بيروت-“القدس العربي”: ترك هدوء مسكنه الجبلي ليقف على أحوال الانتفاضة الشعبية في “البلد” فالموسيقى جزء لصيق بالناس المتجمهرين هناك والمتفاعلين مع كل نغمة وصوت. المؤلف الموسيقي والأستاذ في المعهد الموسيقي الوطني اللبناني الدكتور جمال أبو الحسن يصف المشهد في رياض الصلح وساحة الشهداء بالبديع.
كتب موسيقى تحاكي الحرية والتي هي طموح جميع البشر. يرى الدكتور جمال أبو الحسن دوراً مهماً للأوركسترا السيمفونية بمد الجمهور بالتوعية والثقافة الفنية والموسيقية. ووجد ضرورة بأن تزور الأوركسترا الفيلهارمونية الوطنية اللبنانية المناطق جميعها لا أن تلتزم مكاناً واحداً لحفلاتها، وهذا أفضل لنشر الموسيقى السيمفونية العالمية.
معه كان هذا الحوار:
*باعتبارك معنيا بالأوركسترا الفيلهارمونية اللبنانية يبدو أن الحراك الشعبي قد غير مواعيد حفلاتها؟
**نعم حتى الآن ألغيت حفلتان، فحفلاتنا مساء كل يوم جمعة. ومن بينها لهذا العام واحدة بمناسبة عيد الاستقلال نأمل أن لا يصيبها الإلغاء.
*وهل لحفل الاستقلال أن يُعقد في ساحة رياض الصلح أو الشهداء أو ما بينهما؟
*يا ليت. قبل الحراك كان القرار بأن ينتظم حفل الاستقلال في السراي الحكومي. زرت ساحات التظاهرات أكثر من مرة وهي جميلة للغاية في أجوائها العامة، وفي التعبير الصادر عن المواطنين. وأجمل ما في الناس أنهم صوت واحد، من الطفل إلى الشاب إلى الكهل. هم وجوه جميلة تنطق برفض الواقع. لم يكن في تصوري أن هذا سيحدث في لبنان لكنه بات حقيقة ملموسة. ربما هي أعجوبة، وقد كانت الأجواء أفضل قبل أسبوع مما هي الآن. كان حلماً بالنسبة لي كفنان أن ينتفض الشعب اللبناني، والطموح الذي يلازمني هو تحقيق العدل والسلام وحقوق الإنسان والحرية.
*وهل تكتب موسيقاك بناء لهذه العناوين؟
**بل أركز على تلك الموضوعات. الفنان طموح لتحقيق الأفضل على الدوام. فالعالم بأجمعه يفتقد العدل والسلام. طموحنا هو الانسجام والتناغم الكوني لما فيه خير الإنسان. في حين يسود هذه الأرض الكثير من الظلم والقهر ويسيطر على غالبية سكانها، تلعب قلة قليلة بملايين الدولارات. منذ عدت من الولايات المتحدة منهياً دراستي الموسيقية اجتاحني الغضب، فالوطن الذي نحلم به ليس موجوداً، في حين أنه ذو طبيعة من بين الأجمل في العالم. فيما الناس طيبون ولا يزالون يحتفظون بعادات قديمة ذات طابع إنساني.
*كونك مهتما بالحراك والموسيقى فهل للأوركسترا الفيلهارمونية أن تقيم حفلاً يكون مسرحها باحة كنيسة مار جورجيوس أو باحة جامع الأمين؟
**لا بد من البحث في الاحتمالات. فالموسيقى السيمفونية أو الكلاسيكية تحتاج للهدوء والسكينة والإصغاء، وهذا غير متوفر في ساحات الحراك. الملاحظ في تلك الساحات أن نوعية الصوت ليست مريحة للأذن، وهي مرتفعة للغاية. حفل للأوركسترا الفيلهارمونية يلزمه تنسيق بحيث يُعزل نسبياً عن الضجيج. لكن فكرتك خلاّقة ولا بد من بحثها، ففي لبنان الكثير من المبدعين وجميعهم يرغب في المشاركة خاصة في مثل هذه المناسبة.
*السراي الكبير يفترض أن يكون للشعب الذي يطلب من شاغليه الاستقالة فهل سيستقيم حفل عيد الاستقلال في هذه الحال؟
**في ظني يستقيم الحال بكل تأكيد عند استقالة الحكومة الحالية وتشكيل أخرى جديدة. وبغير ذلك طبعاً لا. وفي اعتقادي أن الأمور لن تطول كثيراً.
*كفنان كيف تقرأ المشاركة الفنية في هذه الحالة الشعبية فمنهم من هتف ومنهم من غنى ومنهم من رسم؟
**فن الغرافيتي الذي ملأ الجدران جميل جداً، لفتني وتوقفت عنده ملياً. عبّر البعض عبر الكلام وكُتب ما هو منطقي وجديد، فيما آخرون تخطوا حدود اللياقة و”زادوها” نسبياً. فثمة عبارات قد تتسبب في تراجع البعض عن المشاركة في الحراك. العقلانية والموضوعية مطلوبة، قدرة التعبير بمحبة متوافرة. نبذ العنف ضرورة، فلبنان لم تتركه الحروب منذ تأسيسه كدولة. ودورات تدميره وإعادة إعماره تتوالى. وهنا أتذكر زكي ناصيف وأغنية “راجع راجع يتعمر راجع لبنان”.
*غناها لاتفاق الطائف الذي أسس لدمار جديد في رأي الغالبية؟
**بالتأكيد. في رأيي في هذه المرحلة يجب أن نتجاوز كل ما هو من الماضي بما فيه دستورنا الذي يجب أن يحاكي التطلعات الشعبية، ويجب كتابته من جديد. ففي القرن الـ21 علينا نبذ الطائفية كلياً.
*ما رأيك في نشيد الثورة الذي أدته مجموعة فنانين من أجل التغيير؟
**أعجبت به، وهو منبثق من السيمفونية التاسعة لبيتهوفن في حركتها الأخيرة. وتلك الحركة معتمدة في العالم أجمع تعبيراً عن السلام والمحبة. كتب كلمات نشيد الثورة الشاعر الشاب والكبير مهدي منصور، وأعد لحنه زياد الأحمدية.
*ماذا قال لك مشهد المواطنين المتدفقين إلى مبنى سينما البيضة؟
**جميل جداً وكأن زيارتها دخلت من ضمن أدبيات التواجد في ساحتي الشهداء ورياض الصلح، والجميع يقصدها. هذا المسرح يجب أن يصبح للجميع وقريباً جداً. زرته أكثر من مرة وشاركت في حلقات حوار ونقاش. وفيه راودتني فكرة إقامة حفل موسيقي.
*أخذ على المشاركين في الحراك إكثارهم من الغناء والرقص. في رأيك هل هذا عيب؟
**بل العكس. هو نوع من التعبير الناتج عن غضب و”فشة خلق”. طال زمن الكبت فيما يبدو وأتى زمن التعبير. كان للناس أطر تعبير مختلفة منها الرقص والغناء. الرقص والغناء دليل حضاري شرط أن لا يزيد عن الحدود. ويمكن لهذين التعبيرين أن يكونا أفضل مما شاهدناه، والإتزان هو المطلوب.
*وهل يمكن وضع قوانين سلوك وحركة لظاهرة شعبية؟
**هي ليست قوانين وما صدر عن الناس كان وليد اللحظة في البدايات. هناك من غنى البوب فيما آخرون رددوا الأغنيات الثورية. والأهم في هذا الحراك أن النشيد الوطني هو الذي طغى على ما عداه، وكان يُردد بين الحين والآخر. لم أكن مغرماً بالنشيد الوطني، وخاصة مطلعه. “كلنا للوطن” ليس فرضاً على الجميع، وبالتأكيد ليس جميعنا للوطن. في الواقع أن غالبية الشعب اللبناني تنتمي لطوائفها أو أحزابها. ربما هي المرة الأولى التي يغني فيها كل الشعب للوطن أو أكثريته. وأخيراً وجدت في تعبير “كلنا للوطن” ما هو واقعي. كموسيقي نفذت إعادة توزيع للنشيد الوطني بحيث يتيح للمتلقين التبصر بكامل كلماته وليس فقط بمطلعه. وللحقيقة معاني النشيد جميلة وكذلك لحنه. وأن يتردد من قبل الناس بإحساس وطني جامع فهذا جيد جداً.
*هل للموسيقى على مختلف أنواعها دور في نشر الوعي لدى الشعوب؟
**طبعاً وهو الأهم. وهذا قائم عبر التاريخ. فالإنسان كان يعبر خلال احتفالاته عبر الموسيقى. نصر الإنسان القديم أو معاركه العسكرية كانت مترافقة مع الموسيقى. خلال الثورات يفترض أن يكون للموسيقى دورها الكبير وخاصة السيمفونية المعبرة. أما الأغنيات الثورية فهي نفسها تتكرر منذ 40 سنة، في حين أن الموسيقى تلعب دورها لو اتيح للجمهور سماع النوع السيمفوني منها. مع الإشارة إلى أهمية تنويع الموسيقى في الساحات، نشير أن بعضها وخاصة من نوع البوب لا يحمل قيمة فنية.
*هناك من يردد غنينا الكثير لفلسطين والقضية على حالها وحتى فيروز قالت في يوم مضى “خلصت الأغاني هني ويغنوا للجنوب”. هل هو حالة سلبية من دور الموسيقى؟
**مهما كانت المواقف سيبقى للغناء دوره ووجوده. ما قدمه الاخوان رحباني وفيروز لا يزال حتى تاريخه من أروع ما كتب كلاماً وموسيقى وتعبيراً. تمنيت لو سمعت في الساحات بعض أغنيات المسرحيات الرحبانية وهي على قدر عالٍ من الاتقان ومنها مسرحيات فخر الدين وجبال الصوان. في رأيي تلك الأغنيات أفضل من الغناء الحديث الذي يتم تداوله عبر مكبرات الصوت. أعتقد وبدون كثير من التحليل أن الدي دجيز المولجين بالاختيار لا يعرفون سوى ما نسمعه، وربما هم يهدفون لمزيد من الرقص. بينما المطلوب الاهتمام بالأغنيات ذات الرسالة.