نيويورك ـ «القدس العربي»: كان المتوقع أن يرتقي خطاب التنصيب للرئيس المنتخب دونالد ترامب إلى مستوى المناسبة المهمة في التاريخ الأمريكي منذ قرر الرئيس الأمريكي الأول جورج واشنطن أن يتنحى عن الرئاسة طوعا بعد دورتين (1789-1797). لقد جاء خطاب الرئيس أمام حشد متواضع يعادل نصف من تجمعوا للاستماع لخطاب تنصيب أول رئيس أسود يوم 20 كانون الثاني/يناير 2009 مخيبا للآمال بكل المقاييس. واعتبرت أكثر من جهة الخطاب انتخابيا وأقرب إلى خطاباته أثناء حملة الترشيح التي ملأها بالوعود لدغدغة مشاعر الغالبية البيضاء الخائفة من المهاجرين والمسلمين والإرهاب والجيران والشركات الكبرى. لقد وعد مناصرو ترامب أن يكون خطاب التنصيب توحيديا لكل الأمريكيين لدمل جراح الحملة الانتخابية الأقذر في التاريخ الأمريكي إلا أن المفاجأة كانت أن الخطاب كان تعميقا لتلك الخلافات وتوسيعا للشقوق وتصعيدا في خطاب الكراهية.
أمريكا أولا
كرر الخطاب أن أمريكا في عهده الجديد ستدخل مرحلة جديدة إعتبارا من اليوم واضعة شعار «أمريكا أولا» موضع التنفيذ. يقول في خطابه إن هذا اليوم له معنى خاص. لأن هذا التنصيب «لا يعني إنتقال السلطة من إدارة إلى أخرى بل نقل السلطة من واشنطن العاصمة إلى الشعب الأمريكي».
هذا شعار ديماغوجي في أسوأ حالاته – فكل سياسات الرؤساء السابقين بدون استثناء تضع مصلحة الولايات المتحدة الاستراتيجية أولا سواء في العمل العسكري أو السياسي أو الاقتصادي. وفي عهد الرئيس أوباما الذي أنقذ البلاد من الأزمة الاقتصادية الحادة التي وصلت ذروتها عام 2008 لم تشعر الولايات المتحدة بفترة راحة داخلية من الناحيتين الأمنية والاقتصادية مثلما كان الحال في السنوات الثماني الأخيرة. وهذا الشعار لا يعني شيئا فواشنطن تحتضن ممثلي الشعب الذين تم اختيارهم من الولايات الخمسين بمن فيهم ترامب نفسه. وشعار «أمريكا أولا» يذكرنا ببعض الدول في العالم النامي التي تحاول أن تعزل نفسها عن محيطها فترفع شعارات كهذه لاستثارة نعرات عرقية أو دينية. أمريكا لا تستطيع أن تعيش في معزل كونها الدولة الأعظم في العصر الحالي ومتشابكة بطريقة معقدة مع دول العالم عسكريا وتجاريا واقتصاديا وسياسيا. فالعولمة بدأت منها وثورة الإنترنت مقرها هنا والاقتصاد الأمريكي ما زال الأقوى والأضخم فأي عزلة يدخل ترامب البلاد فيها سترتد نتائجها السلبية لا محالة على الشعب الأمريكي.
تأييد الملايين لترامب
قال في خطابه «لقد جئتم بعشرات الملايين لتصبحوا جزءا من حركة تاريخية لم يشهد العالم مثيلا لها». وهذا إفتراء على الحقيقة فهو رئيس انتخب بسبب نظام المجاميع الانتخابية ولو ترك أمر حسم الانتخابات لعدد الأصوات لما وصل إلى مثل ذلك التنصيب. فقد خسر التصويت الشعبي بفارق 2.9 صوت وبالتالي فقد حصلت هيلاري كلينتون على أعلى نسبة في عدد الأصوات لرئيس خاسر في تاريخ الولايات المتحدة. لقد ربح ترامب ثلاث ولايات متأرجحة بفارق بسيط جدا لكن النظام الانتخابي يعطيه كل أصوات المجمع الانتخابي. فمثلا خسرت هيلاري ولاية ميشغان بفارق 10،704 أصوات فقط ووسكنسون بفارق 22،177 صوت وبنسلفانيا بفارق 44،453 صوت. ولو شارك العرب فقط بكثافة في التصويت في هذه الولايات وجمعوا نحو 77،000 صوت لخسر ترامب الانتخابات ولحصلت هيلاري على 278 صوتا من المجمعات الانتخابية مقابل 260 لترامب.
وعلى عكس كل الرؤساء السابقين فقد انتشرت المظاهرات ضد تنصيبه في عديد من المدن الأمريكية وسارت في العاصمة مسيرة تقدر بنحو 700،000 متظاهر من بينهم مئات الألوف من النساء واعتقل أكثر من 217 متظاهرا. وقد وعد منظمو المظاهرات أن يلاحقوا ترامب في كل مكان وكل مناسبة. فهذا رئيس يأتي إلى البيت الأبيض وفضائحه تسابقه ليس في موضوع احتقاره للمرأة بل واهانته للأقليات والأديان إضافة إلى تهربه من دفع الضرائب لأكثر من 20 سنة مستغلا بعض المسارب والشقوق في قانون الإفلاس. ويتوقع بعض المحللين الخبراء بالشأن الداخلي في واشنطن أن هناك احتمالا أن تشهد السنة الأولى من حكم الرئيس ترامب تسريبات عديدة تسبب احراج الرئيس وشل حركته وقد تؤدي إلى إدانته وعزله من الرئاسة خاصة فيما يتعلق بعلاقاته مع الرئيس الروسي بوتين.
الفقر والجريمة
يدعي ترامب أن العديد من الأمهات والأطفال يعانون من الفقر في دواخل المدن وأن الجريمة والعصابات والمخدرات قد أدت إلى مقتل العديد من أبناء المدن. وقال «هذه المذبحة الأمريكية ستتوقف هنا والآن».
نسبة الفقر في المدن الكبرى والأحياء الشعبية مستقرة على 13٪ وهي أقل قليلا من المعدل العام للفقر في البلاد التي تتراوح حول نسبة 13.5٪. وبقيت هذه النسب مستقرة تقريبا في عهد الرئيس أوباما الذي إستطاع تخفيض نسبة البطالة من 10.5٪ عند استلامه الرئاسة عام 2009 إلى أقل من 5٪ عند مغادرته البيت الأبيض.
أما عن الجريمة فقد شهدت البلاد انخفاضا حقيقيا في نسبة الجرائم. لقد ارتفعت النسبة قليلا في العامين الأخيرين إلا أن الانخفاض ما زال كبيرا قياسا بما كان يرتكب من جرائم في العقدين السابقين. فقد انخفضت نسبة الجريمة عام 2015 بنسبة 0.7٪ عن عام 2011 وانخفضت بنسبة 16.5٪ عما كانت عليه عام 2006.
تراجع القدرات
العسكرية الأمريكية
يدعي ترامب أن الصناعات الأجنبية ولعدة عقود اغتنت على حساب الصناعات الأمريكية. وبينما تساعد الولايات المتحدة جيوش الدول الأخرى تسمح لنضوب وتآكل القوات العسكرية الأمريكية.
وهذه أيضا شعارات مشوشة وغير دقيقة وخطيرة. فالشركات الأمريكية هي التي استفادت من ترحيل بعض المصانع في الدول ذات العمالة الرخيصة واستطاعت أن تبقي على أسعار تنافسية منخفضة نسبيا. فلو فرضاً أغلق أحد المصانع في المكسيك وأعيد تركيبه في الولايات المتحدة وأتاح فرصة عمل لعدد كبير من الأمريكيين، سترتفع الأسعار بشكل صارخ. فالعامل الأمريكي يتقاضى أجورا عالية جدا مقارنة بالمكسيكي والفلبيني والهندي. يضاف إلى ذلك التأمينات الصحية والمعاشات التقاعدية. وإذا ما ارتفعت الأسعار ستنتج تضخما أكبر وينخفض سعر الدولار وينعكس كل ذلك على حركة البورصة التي ستتعرض لخسائر كبيرة ما يثير الذعر لدى المستثمرين فيضطر بعضهم إلى تحويل استثماراته إلى أوروبا أو اليابان وتخرج الصين بنصيب الأسد من أي أزمة اقتصادية في أمريكا.
وأما عن القوة العسكرية الأمريكية فكلام ترامب خاطئ، فميزانية الدفاع في أمريكا تعادل عشرة أضعاف الدولة التي تليها وهي روسيا وتزيد عن ميزانيات الدفاع للعشر دول التي تليها. وما زالت القوة العسكرية الأمريكية لا مثيل لها في العالم حسب موشرات مراكز الدراسات العسكرية والاستراتيجية التي تضع 46 مؤشرا لقياس القدرات العسكرية حيث تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في كافة المؤشرات. فمثلا لدى الولايات المتحدة 19 حاملة طائرات بينما روسيا الدولة الثانية لا يوجد لديها إلا أربع حاملات.
وتصرف الولايات المتحدة على ثلاث قواعد عسكرية كبرى في اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية 10 مليارات دولا فقط وهو مبلغ متواضع جدا قياسا بالفوائد الاستراتيجية لهذه القواعد وخاصة خطر كوريا الشمالية. ثم تقدم الولايات المتحدة لإسرائيل ومصر مساعدات بقيمة 6 مليارات دولار لكن الشرط أن يصرف معظمها في شراء مواد عسكرية من الولايات المتحدة أو تدريبات أو صيانة. وللعلم فقط فقد باعت الولايات المتحدة للسعودية أسلحة ومعدات عسكرية وطائرات مقاتلة عام 2016 ما يزيد عن 60 مليار دولار.
نستطيع أن نتابع الخطاب بتفاصيل أكثر ولكن هذه العينة تكفي للاطلاع على خطاب التشويش والغوغائية والشعارات الفارغة التي تدغدع الأحلام والوعود التي يصعب تحقيقها.
في أول قرارته بالمكتب البيضاوي
ترامب يوّقع مرسوما بإلغاء «أوباما كير»
وقّع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مرسومًا تنفيذيًا يتعلق بإلغاء قانون «الرعاية الصحية بأسعار معقولة» المعروف لدى الرأي العام في الولايات المتحدة باسم «أوباما كير» وذلك في أولى خطواته في البيت الأبيض عقب تنصيبه رسميًا، الجمعة.
وفي بيان صادر عنه، أشار البيت الأبيض إلى أن ترامب الذي أدى اليمين الدستوري وقّع في ساعاته الأولى بالمكتب البيضاوي مرسومًا تنفيذيًا يتعلق بإلغاء قانون «أوباما كير» الذي تعهّد بإلغائه خلال حملته الانتخابية.
وقال البيت الأبيض إن المرسوم الذي وقعه ترامب بشأن قانون «أوباما كير» يهدف لاتخاذ تدابير من شأنها التخفيف من الأعباء الاقتصادية على المواطنين.
والأسبوع الماضي، أقرّ مجلس الشيوخ الأمريكي، مشروع قانون موازنة غير ملزم يُتيح إمكانية إلغاء قانون «أوباما كير» في أول خطوة تتيح تقديم مشروع قانون لإلغاء «أوباما كير» الذي يمثل الإرث الأكبر للرئيس الأمريكي المنتهية ولايته باراك أوباما والذي قد يؤثر بشكل كبير على 23 مليون مواطن أمريكي، اعتبارًا من شباط/فبراير المقبل .
وقال ترامب، مؤخرًا، إنه ينبغي وضع قانون جديد مكان «أوباما كير» حال إلغاء الأخير، لكنه امتنع عن الإدلاء بالمزيد من التفاصيل عن حزمة الإصلاح الجديدة في هذا الإطار.
عبد الحميد صيام