وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو
دمشق – «القدس العربي»: شهدت التطورات السياسية، تحضيرات قفزت إلى مرحلة متطورة من التسخين، بعدما لوحت أنقرة مجدداً، الثلاثاء، بالعودة إلى الخيار العسكري لحماية وضمان مصالحها الأمنية شرق الفرات، نتيجة زيادة مستوى تهديد حزب «العمال الكردستاني» الذي يستخدم هذه المنطقة كقاعدة عمليات لشن هجمات تستهدف مناطق وجود القوات التركية داخل سوريا وضمن أراضيها.
وفي استمرار للوعيد المتواصل منذ أشهر، هدد وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، بأن تركيا ستصعّد من عقابها على الاعتداءات التي تستهدفها من «خارج حدودها». وحول العملية العسكرية، قال أمس الثلاثاء، إن «الاعتداءات التي تستهدف البلاد من خارج حدودنا صارت لا تُطاق، وعملياتنا العسكرية العقابية ستتصاعد» حسب ما نقلته وكالة الأناضول التركية. وتحدث أكار عن مقتل واعتقال 22 شخصا وصفهم بـ «الإرهابيين»، رداً على مقتل ثلاثة جنود أتراك على الحدود التركية – السورية. وقال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، الثلاثاء، «ارتفع عدد إرهابيي تنظيم «بي كا كا/ي ب ك» الذين تم تحييدهم إلى 22، رداً على استشهاد 3 جنود أتراك السبت الماضي».
هل نضجت ظروف الضربة؟
الخبير بالعلاقات الدولية محمود حمزة اعتبر التهديد التركي اليوم استمراراً للتهديدات السابقة، بشن عملية عسكرية ضد حزب العمال الكردستاني، والتي حشدت لها تركيا سابقاً، وسط حملة إعلامية قوية، وتصريحات لمسؤولين أتراك توعدوا بتنفيذ عملية عسكرية تضرب مواقع «الإرهابيين» في إشارة إلى حزب العمال الكردستاني وقوات سوريا الديموقراطية ومشتقاتها.
وترجم حمزة تراجع وتيرة الوعيد التركي السابق، بردع قوات سوريا الديموقراطية، بعدم وجود ضوء أخضر أمريكي أو روسي، حيال ذلك حيث قال «كان الروس غير موافقين على ضرب حزب العمال الكردستاني الذي تعتبره تركيا، تهديداً لأمنها القومي».
وحول نضوج الظروف المناسبة لهذا الخيار اليوم، أبدى حمزة اعتقاده بأن «الأتراك قد يكونون بالفعل جاهزين لعملية عسكرية لكن بتنسيق مع أمريكا وروسيا، وربما أصبح الوقت مناسبًا، لأن تركيا لا يمكن أن تقوم بعمل عسكري إلا بموافقة أمريكية أو روسية، أو موافقة من الطرفين معًا».
ونظراً لارتفاع حدة الاعتداءات من الأراضي السورية على الجنود الاتراك، تتصاعد نبرة القيادة التركية التي ترغب في إنهاء الخطر الأمني، عبر إيقاف الهجمات التي تطال قواعدها العسكرية في سوريا، وكذلك الأراضي التركية، على اعتبار أنها تشكل خطراً أمنياً، وباتت مكلفة سياسيا بالنسبة لأنقرة.
وكان وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو، قد اتهم في وقت سابق، روسيا والولايات المتحدة بعدم الوفاء بوعودهما حول سحبهم التنظيمات المصنفة على قوائم الإرهاب في تركيا من مناطق الشمالية السورية، 30 كيلومتراً إلى الجنوب وقال «حتى الآن لم تفيا بوعودهما، وفي وضع كهذا سنعمل ما يلزم».
وفي قراءة حديثة لمركز جسور للدراسات الاستراتيجية، حول التصعيد التركي، اعتبر أنّ السبب الرئيسي وراء التصعيد التركي، هو استخدام حزب «العمال الكردستاني» المناطق الحدودية مع تركيا، كقاعدة عمليات لشنّ هجمات تستهدف مناطق وجود القوات التركية داخل سوريا وعلى أراضيها. وذكر المركز «قبل ساعات من حملة التصعيد التي شنّتها تركيا على المنطقة كان تنظيم «PKK» قد استهدف عربة عسكرية تقلّ مجموعة من الجنود أثناء مرورها قرب مخفر «Gültepe» في الطرف المقابل لمنطقة «نبع السلام» شمال الرقّة، مما أدّى لمقتل 3 عساكر وجَرْح آخرين»
وسبق أن تعرّضت مقاطعة «قرقميش» جنوب تركيا لقصف بـ 5 قذائف هاون في 11 أكتوبر /تشرين الأوّل/ حيث استخدم حزب العمال قرية «زور مغار»، التي تُعدّ آخِر نقطة في واحد من مسارين للدوريات المشتركة بين تركيا وروسيا ضِمن ناحية «عين العرب»، كما تنشط حركة «الشبيبة الثورية» التابعة لحزب «العمال الكردستاني» بشكل كبير ضِمن هذه المنطقة؛ فقد استهدفت تركيا مقرّاً عسكرياً لها ضِمن ناحية «عين العرب» في 25 ديسمبر/كانون الأوّل 2021. وبعد يومين فقط اعترض عناصر من نفس الحركة دورية مشتركة أثناء عبورها في قريتَيْ «قره موغ» و»عين البط» برمي العربات بالحجارة، وعلى إثرها ألغى الجانبان دورية مشتركة كان من المقرّر تسييرها في المنطقة بعد توصية من القوات الروسية، والتي أرجعت السبب إلى وجود تهديد أمني محتمل في 4 قرى تقع ضِمن المسار.
وبناء على ذلك، اعتبرت القراءة أن ما سبق يعني، أنّ تصعيد تركيا الجوي والمدفعي لا يأتي فقط كردّ على استهداف جنودها انطلاقاً من ناحية «عين العرب»، بل لارتفاع مستوى التهديد الذي بات نشاط حزب العمال الكردستاني يُشكّله ضدها، والذي يستدعي ردّاً عسكرياً وعدم اقتصار التعويل على آليات العمل المشترك مع روسيا بموجب مذكرة «سوتشي» (2019).
الدوافع التركية
وتريد تركيا وفق قراءة مركز «جسور»، التأكيد على امتلاك القدرة على استخدام الخيار العسكري لحماية وضمان مصالحها الأمنية في شرق الفرات، إذا ما أصرّت روسيا بدورها على استخدام ذات الخيار في غرب الفرات. وبالتالي، ضرورة عدم تجاوُز القنوات الدبلوماسية لتسوية الخلافات أو فرض الأولويات.
وتوقعت القراءة، استمرار تصعيد تركيا في المنطقة بما في ذلك التهديد بشنّ عملية عسكرية، لحمل روسيا على الالتزام بمسؤولية تطبيق ما تم التفاهم عليه من إخراج حزب «العمال الكردستاني» من المنطقة وحماية الدوريات المشتركة وتأمين مسارها والتعامل مع أي تهديد أمني قد يواجهها وليس مجرّد الاكتفاء فقط بمهامّ المراقبة والإخطار. واستهدف القصف التركي، الشريط الحدودي الممتد بين «عين العرب» و»تل أبيض» شرق الفرات، إذ تقع جميع المواقع المستهدَفة بالقصف ضمن المسار الاعتيادي للدوريات العسكرية المشتركة بين تركيا وروسيا.
كما شهدت المنطقة المستهدفة تسيير أكبر عدد من الدوريات المشتركة بين الطرفين بمعدّل يزيد عن 80 مرّة إلّا أنّ ذلك لم يؤدِّ إلى تقويض الأنشطة العسكرية والأمنية ضد تركيا انطلاقاً منها، كما أن الدوريات المشتركة يُفترض أن تكون أداة لمراقبة انسحاب عناصر حزب «العمال الكردستاني» من المناطق الحدودية مع تركيا، كما تنصّ على ذلك مذكّرة «سوتشي» (2019)، عدا عن مراقبة وضمان تفكيك البِنْية التحتية التي يستخدمها «PKK» لتنفيذ أنشطته انطلاقاً منها.