بدأت الدعوة للعامية مبكرا في مصر، مع الاحتكاك بالمجتمعات الغربية عن طريق البعثات، وذلك في عهد حكم محمد علي في النصف الأول من القرن التاسع عشر، عندما نادى «رفاعة الطهطاوي» باستعمال العامية، وأن توضع لها قواعد وأصول تضبطها حسب الإمكان، ليتعارفها أهل الإقليم، حيث نفعها عميم، وتصنف فيها كتب المنافع العمومية.
لقد جاءت دعوة الطهطاوي، ضمن مناداته بإحياء العربية الفصيحة، وتبيين فضلها، فكان ثمة تناقض بين الدعوتين، وهذا يبين مدى تأثره المبدئي بالفكر الغربي، والتطورات التي أصابت اللغات الأوروبية، ثم تطورت الدعوة أكثر في أواخر القرن التاسع عشر، على يد ولهلم سبيتا الذي كان يعمل في دار الكتب المصرية، ونشر كتابًا سماه «قواعد اللغة العامية في مصر»، شدد فيه على أهمية أن تكون لغة الكتابة هي لغة الحديث نفسها، معللاً بأهمية نشر الثقافة الشعبية.
وقامت جريدة «المقتطف» بتبني الدعوة عام 1881، بالمناداة بكتابة العلوم الحديثة بلغة الحديث اليومي، إلا أن الشيخ خليل اليازجي وهو لبناني “نصراني” رد على الدعوة بقوة، فأسكتها في مهدها. ثم ألّف كارل فولرس الألماني كتابًا عام 1890، سماه «اللهجة العامية الحديثة في مصر» وتولى ترجمته إلى الإنكليزية بنفسه عام 1895، واصفًا العربية بالجمود والتعصب، وشبهها باللاتينية، وشبه العامية بالإيطالية. وأتبعه ويلككس، حيث ألقى محاضرة ونشرها في مجلة «الأزهر»، التي آلت إليه في سنة 1893، زاعمًا أن الذي أعاق المصريين عن الاختراع هو كتابتهم بالفصحى، ودعا إلى التأليف بالعامية، حيث قال إن من جملة العوامل التي أدت إلى فقدان المصريين قوة الاختراع: استبقاؤهم العربية الفصحى، وأشار إلى أهمية إغفالها، واستبدالها باللغة العامية، اقتداءً بالأمم الأخرى، وذكر مثالاً على ذلك: الأمة الإنكليزية حيث استبدلت اللغة اللاتينية القديمة باللهجة الإنكليزية، وجعلتها لغة الكتابة والإبداع. وقد تابعه في الحملة نفسها، القاضي الإنكليزي دلمور، الذي ألف كتابًا سماه «لغة القاهرة»، وقد تلقفت جريدة «المقتطف» الدعوة، وراحت تتبنى القضية، إلا أن الكثيرين تصدوا لها.
وتبعه أيضًا سلدن ولمور في كتابه «العربية المحلية في مصر» سنة 1901، دعا فيه إلى اتخاذ الأحرف اللاتينية في الكتابة العربية، واتخاذ العامية لغة أدبية، وإلا انقرضت لغة الحديث ولغة الأدب وستحل محلهما لغة أجنبية نتيجة زيادة الاتصال بالأمم الغربية، وقد قال تبريرًا لذلك: «ومن الحكمة أن ندع كل حكم خاطئ وجه إلى العامية، وأن نقبلها أنها اللغة الوحيدة للبلاد، على الأقل في الأغراض المدنية التي ليست لها صبغة دينية»، ودعا حكومة مصطفى فهمي الممالئة للإنكليز إلى تدريس العامية في المدارس، مبررًا دعوته بقوله إن: «خير الوسائل لتدعيم اللغة القومية (أي العامية) هي أن تتخذ الصحف الخطوة الأولى في هذا السبيل، ولكنها ستكون في حاجة إلى عون قوي من أصحاب النفوذ، فإذا نجحت هذه الحركة، فإن وقتًا قصيرًا في التعليم الإجباري، وليكن سنتين سيكون كافيًا لنشر القراءة والكتابة في البلاد»، وقد انبرت جريدة «المقتطف» في تقريظ هذه الدعوة ثانية، معطية إياها صبغة سياسية، إلا أن اشتداد الحركة الوطنية في البلاد، كان عاملاً حاسمًا في مواجهة تلك الدعوة بحسم.
امتدت الدعوة إلى بلاد الشام، وإن كانت بطريقة أشد تطرفًا، فقد ظهرت عدة كتب تنادي بأهمية الكتابة باللهجة العامية الشامية، منها كتاب «محاضرات في اللهجات وأسلوب دراستها»، و«نحو عربية ميسرة» وكلاهما لأنيس فريحة
إن الدعوة الأخيرة، أبانت عن إسقاط غربي بيّن، فكون الكاتب يدعو إلى إقصاء الفصحى إلى الحياة الدينية، إنما يحمل في طياته ما حدث للاتينية من جعلها لغة الكنائس والكتب الكنسية القديمة، وبمرور الوقت بدأت تختفي من الكنائس والصلوات لصالح اللغات الإقليمية في أوروبا، ولا نذهب بعيدًا، فقد قرر أتاتورك أن يجعل الأذان في تركيا – عقب إلغائه للخلافة العثمانية – باللغة التركية، تدعيمًا للتوجه الانفصالي للدولة عن محيطها وجذورها الإسلامية. يتضح من سير الدعوات الماضية أنها لم تتطرق إلى الأدب القصصي والمسرحي، بل اتسمت بالعمومية، في كون السبيل إلى نهضة الأمم هو أن تحذو حذو اللغات الأوروبية في الاستقلال عن اللغة الأم، تدعيمًا للهوية الإقليمية. وهذا ما جعلها تصطدم بالجانب العقدي والقومي، وبالتالي ترفض في مهدها دائمًا.
وظلت الدعوة للعامية تراوح مكانها، حتى أشعلها سلامة موسى، وتابعه تلميذه لويس عوض، حيث احتضن الأولُ الثاني على صفحات مجلته في سني الأربعينيات من القرن العشرين، فكلاهما نادى بالأدب للحياة، وكان المقصود بالدعوة أن يكتب الأدب باللهجة العامية، بحجة أن العامية مرآة الأمة والمعبرة عن وجدانها، في مواجهة اللغة الفصيحة بجمودها وثباتها وسكونها في الكتب، أما اللهجة العامية فإنها حية نابضة بمشاعر الناس. أبدى سلامة موسى إعجابه الشديد بالشعر العامي الشعبي، وبالغ في إعجابه لدرجة أنه أشاد ببيت شعر شعبي يقول: «ورمش عين الحبيب يفرش على فدان « فرأى أنه يتقدم على إبداعات السابقين واللاحقين بالفصحى.
وكان توظيف لويس عوض في جريدة «الأهرام» منذ أواخر الخمسينيات كمستشار ثقافي وسيلة لإعادة الدعوة للعامية بقوة، وإثارة اللغط حولها، حيث زعم أن سبب جمود الرواية والقصة، وانصراف الناس عنهما إلى الأعمال المسرحية والإذاعية ثم التلفزيونية هو القرار الذي اتخذه المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب منذ سنوات، بضرورة استعمال اللغة الفصيحة في حوار القصة، وقصر الجوائز على القصص الخالية من الحوار العامي.
وامتدت الدعوة إلى بلاد الشام، وإن كانت بطريقة أشد تطرفًا، فقد ظهرت عدة كتب تنادي بأهمية الكتابة باللهجة العامية الشامية، منها كتاب «محاضرات في اللهجات وأسلوب دراستها»، و«نحو عربية ميسرة» وكلاهما لأنيس فريحة، وألّف شكري فاخوري كتابًا سماه « التحفة العامية في قصة فانيوس»، للخوري فاروق عطية، في كتابه «في متلو هلكتاب» وكانت كلها بالحرف العربي، إلا أن أنها اشتدت مطالبةً بكتابة العامية بالأحرف اللاتينية في محاولة الأب رافائيل نخلة، في كتابه «قواعد اللهجة اللبنانية السورية»، وكتاب «يارا» بقلم سعيد عقل، وهو شعر بالعامية وبالحرف اللاتيني، وكانت تجربة غير مسبوقة في المجال الأدبي بشكل عام في العالم العربي، حيث اتخذت العامية حرفًا يحمل هوية أوروبية في إطار واضح لمحو الهوية العربية.
٭ كاتب من مصر