«أكثر من 183 سنة مفقودة من تاريخ الإسلام.. أين اختفت؟ نزار الحيدري». أثارني هذا العنوان في أحد مواقع التواصل الاجتماعي المغربي خلال هذا الأسبوع، فقرأته علني أظفر منه بأجوبة تدفعني إلى تشكيل معرفة جديدة بتراثنا. فلم أجد سوى أسئلة قديمة، مكرورة، لا تقدم ولا تؤخر. لقد طرح الكثير من الأسئلة، وكان جوابه النهائي رغم ادعائه الحياد، أن الأمر «قد لا يخلو من التزوير والتحريف، مثلما تم تزوير حقائق تاريخية إسلامية كثيرة وسرد قصص كاذبة وخيالية لا نعرف مصدرها الحقيقي». وأنهى مقالته بتأكيد السؤال: «ماذا حدث في 183 سنة الغائبة؟».
إن ما دفعه إلى طرح هذا السؤال يتعلق أساسا بالحديث النبوي بناء على أن «البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه، جميعهم لم يروا ولم يعرفوا ولم يعايشوا كل الخلفاء الراشدين وخلفاء المسلمين وولاة أمورهم! بل لم يولدوا بعد ولم يولدوا حتى في الجزيرة العربية. إذن من أين جاؤوا بأحاديث النبي الرسول؟ وما هي مصادرهم ومراجعهم؟ ومن هم شهودهم على كل حديث؟ وأين هي وثائقهم التي خطّوها بأياديهم بأصلها؟ بمعنى أن تأتي بـ200 أو 300 أو 500 حديث، فيجب أن يقابلها الرقم نفسه بمخطوطات أصلية، فأين هي تلك المخطوطات؟ إنه دين وعقيدة وشريعة، وليست وجهات نظر نختار منها ما يحلو لنا ونترك منها ما لا تهواه قلوبنا؟».
لا أحد يجادل في أهمية إعادة قراءة التراث العربي قراءة نقدية، وموضوعية تجعلنا نتطور في فهمه وتصحيح ما يمكن أن يكون دخيلا عليه، ومزيفا له، لكن إعادة القراءة هذه ينبغي أن تنبني على منهج، ورؤية، واطلاع واسع على ما أنجز في التاريخ الإسلامي. أما أن نبين للقارئ ما نتوهم أنه البحث عن الجواب، أو عن الحقيقة، من خلال أسئلة بسيطة، فهذا دليل على أننا لم نبذل أي جهد في الاطلاع على ما تركه لنا العرب والمسلمون أنفسهم حول هذا التراث، وكيف جمعوه، وما قاموا به حتى استوى على الصورة التي انتهت إلينا. لا أدخل في التفاصيل فما تقدمه له كتب الحديث النبوي، قديما وحديثا، فوق ما يريد من الأجوبة. ولا ينكر الجهود العلمية التي بذلت في رواية الحديث النبوي إلا غير مطلع أو جاحد. سأتوقف على سؤال المخطوطات وأعجمية رواة الحديث، إن القرنين اللذين أشار إليهما الكاتب ظلت الشفاهة هي المهيمنة فيهما. وحين نتحدث عن المرحلة الشفاهية، نركز على دور الذاكرة الجماعية، إنها الوسيط الأساس الذي يسجل لنا الوقائع والنصوص على اختلاف أنواعها.
وكل الذين قاموا بجمع التراث العربي في مرحلة التدوين يسمون الرواة. أشبه الرواة العرب والمسلمين بعلماء الفيلولوجيا والإثنوغرافيا والأنثروبولوجيا الغربيين في القرن التاسع عشر. سأطرح الأسئلة نفسها عن الشعر العربي، ما هي المخطوطات التي وصلتنا عن الشعر العربي قبل الإسلام وحتى العصر الأموي؟ ما هي المجهودات التي بذلها الرواة في جمع هذا التراث الشعري، وغيره مما وصلنا من كتب في الأمثال والحكايات والأخبار، والتي نعتبرها جميعا من التراث العربي؟ وما هي الطرق التي اتبعوها في الجمع والتدوين. لقد اتبع رواة الشعر واللغة والأدب عامة الطرق التي سار عليها رواة الحديث، وكانوا أقل منهم تدقيقا، لأن رواة الحديث كانوا أكثر تشددا لأنهم كانوا يجمعون الأحاديث النبوية، مؤمنين بقولة الرسول (ص) بأن من كذب عليه «متعمدا» مأواه النار. هذا المبدأ كان راسخا في الأذهان، ومع ذلك كان هناك الوضع، كما كان في الشعر النحل. والمصنفات الجامعة التي وصلتنا من مرحلة التدوين زاخرة بكل النصوص التي تغطي المرحلة التي يدعي صاحب المقال أنها مفقودة. ويكفي الرجوع إليها للعثور على كل المذاهب والطوائف وهي تتجاذب وتتصارع لإثبات مواقفها.
أما عن أعجمية جامعي كتب الحديث فلا أساس له نهائيا. فالعمل العلمي يضطلع به من تتوفر فيه الشروط بغض النظر عن أصله. وكان بعض الأعاجم أحرص على القيام بالأدوار التي تؤهلهم للانخراط في الحضارة الجديدة. إن من فك شيفرات الثقافات القديمة البابلية والفرعونية ليسوا عراقيين ولا مصريين، لكنهم غرباء حتى عن المنطقة الشرقية، ويمكن قول الشيء نفسه عن علماء الأنثروبولوجيا الذين عاشوا مع قبائل لا علاقة لهم بثقافتها، ونقلوا لنا لغاتها، وإبداعاتها وتقاليدها، في الوقت الذي لم يقم بذلك أبناء تلك الثقافات. لقد اضطلع الرواة في مرحلة التدوين بنقل كل شيء، وتحروا في الجمع والتصنيف، فكان ما قدموه لنا غزيرا. وإعادة البحث في هذا التراث في المستوى الذي بذل في جمعه هو المطلوب. الذاكرة الجماعية معين لا ينضب. وأمثل لذلك بشاعر صوفي مغربي (محمد البهلول) مرّ على وفاته أكثر من ثلاثة قرون، وما يزال شعره متداولا إلى هذه الساعة. جمع ديوانه وطبع مؤخرا. فهل علينا للتأكد من صحة الديوان أن نتساءل عن المخطوط الذي تركه البهلول؟ والأمثلة لا حصر لها في هذا المجال. ما أسهل ادعاء تحطيم الأساطير بأسئلة وأكاذيب باطلة!
كاتب مغربي