يعتمد «نظام تغذية مُغلقا بينه وبين ذاته» وعصي على اللمسات المتأمركة
بيروت ـ «القدس العربي»: «شب جديد» مغني راب آت من فلسطين إلى بيروت للمرة الثانية. حفله على مسرح «مترو المدينة» شكّل مفاجأة، فالحشد فاق التوقعات. وما أن أطلّ على المسرح واجتاحت مؤثرات الصوت والبصر المكان الفسيح حتى «ولعو» الشباب. بصوت واحد «فلسطين حرّة». إنها الموضة السائدة في العالم الآن كما الكوفيات، ربما تعبيراً عن العجز في إيقاف هولوكوست القرن الـ21 على ناس غزّة.
وكأن هذا الحشد كان يعرف الأغنيات عن ظهر قلب ويرددها مع «شب جديد»، وبدوره يتقن بذكاء لعبة التواصل مع الجمهور، الذي لم يكن بالمطلق يحتاج لشرارة كي يهب بقوة أكبر.
«شب جديد» مغني راب يكتب كلماته المنحوتة من وعي سياسي ووطني متجذر، لا يهادن، واضح في التعبير عن ما يريده. جذري فيما يتعلّق بمفاهيم قضيته، رافض لأية مساومة.
يغلب على الحوار مع «شب جديد» تعليقات عفوية تأتي في سياق شخصيته كالسخرية. جريء في توصيف ما يريده أو في إجابته عن أي سؤال، مختصر غير مطيل، عينه ثاقبة، ذكاؤه حاد، يحمل في داخله أثر لعبة الحرب التي لعبها مع أطفال وطنه المحتل من الصهيونية.
في هذا الحوار مع «شب جديد» أسئلة لم تكن لها إجابات، وأخرى طُلب شطبها. وهذا ما تبقّى:
○ لماذا أخترت «شب جديد» إسماً فنياً؟
• ببساطة كنت مع الشباب نعدّ لأغنيات جديدة، وبيننا شاب جديد انضمّ إلينا حديثاً. بعفوية غنيت له «شب جديد شب جديد شب جديد». وإذ بالشباب يطلقون عليَ اسم «شب جديد»، إنها الصدفة. بالنهاية الشخص يصنع الإسم، وليس الإسم من يصنع الشخص.
○ قرأت أن سنة 2015 شكلت بدايتك؟
• صحيح. في سنة 2015 انضممت إلى مجموعة شباب في رام الله تكتب الأغنيات، وهكذا بتّ أكتب أغنياتي. وفي سنة 2017 التقيت بشريكي «الناظر»، وأسسنا وسجلنا شركتنا BLTNM، وكان ذلك في سنة 2018، وبتنا خمسة شركاء، وأنطلق مشروعنا.
○ وماذا عن شركة «بلاتنم»؟
• إنها شركة إنتاج وتوزيع فلسطينية مقرّها رام الله. وإلى جانب شب جديد وفريق الإدارة، هدفنا تمكين الفنانين الفلسطينيين المنضوين إلى الشركة عبر توزيع أعمالهم، وغيرها من الخدمات المطلوبة. وفي الشركة الآن خمسة فنانين، نلتزم بتقديم الخدمات لهم. وتُنفّذ الشركة ما يطلبونه من نوعية صوت، وتنظيم حفلات خارج فلسطين.
○ قبل أن تصبح رابرز هل كان لديك مشروعاً آخر كمهنة حياة؟
• سعيت مع إبن عمي لجمع المال بهدف شراء «باص» من نوع مرسيدس، وتشغيله في الجولات السياحية، على أن أشغل مهمة السائق، وإبن عمي الدليل السياحي. الحمدلله لم نشتر الباص، فقد حلّت كورنا وأنقذتنا من قطوع مالي.
○ ما هي المشاعر التي تحثّك على التعبير؟ وماذا تشعر بعد ولادة كلام جديد أو «تراك» جديد؟
• بعد الانتهاء من الكتابة تنتابني مشاعر الراحة والهدوء، تماماً كما يشعر الراقص أو الراقصة مع نهاية الوصلة. فبدل البحث عن صديق أو عن معالج نفسي أروي له مشاكلي، أكتب ما يجول في خاطري من أفكار وأغنيها. وهذا ما أختصره بنظام تغذية مُغلق بيني وبين ذاتي.
○ ماذا عن أحلامك خلال المدرسة؟ وهل أكملت دراستك؟
• لم تكن عندي أحلام. أنهيت الثانوية العامة وتسجّلت لثلاث سنوات متتالية في الجامعة سنة أولى «يقولها ممازحاً» وتخرجت بدبلوم سنة أولى باختصاص هندسة الميكانيك والتصميم الصناعي.
○ وهل كان قرار التخلي عن الدراسة الجامعية لصالح فن الراب سهلاً؟
• تخوّفت في البدايات. في وعينا أن الرابر رجل يرتدي ملابس «الكاوبوي ويويو وأجنبي ومتأمرك»، ونحن لسنا كذلك. عندما تأكدت بأن أكون رابر كما أنا وبدون تغيير، وأن يكون لي احترامي أمام عائلتي وأهلي وأصدقائي، بدأت. وعندما علمت مجلة «معازف» الموسيقية الإلكترونية بوجودنا وبأغنيات، نظمت لنا حفلات في مصر. مع معازف شعرنا بأننا أمام مستقبل مفتوح، وتأكدت ضرورة الاتقان الكامل للعمل. ومن ثمّ ولدت شركة «بلاتنم»، وأنطلق العمل، إلى أن بتنا أمام الواقع الحالي.
○ وماذا عن العلاقة الحالية مع معازف؟
• شكلت معازف بالنسبة لنا حليفاً استراتيجياً، ومستمرة كذلك وللأبد. وعندما أخذت معازف بيدنا إلى مصر، وحينها كان عندي 300 متابع، بعودتي بات الرقم 800. وتلقيت بدل الحفل 600 دولار، وكان مبلغاً جميلاً لرابر بعمر صغير.
○ هل ولدت أغنية «وأنا نازل ع قلنديا ودعتيني» بسهولة؟
• كتبتها على مدى تسعة أشهر. ومعها كتبت أغنية «عين عالجارة وعين عالدار». وأنا بصدد كتابتهما فكّرت بأني سأكتب أغنيتي التي تمثّلني وللأبد. نشرت «وأنا نازل ع قلنديا» مع فيديو كليب على يوتيوب، ومعها حققنا القفزة النوعية من شباب الـ«اندرغراوند» الذين يسمعون بعضهم، ويسمعهم محيطهم، إلى مستمعين آخرين كثر. نعم تلك الأغنية شكّلت محطة.
○ في أية مناسبة قلت «مش مضطرين نعيط كفلسطينيين.. فخورون بأننا فلسطينيون»؟
• ولدنا ومعنا قضيتنا كفلسطينيين. لأحدنا أن يحمل تلك القضية طوال عمره ويتاجر بها «شوف قضيتي.. انظر إليَ أنا فلسطيني.. شوفني أبكي.. شوفني أموت.. شوفني أتعب»، وهذا ما يُستخدم للاسترزاق. هؤلاء نعرفهم «ع الريحة». شخصياً وعائلياً نرفض هذا السلوك، لن نبيع قضيتنا، ما نستطيعه صياغة أغنيات جميلة، تترك في نفوس المتلقين أثراً أو لا تترك. ومن لا يعرف أن دمي فلسطيني فليس ضرورياً أن يعرف الآن.
○ ترى أن حريتك في التعبير كافية؟
• صحيح، وليس عندي أي ملف مفتوح أو قضايا مع أية سلطة في الدنيا. أنا بحالي والسلطات بحالها «ما بدق بحدا».
○ تعبّر بدون استهداف إشخاص؟
○ مئة في المئة. ونحن لا نتقوقع بنماذج، ولسنا مضطرين لذلك.
○ وهل كانت نتائجك الدراسية جيدة؟
• كنت الأول على صفي.
○ هل تحفظ شعراً؟
• ما كان مطلوباً كواجبات مدرسية.
○ هل من شاعر من فلسطين تهتم بشعره؟
أهتم بالشاعر مظفّر النوّاب كفكرة، أكثر من الرغبة بقراءة وحفظ شعره. أحب رفضه. وكذلك أحب غناء الشيخ إمام وشعر أحمد فؤاد نجم. هؤلاء هم أصحابي. ورحم الله زياد الرحباني أحبه وأقدّر رفضه.
○ لزياد فنه الخاص الذي يستوحيه من الناس لأنه عاش وسطهم كما أنه قارئ. ماذا عنك؟
• أيام زياد رحمه الله كانت القراءة مصدر المعلومات. في حاضرنا فرط معلومات مقزز جداً. عائلتنا في فلسطين تمتاز بكونها أكاديمية.
○ تحاول أن تعطي من يجالسك شعوراً بعلاقة غير مبالية لك مع الحياة. هل الواقع كذلك أم تخفي غضباً؟
• هو مظهر ضروري «قدّام الكاميرا» كما يُقال. لا يصحّ أن أبيع روحي لكل شارٍ. ثمة وجه للناس، وآخر احتفظ به لنفسي ولعائلتي وأحبابي.
○ هل تُحبُّ حفلاتك في لبنان؟
• منذ حفلي الأول في بلدكم آمنت إيماناً راسخاً بأننا بلد واحد لولا جوْر الاستعمار علينا. لسكان جنوب لبنان وشمال أرضنا الفلسطينية المحتلة في الجليل اللهجة نفسها وكذلك العادات.
○ إلى «الناظر» الذي يكتب الـ«بيت» من هو الفريق؟
• نحنا لسنا بفريق بل شركة وبداخلها عدّة فرق.
○ تهتمون جداً بالمؤثرات البصرية والصوتية وكأنكم في عرض عالمي. من هم المبتكرون؟
• يستلزم العرض تحضيراً كبيراً خاصة ما هو متعلق بالشق البصري. هناك فريق من منتج ومخرج، ومهندس صوت، والعديد من الذين يبتكرون أفكاراً خلاقة لكل حفل ولكل أغنية يتضمنها البرنامج.
○ هل ترى مهنتك مرهقة؟
• بل أحلى شغل بالدنيا.
○ وماذا عن الحفلات في الهواء الطلق؟
• لا أحبذها. الجمهور والمسرح هما من يحكمان الحفل. إذا كان المسرح صغيراً والجمهور جميلاً يحدث التعويض.
○ ماذا تقول عن فن الراب العربي الآن؟
• تشظى وانتشر. الراب موجود بكل أنواعه، ومنتشر بكافة اللغات واللهجات في العالم، حتى هناك راب مع بزق.
○ هل لفن الراب أن يُعبّر عن قضيتك كإنسان فلسطيني؟
• شخصياً كعدي معجون بالسياسة من بداياتي. والحرب لعبتي منذ الطفولة وكبرت وسطها، لذلك أعبّر من خلال الراب. ومن يختار ألعاب الباربي فليعبر بدوره عن قضيته من خلالها. كل إنسان يُعبّر عن شخصيته من خلال فنه. الراب بسيط، فبدل كتابة الشعر والوقوف لإلقائه أمام جمهور محدود العدد، أضع السمّاعات على أذني «أصيّح وأفجّر» والجمهور يفرح.
○ ماذا عن البلدان العربية التي لعبت فيها؟
• مصر، وتونس، والأردن، ولبنان وقديماً الشارقة. وطبعاً في بداياتنا في فلسطين. إلى حفلات في عدد من البلدان الأوروبية.
○ ومن هو جمهوركم في أوروبا؟
• لكل بلد جمهور خاص به. ففي لندن الجاليات العربية والقليل من الأجانب. في برلين تغلب الجالية السورية على الجمهور. في إسبانيا استضافنا مهرجان دولي، وحضرنا جمهوره. وفي هولندا كان الجمهور سورياً. وفي الدنمارك حضرنا دنماركيون. «ويضحك».
○ لماذا تضحك؟
○ حضر الجمهور لأنني فنان فلسطيني من دون أن يعرفوا عني أية تفاصيل. وقف أمامي حوالي 2000 متلقي يحدقون بي، ولا يفقهون كلمة مما قلته.
○ ألم تكن الأغنيات مترجمة؟
• المرّة الوحيدة التي اعتمدنا فيها الترجمة بعد الحرب على غزّة كانت في حفل مدينة أوتريخت في هولندا. وفي منتصفه كان لصاروخ من إعدادنا كمؤثر صوتي وبصري، أن «يفقع» ويقطع الكهرباء عن المسرح. ومن ثمّ ظهرت بملابس عسكرية وألقيت قصيدة «الأساطيل لا ترهبوها» لمظفّر النوّاب. وإذ بهذا الجمهور يشتكينا للإدارة لأننا لعبنا بأمنهم حسب قولهم.
تصوير: أمل غملوش