قد يفرض الواقع استنساخ صورة أخرى للفرد تجابه المجتمع على استحياء، ومن خلال هذه الصورة المناقضة، يمكن التعبير عما يموج في داخل الفرد بكل صدق، سواء أكان مشاعر، أو أفكارا، أو حتى سقطات، بدون الشعور بالحرج. وأيضاً، يمكن إخفاء المرء حقيقته الماجنة التي يخجل منها عن أعين دوائره الاجتماعية. حينئذ، يشعر بالراحة وقتما يظهر للآخرين صورة نقية وقورة، تجعل منه ـ وفقاً لوجهة نظر مريضة- شخصاً لا تشوبه شائبة.
«شيزوفرينيا السلوك» هو العار الذي يخفيه المصابون به في حواشيهم، ويخشون افتضاحه لدرجة التكتم عليه بكل الوسائل؛ لعلمهم أن «شيزوفرينيا السلوك» قد يدمر ما يشيدونه من عالم مثالي محاك على مجموعة من الأوهام. وقد جسدت السينما المصرية «شيزوفرينيا السلوك» في فيلم «العار»، الذي يعد واحداً من العلامات البارزة في تاريخ السينما المصرية بوجه عام، واتجاه الواقعية الجديدة، بشكل خاص. فقد تم طرح فيلم «العار» في دور العرض السينمائي في مصر عام 1982، ليثير ضجة فنية وجماهيرية، لم يفهم الكثيرون أسبابها الحقيقية آنذاك. فبعيداً عن كون الفيلم ينتمي إلى فئة التشويق والإثارة، التي كانت بمثابة العنصر الجاذب للمشاهد آنذاك، قدّم الفيلم قصة محكمة، وإخراجا متقنا، وأبطالا رئيسيين للفيلم (نور الشريف، ومحمود عبد العزيز، وحسين فهمي) في أداء تمثيلي حديث الطابع، جعل جميع الشخصيات تخرج من عالم الشاشة الفضية لتعيش معنا حتى الآن في عالمنا الحديث نابضة بالحياة.
يناقش الفيلم قضية «شيزوفرينيا السلوك»، ويوضح أنها العار الحقيقي الذي يحمله أي فرد، على عكس ما قد يتصوره الآخرون، من أن العار يقتصر على الاشتغال بالأعمال الوضيعة، أو احتراف الجريمة، أو حتى الفقر. فالعار المدمر هو عار «شيزوفرينيا السلوك». وعلى هذا، ظهر في الفيلم الأب التاجر العصامي المتدين الذي يربي أولاده على الأخلاق الحميدة – رجلا فاسدا يعمل في تجارة المخدرات ويدمر آلاف الشباب والأسر بما يروجه من مخدرات، باعتبارها تجارة حلال. فقد اعتقد أن تحصينه لأولاده بالعلم والأخلاق الحميدة سوف تجعلهم بمنأى عن عالمه الحقيقي الخرب. وبالتالي، تمتع جميع أولاده بمكانة مرموقة ومحترمة اجتماعياً. فقد حظى بابن ضابط، وآخر طبيب نفسي، وابنة محامية، وحتى الابن الذي لم يكمل تعليمه ويساعده في تجارته، هو ابن خانع وبار بوالديه، ويبذل أقصى جهده لإسعاد الآخرين، حتى لو على حساب نفسه.
لكن المفاجأة، أن المال الحرام أثر أيضاً بالسلب على الجميع. فابنه الضابط المحترم المهاب، في حقيقة الأمر مجرد شخص ينتمي لفئة «المرتزقة»؛ حيث يسعي للتكسب من أي مصدر، ويمنطق ذلك لنفسه بأنه بذلك يعصم نفسه وأولاده من الفقر. والأدهى من ذلك، فإنه يذهب لوضع أفعاله المشبوهة في صياغة شرعية ليزينها بإطار من الكسب الحلال. أما الابن الطبيب النفسي، فهو في حقيقة الأمر مريض نفسياً في حاجة ماسة لعلاج سريع يبعده عن الاضطراب السلوكي، وتناول المهدئات طوال الوقت. وبالنظر للابن البار الذي لم يكمل تعليمه بناء على توجيهات والده حتى يساعده في أعماله التجارية، هو في حقيقة الأمر الساعد الأيمن لوالده في عالمه السفلي، عالم تجارة المخدرات. أما عن سلوكه الحقيقي، فهو يبعد كل البعد عن الخنوع والطيبة؛ حيث أنه في عالمه السفلي تاجر مخدرات متسلط وقاسي القلب، قد يردي أي شخص قتيلاً بكل سهولة، طالما يعرقل مخططاته.
بالنسبة لصناعة السينما، فقد كانت وسيلة فاعلة استخدمها الغرب لبث قيم حميدة، وللقضاء على المخدرات. أما بالنسبة للشرق الأوسط، فتم استخدامها لبث «شيزوفرينيا السلوك» على أوسع نطاق، وكذلك لتدمير أجيال قادمة.
وفي ما يبدو أن «شيزوفرينيا السلوك» من خلال فيلم «العار» قد انتقلت أيضاً من عالم الشاشة الفضية إلى أرض الواقع بكل سهولة؛ حيث تسللت من خلال الأداء المتقن، والسيناريو الغريب الحبكة على المشاهد آنذاك إلى نفوس العامة. ففرط الإعجاب بأبطال الفيلم الرئيسيين، جعل المشاهد يسعى لتقليدهم في كل شيء. وعلى الرغم من أن انتقال شخصيات أفلام الشاشة الفضية لأرض الواقع، لا يعد من العلامات السلبية؛ لأنه أكبر دليل على تكامل العمل السينمائي، لكن ظهرت الآثار المناوئة لفيلم «العار» سريعاً بسرعة تسللها لوجدان المشاهدين، لتؤثر بشكل سلبي على صناعة السينما بأكملها حتى الآن، وبالتالي على ذوق المشاهد. فلم ير المشاهد والمنتجون من الفيلم الوعظ والإرشاد، الذي يؤكد عليه الفيلم من خلال الإلحاح على أن «شيزوفرينيا السلوك» عاجلاً أم آجلاً سوف يتم افتضاحها لتوقع الفرد في عار عظيم. فعلى النقيض، اهتم المُشاهد بالأداء التمثيلي، والألفاظ الغريبة التي صدرت من أبطال العمل. فصار المشاهد يحبذ التحدث باستخدام الرقبة واليد، مثل الفنان نور الشريف؛ ليوضح أنه عليم ببواطن أمور الحياة. أما الطامة الكبرى، فكانت استخدام الألفاظ التي درجت على لسان أبطال الفيلم للتعبير عن عالم المخدرات والجريمة كمصطلحات دارجة الاستخدام في الحياة العادية، وكمصطلحات رائعة تدل على التطور في أسلوب الحديث، واتباع أحدث صيحات المصطلحات.
فبدون أن يعي أحد خطورة ذلك الموضوع، وبسبب محاولة شركات الإنتاج استنساخ نجاح مماثل لفيلم «العار»، وبالطبع تحقيق إيرادات لا حصر لها، بدأت شركات الإنتاج تلهث وراء تقديم أفلام العالم السفلي من المجتمع، لتبرز على الشاشة الفضية ما يدور فيه من جريمة وانحدار أخلاقي. وكذلك، تضمين مصطلحات هذا العالم في الأفلام بكل فجاجة وليس على استحياء كما ظهر بفيلم «العار»؛ لتصير أفلامهم واقعية، نابضة بالحياة. النتيجة للأسف كانت وضع بذور «للسينما السوداء»، أو سينما العنف والبلطجة في السينما المصرية، التي كانت سببا في انتشار أفلام العنف والانحلال الأخلاقي في الألفية الثالثة. لكن من ناحية أخرى، يجب ملاحظة أن تلك الأفلام التدميرية للمجتمع – التي تنبه لخطورتها من يعي حقيقة الأمرـ هــــي سلاح استراتيجي مدمر. فلو أردت هدم أي شعـــب أو بناءه يكون ذلك من خـــلال ما يسمى بـ«الرسائل الممـــوهة» Subliminal Messages التي تلح على رسائل معينة لتوصلها لفرد، أو لجماعة بشكل ضمني من خلال تخلل اللاوعي، كما يحدث تماماً عند الترويج لسلعة ما. وبالنسبة لصناعة السينما، فقد كانت وسيلة فاعلة استخدمها الغرب لبث قيم حميدة، وللقضاء على المخدرات. أما بالنسبة للشرق الأوسط، فتم استخدامها لبث «شيزوفرينيا السلوك» على أوسع نطاق، وكذلك لتدمير أجيال قادمة. تلك «الرسائل المموهة»، أخطر نوع من أنواع حروب الجيل الثالث، وكذلك الرابع. ومن ثم، قبل استقبال أي مادة إعلانية، أو إعلامية، أو ثقافية، أو حتى ترفيهية يجب استبطانها لقياس مدى سلبية أو إيجابية الرسائل المموهة التي ترسلها، ومعرفة ما إذا كانت وسيلة أخرى لبث شيزوفرينيا السلوك.
٭ كاتبة من مصر