إسطنبول: بنجاح نسبي غير مكتمل الأركان ديمقراطيا، عقب استقالة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، يعود صدى الربيع العربي وتلمع خطواته الشعبية بالمغرب العربي بصورة أكبر نسبيا من المشرق، وفق مراقبين.
تونس والجزائر والمغرب تجنبت قليلا الوضع المشرقي الذي غرق بصورة مزمنة في صراعات مسلحة، وانقسامات داخلية جذرية، لا سيما في سوريا واليمن كما ليبيا، وسط تعثر في السودان.
تجنبٌ، عده محلل مصري بارز، يعود لثقافات وتعليم المغرب العربي الأكثر تقدمية عن نظيره بالشرق، بجانب الضغوط الدولية المرحبة بتغيير فوري سلمي هناك.
في المشرق، التعقيدات الإقليمية ووجود إسرائيل والثقافة المشرقية وضعت الربيع العربي في “ولادة متعسرة”، إذ نجح في ميلاد جديد بعدة دول بإسقاط أنظمة، “لكنه يواجه صعوبات وإن لم يمت بعد”
أما في المشرق فالتعقيدات الإقليمية ووجود إسرائيل والثقافة المشرقية وضعت الربيع العربي في “ولادة متعسرة”، إذ نجح في ميلاد جديد بعدة دول بإسقاط أنظمة، “لكنه يواجه صعوبات وإن لم يمت بعد”، وفق مفكر مصري وأكاديمي أردني بارز.
وبعد نحو 8 سنوات من الموجة الأولى للربيع العربي التي انطلقت من تونس أواخر 2010 للمطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة، هبت “موجة جديدة” في السودان (شرقاً) وسط تحفظ شديد من النظام، بينما تكللت في الجزائر (غرباً) بالانتصار واعتراف السلطة بانتفاضة الجماهير.
وحتى وقت متأخر من مساء الثلاثاء، خرج آلاف الجزائريين في احتفالات بالعاصمة ومدن أخرى، بعد ساعات من إعلان بوتقليقة، استقالته بعد حكم استمر 20 عاماً، وعقب أسابيع من الغضب الشعبي.
الربيع العربي الذي انطلق من تونس 2010، ثم مر بمصر وليبيا واليمن وسوريا، تعرض وفق مراقبين لـ”لتعثر”، في الدول الأربعة الأخيرة.
وأجبر الربيع “المتعثر” في الدول الأربعة، الكثير من رموزه وأنصاره على المنفى واللجوء والسجن، علاوة على نشوب مواجهات مسلحة في ثلاثة منها (ليبيا واليمن وسوريا)، وسط تراجع اقتصادي في جميعها، ومحاولات لإجراء إصلاحات اقتصادية توصف بأنها “أليمة ولكن ضرورية”، كما الحال بمصر.
بينما نجحت تونس في الخروج من نفق المواجهات المسلحة، وأُجريت إصلاحات بالمملكة المغربية، وأخيرا اقتنص الجزائريون محاولة جديدة لتنفيذ تجربة ديمقراطية حقيقية تعوض ما ينقص في المغرب العربي، وفق مراقبين.
القرب من الغرب وضغوطه
المحلل المصري البارز، سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، يرى أن المغرب العربي تبرز فيه النجاحات النسبية على مستوى احتجاجاته أسرع من المشرق، لارتباطات متعلقة بالثقافة والتعليم في تلك الدول لا سيما الجزائر وتونس والمغرب القريبة أكثر من الغرب وأفكاره.
ويضيف: “لا يمكن تجاوز الضغوط الدولية، مثلا فرنسا في الجزائر التي تخشى على بلادها من أي ارتدادات لجوء لو لم يتم الاستجابة لمطالب الجزائريين”.
ويشير إلى أن المغرب ملكية، ونجحت الملكيات عامة في احتواء نسبي لكل الانتفاضات التي أفرزها الربيع العربي والتحصين منها نسيبا، بخلاف الجمهوريات التي أسقطت فيها أنظمة.
أما المشرق، والكلام لـ”صادق”، “تبدو الأمور أصعب والحسابات ضيقة، لاعتبارات كثيرة منها مركزية دول فيها ووجود إسرائيل، وعادة لا تنتهي إلا بحركات تنقلات سماوية (يقصد الوفاة)، أو تبادل داخلي للسلطة بعيدا عن قوى الثورة”.
“المخاوف لا تزال تهدد حراك الجزائر في ظل تشابه ظروفها مع حالات بالربيع العربي، مع قيام الجيش وقوى النظام بالجزائر بالهروب للأمام، والاندماج مع مطالب الشعب لاحتوائها وعدم انفجارها”.
ويرى أن “المخاوف لا تزال تهدد حراك الجزائر في ظل تشابه ظروفها مع حالات بالربيع العربي، مع قيام الجيش وقوى النظام بالجزائر بالهروب للأمام، والاندماج مع مطالب الشعب لاحتوائها وعدم انفجارها”.
الشعب الجزائري، وفق أستاذ علم الاجتماع السياسي المصري، احتفل مثل غيره من شعوب الربيع العربي، لاستشعاره بمذاق النصر السريع، بعد أسابيع من احتجاجاته، التي جاءت بشكل سلمي تجنبت مصير عشرية سوداء جديدة في تاريخه، في إشارة إلى أحداث العنف في التسعينيات.
نجاح نسبي للموجة الثانية
على مسافة ليست ببعيدة، يشير المفكر المصري، سيف عبد الفتاح، إلى طبيعة العوامل الدولية في تشكيل النجاح النسبي بالمغرب العربي، والمغايرة عنها في المشرق.
ويقول: “هذا ربما يؤدى إلى نجاح أو تذويب للثورة التي تحتاج إلى وعي أكبر من الداخل بما يجرى، لاسيما وثورة الجزائر ملهمة لما قبلها وما بعدها”.
ويؤكد أن “هناك حديث الآن من البعض على ما يمكن تسميته الموجة الثانية للربيع العربي وهي الآن في المغرب العربي وتحديدا بالجزائر وفي المشرق في السودان”.
ويضيف: “أيضا البعض يتحدث بمقارنة بسيطة عن الموجة الأولى التي توارت بعض الوقت وأدى ذلك لالتفاف البعض حولها والموجة الثانية بدت صاعدة متراكمة بشكل آو بآخر”.
وبتابع: “البعض يرى ذلك مؤشرا على نجاح الثورات في المغرب العربي، بينما فشلت في المشرق ومصر”، مشيرا إلى أن هذه الأطروحات “لا تقوم على معلومات كافية”.
ويستدرك: “لكن ما آلت إليه الثورة الجزائرية بعد استقالة بوتفليقة وإلغاء العهدة الخامسة يشكل درجة من درجات الانتصار سيكون ملهما لما قبله وبعده، دون أن يشكل بعد انتصارا مؤزرا”.
ربيع المشرق لم يمت
الأكاديمي الأردني البارز، جواد الحمد، يرى أن “الربيع العربي الذي حدث في المشرق لم ينته بعد إلى وضع مستقر واضح”، معربا عن عدم اتفاقه على أن نجاحات الربيع بالمغرب العربي أكبر نسبيا من نظيره بالمشرق.
ويدافع عن المشرق قائلا: “لا تزال الأمور في سياق محاولات بين من يسيطر ومن يسود بين قوى الربيع العربي ونظيرتها المضادة (..) ونجاح الربيع هنا أو هناك مسألة نسبية”.
ويحذر من أن تجربة الجزائر “حتى الآن لم تكتمل وربما يتم احتواؤها وفق المؤشرات الحالية مثل تجربة مصر، ولكن من المبكر الحكم الآن”.
ويستدرك: “لكن الذي حدث بالجزائر إحدى نتاجات الربيع العربي الذي يقع بأشكال وأنماط وموجات مختلفة، وتعرضت موجتها الأولى لانعطفات لكن لم تنته بعد”. (الأناضول)