الجمهورية حوار سقراطي ألفه أفلاطون حوالي عام 380 قبل الميلاد، ونعني بذلك كتاب الجمهورية المؤلف السياسي الرئيسي لأفلاطون وسماها ‘كاليبوس’. الدولة المثالية يتحدث فيها عن تعريف العدالة والنظام، وطبيعة الدولة العادلة. والمجتمع في هذه الجمهورية مكون من ثلاث طبقات، الشعب المنتج للثروة ويتصف بالاعتدال، وطبقة الحراس (الجند) ويتصفون بالشجاعة، وطبقة الملوك الفلاسفة ويتصفون بالحكمة. ومع الثورة الفرنسية 1789 تبلور النظام الجمهوري بصورة اكثر وضوحا في هيئاته ومظاهرة وظهرت معه لاول مرة مفاهيم المواطنة والاخاء والمساواة التي شكلت شعارا واهدافا للثورة، ثم مع مختلف الاجراءات العملانية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا اخذت هذه المفاهيم تبرز في الواقع المعاش، من خلال تغيير في البناء الاجتماعي والتشكل الطبقي الجديد واتساع حجم الطبقة الوسطى واتساع القاعدة الاجتماعية الجديدة للجمهورية. وشكلت اهم مظهر للحداثة السياسية بمفهوم دول العموم – دولة الشعب- التي تعكس في دلالاتها ومضمونها المعنى الحقيقي للجمهورية كمفهوم ونظام سياسي. وهذا المفهوم انتقل الى اكثر من بلد واكثر من جغرافية في سياق تصاعد المد الثوري ومساره التغييري سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. ومع حركات التحرر الوطني في بلداننا العربية ظهرت الدولة الوطنية الحديثة تحت اسم الجمهورية، وعنوانها في حكم الشعب والسيادة والكرامة ومسار الاستقلال والتنمية، وكانت مرحلة مهمة لولوج المجتمع العربي الى عالم الحداثة السياسية بشكل مباشر، ومن خلال مشروع بناء الدولة وفق اسس ومحددات تعزز من الحكم المدني ومبدأ المواطنة كتعبيرين اساسيين للجمهورية بدونها تختفي ملامحها السياسية والاجتماعية. ووفق مسار امتد لستة عقود من حركات التحرر واعلان الجمهورية وما رافقها من بعض الانجازات، الا ان الاخفاقات المتتابعة اكلت معها بعضا من الانجازات بصورتها المادية والاخطر تأكل معها انجازات المنظومة القيمية والثقافية للجمهورية ودلالاتها في اعلاء قيمة المواطن والمجتمع والكرامة، وصولا الى مسار سياسي سميـــناه ربيعا فظهر خريفا، تساقطـــت معه ومن خلال رياحه اهم مكونات ومرتكزات الوجود السياسي متمثلا بقيم الجمهــــورية التي يتم تغييـــبها لصالح مشاريع فوق وطنية احيانا، وجهوية تعيد انتاج مجتمع اللادولة، بالتضاد مع مرتكزات الجمهورية وخروجها بالمواطن ومجتمعه من ذلك السياق الجهوي بتطييفه وتمذهبه الى فضاءات المواطنة والانجاز والتعليم والكفاءة . ولان مراكز القوى التي تشكلت من مسارات غير قانونية اقتصاديا وسياسيا، فان دورها الراهن في سعيها الحثيث لاستملاك الدولة والثروة عملت على هدم مرتكز الدولة ومفهومها من خلال الجمهورية كنظام وفلسفة ومنظومة قيم مدنية. وهكذا بدلا من ان تكون ثورات الربيع تعزيزا لحركات الاستقلال والدولة والجمهورية عملت على تشويه مسار التغيير السياسي والانحراف به نحو اعادة انتاج اللادولة في قالب سياسي جهوي يستخدم مؤسسات الجمهورية ونظامها. ان تكتل قوى السوق الساعية وراء الربح وتلك القوى الهادفة لاعادة وضعها الجهوي والعصبوي من خلال آليات تدميرية للمكتسب السياسي، ولان هذه القوى تنشط كوكلاء للخارج الاقليمي والدولي فلا يهمها كثيرا مفاهيم السيادة والجمهورية والمواطنة بقصد الربح والثروة، وهنا يكون الوطن مجرد حصص وغنيمة تكسب من خلاله وفــــق مساومات مع الخارج. وعليه نفهم جيدا كيف تشكلت طبقات طفيلية ورموز سياسية تعبر عنها في ادارة الدولة التي تحولت الى أداة لتحقيق مصالح هذه الطبقات. ومنذ المدينة اليونانية تبلور معنى المدينة كنظام سياسي، محددا مهمة الدولة في جلب الخير للمجتمع. وكانت القوى السياسية معنية بتطبيق هذا التصور في اجراءات عملانية تعزز من الارادة العامة التي قال روسو بانها ارادة الشعب في تحديد هوية نظامه ومشروعية الحاكم، وتعززت هذه المفاهيم مع تحولات زلزالية شهدها المجتمع الغربي في ثورات ثلاث، اسست للحداثة السياسية في عصر النهضة التي تتبلور معانيها ودلالاتها ومفرداتها الى اليوم بمظاهر شتى في مختلف ارجاء المعمورة. ومنها بلادنا العربية التي اظهرت الوقائع المعاشة اننا لم نأخذ من المسار الحداثي الغربي الا قشور حضارته ومظاهرها المادية، بدون فلسفتها ومنظوراتها القيمية والثقافية وبدون ماهية الانسان وهويته ومدركاته العقلانية والمدنية، وعليه يظل العربي انسانا منقوصا في انسانيته وفي استخدامه لعقله ومدركاته الحسية والذهنية، وهو بهذا الوصف لم يدخل بعد عصرا تنويريا خاصا به انطلاقا من ان التنوير كما حدده صاحب هذا المفهوم بانه خروج الانسان عن عجزه باستخدام عقله، والواقع العربي المعاش حاليا يعكس هذا المعنى بكل تجلياته. فالشباب الثائر مكن القوى الحزبية البائسة ومراكز القوى اللاوطنية من مسار الربيع الثوري فاعادت انتاج النظام السابق، بالتنكر لدور الثوار وتجاوز اهداف وشعارات ثورتهم، بل الخطير في الامر ان حكومات مابعد الثورات فشلت في الحفاظ على طبيعة النظام السياسي والمكتسبات السابقة لصالح نظام سياسي يبتعد عن الجمهورية ونظامها المكتسب. وفي اليمن تحديدا تبرز قوى جهوية ومذهبية تعيد انتاج مشروع ماضوي ينفي معه اي حضور للجمهورية باعتبارها انقلابا على ارثها التاريخي، ومع بؤس القيادات الحزبية، خاصة ذات المنحي الاشتراكي والقومي، فان منطق المحاصصة والغنيمة جعل مراكز القوى والاحزاب تهرول نحو مزيد من المكاسب ضدا من مشروع بناء الدولة وتعزيز جمهوريتها الشعبية، كما تشكلت في مراحل سابقة . ولعل العدالة والكرامة والمدنية التي رفعها الشباب شعارا في ربيعهم لاتعني الا تعزيزا للجمهورية كنظام حكم من خلاله فقط تظهر المواطنة بمظاهرها المدنية. ومع افراغ النظام الجمهوري من مضمونه التقدمي والمدني والشعبي، فان الاحزاب ومراكز القوى في بلادنا تسلم الدولة والمجتمع رهينة للخارج، وفق منطق الوصاية الاممية، تعزيزا لمنطق البيت الابيض في اعادة رسم خارطة سياسية جديدة لشرق اوسط جديد. وتعزيزا لفردانية متوحشة تبحث عن ربح ومغانم تصب في خزينة الافراد الممثلين لقيادات حزبية بائسة ومراكز قوى متخلفة. ولان افلاطون حدد صفات ثلاث لسكان الجمهورية تغيب جميعها عن واقعنا العربي – واليمني خصوصا- فلا الحاكم يتصف بالحكمة، بل حتى عملية التفكير والنظر العقلي امرا غائبا عن اي حاكم عربي لانه رهين مكتب ومستشارين عديمي الثقافة والمعرفة، ناهيك عن تعليمات تأتي من الخارج. ولا الشعب يتصف بالاعتدال والانتاج لان النظام الفاسد يعتمد على الريع كمصدر للدخل، مقابل اكساب المجتمع ثقافة التطرف والتجهيل. ولا الجند يتصفون بالشجاعة لانهم لا يعملون وفق رؤية وطنية، بل وفق نزوات لمراكز القوى، الامر الذي جعل منهم ادوات هدم للمجتمع وللدولة. وهنا لا نرغب في حكومة فلاسفة ولا حكام يمتازون بالحكمة، بل بالارادة الوطنية والسياسية والوعي بقيمة الارض والسيادة وبقيمة المواطن الفاعل الايجابي الذي هو ركيزة لبناء الدولة . صفوة القول اننا لم نكسب ربيعا ديمقراطيا وثوريا، بل خريفا اسقط ولايزال مكتسبات ستة عقود من الحداثة السياسية، اهمها النظام الجمهوري الذي بدونه تغيب دلالات الثورة الربيعية التي جاءت لاعادة الاعتبار للمواطن وللشعب، وهما مرتكزان اساسيان قامت الجمهورية بالاستناد اليهما وبتعزيز حضورهما في فلسفة الدولة ونظامها الجمهوري. فالجمهورية نظام اقامته ثورات التحرر الوطني وتبيعه ثورات الربيع المسروقة من قبل مراكز القوى العاملة بالوكالة للخارج الكولونيالي. فالثورات تهدف لتوسيع فضاء الحريات العامة وتعزيز فاعلية المواطن باعتباره حصانة النظام ومنتج الثروة والقيم المصاحبة لها ومعنى ذلك انها ثورات تستهدف المستقبل بتأسيس مدني ديمقراطي، وثورات الربيع اول مظاهرها تمكين الاصولية بمرجعيتها الماضوية من النظام الجمهوري الذي تعاملت معه كحيازة غير مرغوب بها وفق منظورها في خلافة لا يمكن ان تتحقق في زمن العولمة، او تمكين مراكز قوى بمرجعيتها الجهوية المغرقة في البداوة لتعلن رغبتها في استملاك السلطة وفق مسوغات الغلبة والشوكة، نافية المسار الديمقراطي كصانع اوحد للحاكم ومؤسسات حكمه. وتحت الحاجة الى التمويل والدعم الاقتصادي اتجهت ثورات الربيع للغرب الاطلسي وحلفائه من اجل التمويل بصورة سريعة، فكانت الصفقات والمساومات التي تنتقص من الدولة والسيادة والجمهورية لصالح المركز العولمي وحلفائه من اجل تمرير مشروعهم في اعادة هندسة البناء السياسي لمنطقة الشرق الاوسط دونما اهتمام بتطلعات شعوب المنطقة وضد نضالهم وتضحياتهم الجسيمة . وتحت دعاوى التحول نحو اقتصاد السوق وتغيير وظائف الدولة وزيادة الاندماج في النظام العولمي، فان منظومة القيم والمفاهيم المحدد للهوية السياسية والثقافية وقيم الكرامة والمواطنة يجب التخفيف من الارتباط بها لصالح قيم السوق ومنطقها في الربح والمكاسب، وهنا تكون الدولة والنظام الجمهوري في مزادات السوق وبورصتها وفقــــا للـمزايدة عليه باسعار بخسة تغيب معها نضالات وتضحيات اجيال متعددة ومنظوماتها من القيم والرموز الوطنية التي تعلي من قيمة الانسان وارتباطه بالارض وانتاج الثروة في سياق تعــــزيز الهوية السياسية الوطنية بافقها القومي والاممي، وباندماجها في سياق حضاري تفيد منه وتضيف اليه وفق علاقة جدلية بين الداخل والخارج تتعزز معها فاعلية الانسان ووجوده الاجتماعي في سياق وطني وعالمي تتأسس فيه مواطنة عالمية ومجتمع مدني عالمي لا يذوب فيه المحلي، بل يتبلور حضــــوره بســياق اوسع. وهنا تكون الثورات قد حققت اهدافها بالانحياز للمستقبل وتعزيز حضور الانسان الفرد والمواطن المدني في اطار نظامه السياسي الجمهوري ودلالاته في النزعة الوطنية وقيم الاستقلال والسيادة وهنا يكون الثوار وحدهم من يصنع السلطة ومن يدير دواليبها وليس قوى التخلف والبداوة العاملة كوكيل محلي للخارج، ضمن نشاطه المعتاد كوكيل لسلعه ومنتجاته المادية والترفية . فالوطن لا ينظر اليه من زاوية العرض والطلب ولا من زاوية الربح والمنفعة، بل من زاوية واحدة تتمثل في القيم المصاحبة للانسان ووجوده الاجتماعي في سياق جغرافية سياسية ينتمي اليها وتعكس هويته وشخصيته.