سعاد العنزي
ليست الرواية هي الفن الممكن دوما لكل من يمتلك اللغة الشعرية والأدبية، أو التحكم بأحد خيوط السرد فقط، كتحليل الشخصيات.
حيث يتوهم الكثيرون إنها فن ممكن تناوله بسهولة متمنعة قليلة، فيقومون بكتابة هذيان، يتقاطع مع حكاية بسيطة في بنيتها العميقة، ويبهرجون في اللغة، أو يقتصدون كل حسب ملكته اللغوية الإبداعية ورؤيته المفترضة للنص الروائي، ويقدمون نصا يزعمون إنه روائيا، ولا بأس من قليل أو كثير من التناص مع كلمات وأقوال العظماء والمشهورين من الروائيين والمفكرين، حتى ينطلي على جمهور القراء الاشتغال الفني اللغوي من خلال التناص واستحضار التاريخ، وبعض الرموز الإنسانية العالمية، مع بعض الإحالات لبعض الأحداث التاريخية بشكل عرضي دون تحليل معمق وتقاطع بين الشخصيات مع هذه الأحداث، لنقول في النهاية إنها رواية جمعت الذاتي بالخارجي وقدمت الذات، والشخصيات الروائية وارتباطها بالتاريخ.. حقيقة لا أعلم هل هذا الضعف في حبكة الرواية، وفي مفهوم السرد، والرواية يعبر عما يعرفه جمهور كبير من كتاب الرواية في الوطن العربي، ولا أقول روائيين، فلكلمة الروائي إحالات كثيرة لحرفية وتقنية عالية لا يملكها الكثيرون..
في روايتين خليجيتين اطلعت على النقيضين في فهم عملية السرد ومفهوم السرد، لم يقدما مفهوم الرواية بمعناه الحقيقي والمفترض، (وليس المتحقق على أرض الواقع نسبة لما يشيع من ممارسة بعض الكتاب للفن الروائي في الوطن العربي)، مع تقتير أحدهما باللغة الأدبية، وإفراط النموذج الثاني باللغة الشعرية على حساب السرد.
العمل الأول هو رواية الذي لا يحب جمال عبدالناصر للكاتب العماني سليمان المعمري، المتمكن جدا من فن القصة القصيرة، بينما لا أراه محترفا في فن الرواية، وإن كانت لديه بعض تقنيات السردية، من مثل تحليل الشخصيات والوصف، والاطلاع الجيد على نصوص أدبية عالمية، لكنه ينقصه السرد المشوق والمحفز، فهو اذ يتبنى مفهوم الحبكة المفككة، التي تدور جميعها حول تفسيرات وتصورات حول مواقف جمال عيدالناصر، بسيوني، الثورة المصرية الحالية، والمظاهرات العمانية التي ادارها الشباب العماني للمطالب بمزيد من الاصلاحات. الرواية بأحداثها القليلة تكثر بها التفسيرات، إذ يحسب لها التحليل النقدي الجريء لعلاقات الشللية الثقافية، باتت معروفة لدى المثقفين أنفسهم ولكنها تغيب عن جمهور القراء الذي يفترض الهالة المثالية المحيطة بالمثقين العربي، ويحسب لها تبنيها لواقع المرأة العمانية بشكل عرضي إلا إنه يقدم تعبيرا حقيقيا لحالة المرأة العمانية. كذلك تركيزها على مكان الجريدة الذي هو معمل لنشر الأفكار، وعبور الأيديولوجيا، والتطرف، والصراع أيضا من أجل حرية الإعلام، وفضاء لتقبل الآراء أيضا. إلا إن هذا الوضع الافتراضي، لم يكن هو التطبيق الفعلي في الرواية، حيث يجعل الكاتب من رواته المتعددون تعدد شبيه بأسلوب رواية إسمي أحمر لأورهان باموك، مادة لإدانة الفكر الإخواني المعادي لجمال عبدالناصر، متمثلا بشخص بسيوني، الذي وفق رواية سليمان المعمري لم يكره عبدالناصر إلا لكونه صادر الملكية المصرية، مقصيا بذلك حقيقة اقصاء عبدالناصر للأخوان المسلمين، ونظام عبدالناصر الديكتاتوري، ويبدو لي إن المعمري قد تناسى إن من يكره جمال عبدالناصر من أجل مصادرة أموالهم هم إقطاعيو وبشوات مصر، ولا أعتقد إن الأخوان المسلمين يحملون هذا العداء التاريخي لعبد الناصر بسبب مصادرة الثورات، فماقدمه الكاتب هنا نوع المغالطة التاريخية، المحملة بالأيديولوجيا المقصودة ضد الأخوان المسلمين. بالطبع، أنا لا ألومه على تخوفه من المد الأخواني السائد، ولا أخالفه إن ما يقدم من الأخوان من كونهم مبرمجين فكريا، ومعبأيين، أيضا، ولديهم اتجاه في إقصاء الآخر، نعم هذا هو السائد في مروياتنا عن الأخوان المسلمين، ولكن هل هذا حقيقي بنسبة ستين بالمئة على الأقل، وهل هذا يصدق على جميع الأخوان، وأليست هناك نظرة نمطية مقابلة لها بالفكر الليبرالي العربي لمن هو مختلف معه في تطبيق مفاهيم الحياة، تقابلها فكرة نمطية عند الأخوان والسلف أنفسهم بإن الليبرالي متحرر دينيا أو ملحد، ومنحل أخلاقيا، هاتان نظرتان متقابلتان مختلفتان بالاتجاه متساويتان بمقدار رد الفعل، تمثلان صراع الأضداد بين التيارات الفكرية العربية، تضران الساحة الثقافية الفكرية بإعادة إنتاج الصور الثابتة عن الآخر مثل ثنائيات الشرق والغرب، العالم الأول والثالث التي حاربها إدوارد سعيد مرارا وتكرارا في العديد من مؤلفاته..والتي نتمنى أن يتخلص منها مثقفونا على الأقل.
الأمر الفني المهم في الرواية، هو استدعاء وحضور شخصية جمال عبدالناصر بالنص، فالشخصية من ناحية فنية تقنية لم تقدم شيء للعمل، إلا لإثبات كره الأخوان له، ورعبهم من حضوره، حيث دخل بسيوني بغيبوبة لمجرد رؤيته لعبدالناصر، الذي سمح له حارس المقبرة أن لا يزور إلا من يكره جمال عبدالناصر. إذ كان ظهور عبدالناصر فرصة للحديث عن من لا يحبه الأخوان، ولو نظرنا للسياق التاريخي الحالي، لرأينا من برز وظهر هم الأخوان المسلمين، بينما التيار الناصري تيار موجود من ضمن التيارات ليست له هذه السطوة الفعلية الحقيقية كماهي سطوة الأخوان على المجتمعات العربية من المحيط حتى الخليج (هذا لا يعني إني أبارك هذه السطوة ولكني فقط أرصد الواقع كما هو)، إذن يبدو لي إن جمال عبدالناصر استحضر في وعي الكاتب اثناء كتابة العمل للإغراء وجذب القارئ الذي يحب جمال عبدالناصر، واستفزاز الآخر الذي لا يحب جمال عبدالناصر، ورسم صورة كاريكاتيرية ساخرة له أمام القارئ العربي العادي أو الحزبي المعادي لتيار الأخوان المسلمين.
الإشكال الحقيقي في رواية سليمان المعمري، التي كان من الممكن أن يحسب لها تقنية تعدد الأصوات السردية فيها لولا إنها استخدمت لإدانة الآخر المختلف عنها، هو الإكثار من الوصف والتعليق على تصرفات الشخصيات والأحداث، أكثر من وجود التشويق اللازم للسرد، بلغة تقريرية عادية لم تغرف من بحر اللغة الأدبية، أليس الأدب فن اللغة الأدبية بامتياز، التي تنطلق من وعي جمالي إنساني..
من جانب آخر، السرد الأدبي ليس شعرا أو فنا غنائيا، بل هو سرد ينطلق من لغة أدبية جميلة شعرية مقتصدة، بقدر ما تضر اللغة التقريرية بالعمل الروائي، وتجعلنا نتساءل عن الفرق بينه وبين لغة المقالة والدراسات النفسية والاجتماعية، بقدر مانجد إن الغرف من بحر اللغة الشعري الفياض على حساب السرد والقص هو تغرييب للرواية عن مفهومها الحقيقي والأصيل القار عند الروائيين ونقاد الرواية. أن تقرأ رواية تفيض بالشعر وتفسير الأمور البسيطة والعادية بصفحات كثيرة محملة بالانحرافات الأسلوبية الرائعة في سياقها الطبيعي فقط، وليست المتدفقة بمناسبة سردية وغير مناسبة، هذا يقودنا أن نعرف ونعرف القارئ بإن هذه رواية غير مكتملة وليست ناضجة فنيا،، رواية آخر نساء لنجة للكاتبة الإماراتية المتميزة في فن القصة القصيرة، كما هو المعمري أيضا، تعد برواية ولكنها لا تقدم المفهوم الحقيقي للرواية، الرواية ليست خواطر شعرية فياضة، بل هي رؤية وحبكة، ووعود ووفاء، فالأحداث الأساسية في الرواية شبه غائبة، ولم تحظ بتوضيح من الساردة:
فلو رتبناها زمنيا هي كالتالي:
– زواج زريقة من السردال إبراهيم وانتقالهم إلى جلفار وموته.
– موت ام الساردة ميعاد.
– زواج الأخوات وبقاء ميعاد.
– زواج ميعاد من يوسف بعد تمنع طويل من جدة الساردة.
– اختفاء يوسف،
– طلاقها منه بعد سنوات
– موت الجدة وبقاء علاقة الساردة بسالم معلقة فتنتهي الرواية ولا نعلم إن كانت ستتربط به أم لا..
هذه هي احداث الرواية البسيطة حقيقية ولا تحتمل 261 صفحة، حيث إن الساردة تدور من خلال المونولوج والبوح الذاتي حول هذه الأحداث، تبث حزنها وشكواها، تعد بذاكرة تعانق الجذور والتفاصيل للماضي ولكن من دون سرد رؤية وتحليل لهذه التفاصيل التاريخية، إلا إذا اعتبرنا الأحداث السابقة هي جل ما تحمله الذاكرة. فما هو المقصود مثلا من استدعائها بعض المعارك الصغيرة، ودلق النفط في الخليج.. لم توضح الساردة ولكنها تلتقط هذه الصور من هنا وهناك، تدور حول الأمكنة بلا هدف ولا رؤية، تبكي الفقد، ولا نعلم لم تبكيه، تتحدث عن ذاكرة الجدة زريقة، ولكن من دون أن تقول لنا شيئا قيما بحجم هذه الذاكرة المفترضة، فما الجديد في جدة تزوجت وأنجبت في زمن ما، وأين هي مسيرة الكفاح التي تفترضها لغة الساردة، ولم تزوجت أختا الساردة، ولم تتزوج ميعاد، وماهي العلاقة السرية بين المرأتين، لم تتبين لنا هذه من عوالم الرواية، ولم تعطينا الساردة مفاتيح دلالية كافية لفهم هذه العلاقة..
حقيقة أرى إن لولوة المنصوري في هذا العمل متأثرة لغويا وشكليا بالسرد المغاربي بشكل عام والجزائري بشكل خاص، فلغتها أقرب لأحلام مستغانمي، وحديثها عن ثقل وعنف الذاكرة أيضا مشابه لما طرحته الرواية الجزائرية في الفترة الماضية، من عودات تاريخية واضحة المعالم قدمت في سياق سياسي واجتماعي يفسر حالة جزائرية خاصة من مثل أيام العنف في العشرية الحمراء، والعودة إلى تاريخ الجزائر للتفسير أو إضاءة جوانب مشرقة من الماضي. إلا إن المنصوري في هذا التأثر نسيت أن تجمع بين الشكل والمضمون، بين الروح والجسد، بين الحكاية والخطاب الروائي، الذي قدمته أحلام مستغانمي بشكل أكثر تماسكا، من رواية المنصوري المفككة في حبكتها، والغائبة عن التشويق السردي..
لا أستطيع أن اعتبر رواية آخر نساء لنجة إلا حكاية شقاء خليجية حاولت أن تقدم إشكاليات الهوية والذاكرة، وملامحا من الإمارات الحديثة، واستحضار أمكنة الماضي بذاكريتيها الحديثة والقديمة، قدمت حوارا أدبيا مع العديد من النصوص الأدبية المذكورة في الرواية بشكل صريح والمضمرة عن قصد وغير قصد، فقدت الفرصة في أن تقدم بخطاب روائي متماسك وجاذب للمتلقي بكافة أنواعه..
ماتم تقديمه هو نموذجين للروايتين أعلاه لم تقتربا من مفهوم السرد الحقيقي بدرجات متفاوتة. أخفق النموذج الأول في تقديم رؤية إنسانية متسامحة مع الآخر بسبب تطرف الأيديولوجيا، والخوف القابع في الوعي الليبرالي من مد الأخوان المسلمين، كما قل فيها السرد وكثر فيها الوصف والتحليل، بلغة تقريرية عادية، يقابله نموذج آخر يغرف من الشعر والوصف والتحليل، ويقصر في فعل السرد والتشويق والتحليل المنطقي، إلا إنه من المنصف نقول إن المعمري يقترب كثيرا من فنيات السرد في التحليل والاسترجاع ورسم شبكة العلاقات الروائية أكثر من المنصوري.
وأخيرا، أظن من المجدي للكاتب العربي أن يقرأ عن فن الرواية بتعدد اتجاهاتها ومدارسها كثيرا قبل أن يكتب رواية، فليس من الكافي ان تقرأ لأدباء عالميين وتضمن بعضا من أفكارهم ونصوصهم في العمل عبر بوابة التناص الأدبي، من دون منطقية في الاستدعاء، وتقول عن حكاية بسيطة في قسماتها، رواية.
سليمان المعمري، رواية الذي لا يحب جمال عبدالناصر، الطبعة الأولى، 2013م.
لولوة المنصوري، رواية آخر نساء لنجة، دائرة الثقافة والإعلام، الطبعة الأولى، 2013م.
*ناقدة وكاتبة كويتية
‘