هذا كتاب جميل في متعته، لكنه قبل ذلك جميل في منهجه وتناوله لموضوعه. كتبه الباحث الذي اعتبره من مفكرينا اللامعين الآن، إيهاب الملاح. أصدره معهد الشارقة للتراث، ومن ثم قدم له مقدمة صغيرة عبد العزيز المسلّم رئيس المعهد. مقدمة تُعلن إعلاء شأن القراءة، وإصدارات المعهد، التي ترسم طريقا واضحا للثقافة الشعبية، طامحة إلى فضاءات عربية وعالمية، من الشارقة مدينة الثقافة في الإمارات العربية المتحدة.
الموروث حلم يريدون تحقيقه، وفي قلب الموروث الشعبي قصص الحيوان. من هنا جاء هذا الكتاب في محبة «الحكاية الشعبية» أحد أجمل وأمتع وأشهى ألوان القراءة في موروثنا الشعبي الزاخر. يبدأه الباحث إيهاب الملاح بداية درامية، فهو مع قيمته البحثية، يمتلك لغة أديب حقيقي، ورؤيا مغايرة للتقاليد البحثية، فيتحدث عن نجيب محفوظ وغرامه بالحكايات الشعبية العربية مثل «كليلة ودمنة» التي ستشغل أكبر مساحة في الكتاب. هذا الغرام الذي كان وراء كتابته لرواية «أولاد حارتنا» برمزيتها ومجازيتها، وإنطاق ما لا يُنطق بالمسكوت عنه، وطبعا لم يفهم القتلة ذلك وحاولوا اغتياله، أو فهموا وحاولوا إلحاقه دون أن يدروا بابن المقفع نفسه. وكذلك غرام نجيب محفوظ بـ»ألف ليلة وليلة» الذي كان وراء روايته «ليالي ألف ليلة».
نجيب محفوظ المغرم بالقصة، الذي دافع عنها مبكرا عام 1945 في مقال موجه لعباس العقاد، الذي رآها أقل أهمية من الشعر، ولخص للعقاد بعد حديث طويل، كيف أن القصة أبرع فنون الأدب التي خلقها خيال الإنسان لمرونتها واتساعها، فهي شعر الدنيا الحديثة، ولا يقلل هذا من قيمة الشعر، لكن القصة سبل اتساعها أكثر.
كانت قراءة محفوظ للتراث القصصي العربي محاولة منه لتجديد شكل الكتابة القصصية. لقد قرأ كما قال في حديث لمحمد سلماوي، الكثير جدا من الشعر والنثر العربي، وقرأ «الأغاني» للأصفهاني والكامل للمبرد وأيام العرب، والملاحم والسير الشعبية العربية، وهو يعتبر «ألف ليلة وليلة» من أهم ما قرأ في الأدب الإنساني كله.
لم تخلُ ثقافة أي أمة من حكايات على ألسنة الطير والبهائم، جعلتها أقنعة ومجازات للتعبير، وتوجيه رسائل صعب البوح بها، أو للتوجيه الأخلاقي. حكايات الحيوان هي قصص تكون الحيوانات فيها هي الشخصيات الرئيسية، وتُعد من أقدم الحكايات الشعبية، إن لم تكن الأقدم على الإطلاق. تقوم حقا على خرافة، لكنها لا تخلو من المعاني والمواعظ. من أشهرها في العالم حكايات إيسوب العبد اليوناني في القرن السادس ق. م، التي رغم عظمتها للأطفال فهي حريته الضائعة. كذلك اضطلعت الحيوانات بدور مهم جدا في تاريخ النثر العربي فكان لها نصيب من الأمثال الشعبية والخطب والشعر والقصص. لقد تصورها العرب تصور الآدمي، فهي تحس وتحاور مثله.. أفرغ لها الباحث بعد مقدمته الدرامية مع نجيب محفوظ، بابين. الأول في أربعة فصول والثاني مختارات من قصصص الحيوان في التراث العربي. يشغل الباب الأول بفصوله الأربعة معظم الكِتاب. يكرس الفصل الأول لمصادر قصص الحيوان في تراثنا العربي، فيتحدث عن كتاب «الوزراء والكتّاب» للجهشباري و»الفهرست» لابن النديم و»كليلة ودمنة» لابن المقفع و»محاكاة ومعارضات كليلة ودمنة» كتاب «النمر والثعلب» لسهل بن هارون و»رسائل الصاهل والشاحج « للمعري ورسالة «محاكمة الحيوان للإنسان أمام الجان» من رسائل إخوان الصفا و»حي بن يقظان» لابن الطفيل و»فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء» لابن عربشاه، ثم قصص وحكايات متفرقة في كتب التراث العربي. يعيد إلينا دراسات رائعة لأسماء عبرت على الحكاية الشعبية مثل، فوزي العنتيل وحسين نصار وسهير القلماوي ومحمد رجب النجار وأحمد علواني وشوقي ضيف، وغيرهم ممن دخلوا هذا المجال وكشفوا عن كنوزه. بالطبع لن أستطيع الحديث عن كل الكُتب التي تحدث عنها، لكن «كليلة ودمنة» فازت، وهذا طبيعي، بالأكثر من الحديث.
لم تخلُ ثقافة أي أمة من حكايات على ألسنة الطير والبهائم، جعلتها أقنعة ومجازات للتعبير، وتوجيه رسائل صعب البوح بها، أو للتوجيه الأخلاقي. حكايات الحيوان هي قصص تكون الحيوانات فيها هي الشخصيات الرئيسية، وتُعد من أقدم الحكايات الشعبية، إن لم تكن الأقدم على الإطلاق.
كليلة ودمنة هندية الأصل نقلها ابن المقفع عن الفارسية (الفهلوية) انتشرت جدا بين القراء، وعرفت ترجمة ابن المقفع التي تمت نحو عام 133 هجرية طريقها إلى لغات العالم، بعد اختفاء الأصل الهندي والفارسي، وصارت هذه الترجمة هي الأصل المعتمد للترجمة في لغات أخرى كثيرة مثل الفارسية نفسها واليونانية والعبرية والتركية واللاتينية والإسبانية والإيطالية وغيرها كثير جدا. هي أول كتاب في تراثنا الحكائي انتقل بقصص الحيوان من الشفاهية في الحكي الشعبي، إلى الكتابة الأدبية، ويعج عالمها بمجالس الحُكم وأصوات النفاق وعواقب الظلم وتجميع قوى الضعفاء، تماما كما هو عالم الإنسان. الكتاب في بنيته العميقة كتاب سياسي على لسان الحيوانات، يعكس قصة الصراع الأزلي بين السلطة والثقافة، على النحو الذي سارت عليه كتب ابن المقفع الأخرى مثل «الأدب الكبير» أو «رسالة الصحابة». لم يكن «كليلة ودمنة» واختيار ابن المقفع له إلا امتدادا للاتجاه النقدي لديه، وإن بطريقة غير مباشرة. هي هكذا، أول كتاب في أدبياتنا السياسية أو علم تدبير المُلك فيه لا يكتفي بتقويض التفويض الإلهي الذي فيه الخليفة ظل الله على الأرض، وفيه يرسم الحقوق والواجبات لكل من الرعية والسلطان. والكتاب رغم مصادرته والتمثيل بصاحبه، فقد تمت محاكاته شعرا ونثرا في أعمال كثيرة، يقف عندها الباحث بالتفصيل.
ابن المقفع في الأصل فارسي مجوسي الديانة، عمل كاتبا في دواوين بعض الولاة، ثم أسلم وانتقل إلى البصرة، فاستفاد كثيرا، إذ فيها تعرف على أهل الحديث والفقه والشعر واللغة والأدب، فأحاط بأسرار العربية حتى قُتل، وقد أجمع المؤرخون على أن قاتله هو سفيان بن معاوية المهلّبي والي البصرة في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور ـ بالمناسبة هناك رواية عن موته بأمر المنصور بوضعه جالسا أمام تنور يرى أجزاء من جسده يقطعونها منه ويلقون بها في التنور حتى مات وحُرق كله – ابن المقفع هو الكوزموبوليتاني الأول في الثقاقة العربية. استهوي الباحث في سن مبكر أيام الدراسة الجامعية، فكان أول بحث كتبه في حياته عنه. احتشد له وقرأ أعماله، وما استطاع الوصول إليه من كتب عنه ودراسات، ووقف عند رأيين متعارضين. الأول يرى ابن المقفع هو المؤسس الأول لفن النثر العربي، وصاحب حجر الأساس في هذه المدرسة البيانية التي امتدت فروعها عبر خمسة قرون متصلة. يمثل هذا الرأي المستشرق الفرنسي وليم مارسيه وتابعه أحمد أمين وتلميذه عبد اللطيف حمزة. الرأي الآخر يعطي هذه الريادة لمعاصر ابن المقفع وصديقه عبد الحميد بن يحيي الكاتب، الذي قيلت فيه العبارة المشهورة «بُدئت الكتابة بعبد الحميد وختمت بابن العميد» وكان طه حسين هو صاحب هذا الرأي، وشاطره فيه زكي مبارك. وأيا ما كان الأمر، فقد كان ابن المقفع صاحب الفضل الأول في تخليص اللغة العربية، من قيودها الشكلية التي كانت سائدة قبل الإسلام، وكان أسلوبه متحررا منطلقا. كوزموبوليتانيته أو عالميته تأتي من كونه من نتاج التأثير المتبادل بين الثقافة الفارسية والعربية. رحلة عظيمة مع النص في التاريخ وتوثيقه، والآراء التي وصلت إلى أن «كليلة ودمنة» تأليف عربي صرف وليست ترجمة، وأثر الكتاب في الخارج فضلا عن أثره العربي، ويمكن جدا أن تكون حكايات لافونتين الفرنسية متأثرة بها بعد ترجمة الكتاب إلى الفرنسية.
لا يكتفي الباحث بذلك فيعود في الفصل الرابع والأخير من الباب الأول لدراسات الفلولكلورعن قصص الحيوان عند مفكرين وكتاب مثل طه حسين وأحمد أمين وزكي مبارك وسهير القلماوي وفاروق خورشيد وغيرهم. وهكذا قبل أن ندخل إلى نماذج من قصص الحيوان في الباب الثاني والأخير، نكون قد قطعنا رحلة رائعة في هذا العالم. عالم قصص الحيوان في تاريخ الإنسانية وفي عالمنا العربي، والآراء المختلفة من الكتّاب والدارسين فلا تترك الكتاب من يدك إلا بعد أن تنتهي منه. تقرأ كأنك ترى..
روائي مصري