خاصة في مجلس النواب وهو حقيقة الاتهامات المعلنة من عدمها، والمطالبة بالمكاشفة والمحاسبة، وممارسة مؤسسات الدولة الأخرى دورها في الرقابة وتحقيق التوازن بين السلطات.

يكشف التعامل مع محمد علي من قبل القوى القائمة الكثير عن الأسباب التي تفسر الواقع المصري بكل ما فيه من هيمنة الفرد ومعاناة الجموع حين يتفرغ البعض للتشكيك في الأسباب والدوافع والقوى الخفية، والبعض الآخر لتبرير السيطرة والهيمنة، ويملك الفرد ومن معه فرصة تجميع الصفوف وتقسيم الحراك القائم. واقع تضيع فيه أحيانا كثيرة إمكانية استخدام المدخلات الجديدة بوصفها فرصة للمكاشفة والمحاسبة رغم أن الجميع يدفع الثمن وحسن التنظيم من شأنه أن يوجد الأسس اللازمة للتعامل مع الأخطار الواضحة والخفية وكأن الكراهية تجمع والحب يفرق كما قال الساخر جلال عامر متحدثا عن ثورة 25 يناير وكيف جمعت كراهية الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك الجميع، وكيف فرق حب الوطن الجميع أيضا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية