نخوض في تجربة تشكيلية تمكنت من أن ترسخ مفاهيمها الخاصة وتصوراتها عن دور الإنسان في هذا الوجود وماهية وجوده ورسالته الحياتية والثقافية فيه، فلا شك في أن محمد عباس يبقى أسيرا لهذا القلق الوجودي، فما ينفك فكره وهمه الإنساني إلا أن يسبر أغوار هذا العالم المترامي في أسراره وخلائقه وكنهه.
تجربة محمد حلمي تخط دربها بثقة، ودون توجس في عالم الفن التشكيلي، فيحاول أن يخوض في غمار الفن بألوانه وتكويناته، عارفا بما أنتجته الحركة التشكيلية العالمية من مدارس وأساليب فنية متعددة، فأطلق العنان لفكره وموهبته خاصية التجريب والتنوع في أساليبه الفنية، فتراه منكبا وهو يجرب أعمالا وطقوسا فنية، تترك أثرها في المشاهد، من غبطة وفرح ودهشة، فتجعله أسيرا ومتشوقا إليها ليغوص في متاهاتها اللونية والتكونية، فهو ينتج نصا بصريا يمثله ويمثل تصوراته وفهمه لرسالة الفن الثقافية والمعرفية والإنسانية.
إن التجريب بحد ذاته يعد تنوعا ثريّا يضيف للفنان متانة وحصانة معرفية ومهنية، وصقلا لموهبته وتمكينه لحرفيته الفنية، فلا يمكن لأي قارئ ودارس لأعمال محمد عباس إلا أن يكتشف هذه الخاصية بأسلوبه ورؤيته لحقل التشكيل من خلال أعماله الثرّة. حري بنا ونحن نخوض في تجربة الفنان أن نقف مليّا على دكة تصوراته وثقافته ورؤاه، فهو لا ينتج لوحة فنية حسب، وإنما يصيغ خطابا فنيا وثقافيا ورسائل عدة يوجهها للمتلقي، بصفته منتجا لهذا الخطاب، محاولا مخاطبة النفس الإنسانية والولوج إلى هموم الإنسان وقضاياه، بغض النظر عن هوية وجنس الآخر، وهذا الخطاب تكوّن من خلال عناصر فنية وأدوات متقنة، تمكنه من حرفنتها من خلال كيفية التعامل مع المواد والخامات، وكيفية تطويع الألوان لصياغة رؤيته ورسالته، وكذلك الخامة المستعملة فله رؤيته في استخدام هذه الخامة أو تلك لتنسجم مع تكويناته أولا ومنتجه الفني بشكله النهائي، ومن بعد ذلك وصولا لغايته الثقافية الجمالية، وما يميز أعمال محمد عباس لحظة الدهشة إذ يصبح المتلقي ولوحته لحظة إبداعية واحدة، من خلال ولعه بثيمة العمل، وكذلك بمجسماته الفنية التي تثير غرابة التجسيد والنص البصري المشكَل الذي يحمل بين طياته الحذق الفني والمهارة والاختلاف عن السائد من تجارب فنية أخرى، لهذا يمكننا القول إن محمد عباس تمكن من صياغة خطابه الفني الجمالي الذي يمثله ويميزه عن الآخر وقد تفوق على نفسه.

المدرسة التكعيبية
من خلال أعماله المتعددة يوظف الفنان المدرسة التكعيبية في بعض أعماله بإتقان، فعند الوقوف على بعض لوحاته التكعيبية كلوحات (مهرجة بغداد وقاطف الأعناب ورقصة الشيشان) فهو يقاربها سيميائيا ورمزيا بأسلوبه الهندسي، ويتخذ من واقع المرأة العربية والشرقية وذاتيتها المسلوبة وتهميشها، ليصيغ للمشاهد عملا فنيا يلفه الغموض والتأويلات، فيمزج هنا بين المباشرة والتورية ومآلات الفهم عند المتلقي، من حيث محاولة المرأة أن تتخطى الحدود الاجتماعية والثقافية للمجتمعات الشرقية من أعراف وتقاليد وممنوعات، وشجاعتها لتجاوزها هذه المحددات والحواجز المرسومة لها، التي تحاول أن تحد وتكبح من جماح وطموحات المرأة في تحقيق ذاتها ومشاركتها في الفعل الحضاري، هنا حاول الفنان من خلال لوحته (استحضار أفكار) أن يجسد شكلا أنثويا بساق طويلة قد مست الخطوط والدوائر الحمر المحظورة، وتركت خلفها كل النزعات الذكورية بوصفها نزعة لاإنسانية في نظرتها للمرأة، ومحاولة أن تجعل منها كائنا أنثويا وعائيا، لها وظائف يرسمها المجتمع الذكوري في حيز ضيق لا يتسع كينونتها، وهذه الوظائف تسلخ آدمية المرأة وخلقها وكيانها وفعلها الجمالي في صنع الحضارة الإنسانية، لذا صور مجسمته الأنثى في شكلها التكعيبي الهندسي، لتحلق وتتجاوز كل هذه الممنوعات لتجد ذاتها وتترك بصمتها في هذا الاحتدام الإنساني الحضاري، وهذا ما نراه أيضا في لوحة (رقصة الشيشان).
يتنقل حلمي بين عدة مدارس فنية، فقد اتخذ من الأسلوب التعبيري والتجريدي مواءمة شكلية تعبر عن هواجسه وأحلامه وتطلعاته، فمن خلال أعماله التي تركها لنا في معارضه ممثلة في لوحاته (الماضي الحزين وأين ألقاك ومومياء كورونا وألوان الصيف وعيون ورفقة وتكميم الأفواه ومرآة وورود وطيور وغيرها) فهو يحاكي الطبيعة والإنسان والوجود، ويحاول أن ينتج حوارا ثقافيا بين كل هذه الماهيات من جهة، والحوار الذاتي من خلال تصوراته وإداركه لهذه الموجودات، وكذلك يحاول إنشاء علاقات ثقافية حوارية بين ذاته والذات الأخرى، وأن يضع مشتركات معرفية وجمالية بين الوجود والإنسان وذاته، فتغدو محاكاة حوارية جسدت بأسلوب تجريدي تعبيري متقن معبرا عنها من خلال بعض الشيفرات التي تجدها مشتركة في جل أعماله، فهو يضع خطوطا متعرجة ومتموجة تحجب الشكل وتقيّد الوجه وتغلق الفم، وتحجب النظر وكأنه يقول إن الإنسان في هذا الزمن متوار خلف ذاته، فهناك مخاطر تحدق به فتمنعه من التعبير ومن فعل المشاركة، ونلمس أحيانا تصاعد نبرته الشكلية واللونية بخطاب تمردي على الواقع الهش، الذي يعيشه الإنسان في هذا الوجود، من خلال تهميشه ومنعه من صنع وتحقيق أحلامه وتجريده من آدميته وذاته، فهو إنسان مكبل ومقيد من الخلق والصنع والإنتاج والفعل، كما يصوره الفنان في بعض أعماله التجريدية.
بطبيعة الحال لا يمكن أن نغفل محاولاته للجمع بين الأسلوبين الواقعي والتأثيري في تجسيد عدة أعمال، فقد اقتنص مشاهد من الطبيعة العراقية المنوعة والخلابة، وكذلك جسد تراثيات الأمكنة والأثر البغدادي، التي تعد بيئته وحاضنته الشخصية والحياتية.

الإيقاع الموسيقي الحواري
الإيقاع الموسيقي الحواري تجده مهيمنا على أعماله الأخيرة (كائنات لا مرئية) التي حاول التجريب فيها من خلال اتخاذه خامة الورق المقوى (الكارتون) في تشكيل وعزف أناشيده وترانيمه الموسيقية اللونية التكونية فعزف بأنامله وملمسه الرقيق ليصور لنا كائناته، فأنشد لونا وحركة على سطح خامته، التي اتخذها خلفية معتمة بلونها الأسود القاتم، لتسطع ألوانه الفسيفسائية البراقة، هذا الحوار بين اللون والضوء شكل منعطفا مهما في تجربة الفنان، وتكنيكيا مدهشا، وكأن المشاهد يرى أشكالا رقمية تتحرك في فضاء معتم وأعطاها حيوية وبهجة تسر المشاهد، من هنا يمكن القول إن الفنان أنشأ نصا بصريا نغميّا بمعزوفات تشد المتلقي وتجعله مندمجا معها فهي محاولة فنية تقنية للحوار بين المتلقي واللوحة، وهذا الدمج المعرفي التقني بين الاثنين يعد أسلوبا ناجعا من أساليب الفن الحديث.
كاتب عراقي