ما الذي يقصده الفنان والرسام على وجه خاص عندما يحاول في لوحته أن يتفاعل مع الأشياء المرئية وكل ما يتواصل معه من أشياء عبر حواسه؟ بلاشك هذا السؤال ليس جديدا، لكنه سيبقى مطروحا للنقاش، طالما هناك إنتاج فني، رغم تنوع واختلاف الرؤى والأساليب التي ينحاز إليها الفنانون في كل تجربة تخرج من مشاغلهم.
فالتجربة الفنية في تعاملها مع الواقع، تذهب في محصلتها النهائية إلى منطقة التأمل سواء من قبل الفنان أو المتلقي، وليس من غاياتها أن تحقق المنفعة الذاتية أو الركون إلى دائرة الاستنساخ، لأن البيئة بكل مكوناتها، لا يتعامل معها الفنان إلا من منظار جمالي، عادة ما يتشكل في بناء عضوي داخل التجربة الفنية وليس خارجها، بمعنى أنه منفصل عن المحفزات الواقعية التي استفزته واستثارت مخيلته، فالقطيعة قائمة بين الداخل والخارج، بين اللوحة وما هو خارج إطارها، بين الواقع وقرينه الفني، وعليه فإن طبيعة ونوعية المضمون داخل العمل الفني لن تأخذ الحيز الأهم، بقدر ما تأخذ الأحاسيس الجمالية التي تثيرها لدى المتلقي.
عالم مخبوء
في معرضها الأخير الذي أقامته الرسامة العراقية سوسن الملا منتصف شباط (فبراير) 2023 على قاعة المركز الثقافي الفرنسي في العاصمة العراقية بغداد، والذي جاء تحت عنوان «نساء الشواكة» يمكن القول بأنها حاولت رغم دلالة العنوان الواقعية، واكتفائها من حيث الموضوع بتناول عالم النساء في منطقة زمكانية محددة لم تخرج عن محلة الشواكة المعروفة في بغداد، إلا أنها تجربة جمالية مستقلة عن المثيرات الواقعية التي نهلت منها مفرداتها، طالما تحركت استجابتها للمنبهات الحسية بعيداً عن الآلية الميكانيكة، وهي تعيد تشكيل وخلق العالم المخزون في ذاكراتها عن نساء الشواكة، اعتمادا على قيم حركية تمثلت بطغيان الخطوط المنحنية، التي تركتها تنساب بمرونة وطواعية، مثلما هي كانت قد ألفت النساء في تلك البقعة الجغرافية التي وجدت نفسها فيها أيام طفولتها.
الملا وجدت نفسها في هذه التجربة مرهونة إلى فكرة مخاطبة حواس المتلقي عبر خطوط وأشكال تدفعه إلى أن يستميل خياله وهو يتأمل اللوحات، من غير أن يستدعي أي صورة مدركة أو محسوسة من خارجها، فاللقاء الحسي في كل لوحة، كان مباشرا بين المتلقي وما يراه داخل إطار اللوحة، حيث كانت الخطوط والعلاقات اللونية والتناغم والإيقاع، عناصر مكتفية بذاتها داخل التجربة الفنية في رؤية العالم وتملك قدرتها على خلق الأشياء، ليس وفقا لمقاساتها وأشكالها في الواقع، وهذا هو جوهر العمل الفني في أنه يتجلى عبر صياغة ذاتية، ينشد فيها الفنان الوصول إلى التكامل الفني عبر مخاطبة المتلقي بتجربة وجدانية وفكرية في آن.
نحن إذن أمام عالم خاص، اتسم بالتناسق في مساحاته وألوانه وخطوطه، شاءت الملا أن يكون مصدره واحد، إلا أنه افترق عن المصدر عبر رؤيتها التي اتكأت عليها وجردت عالمها منه وكأننا في نزعتها التجريدية أمام عمل موسيقي أكثر منه عمل يندرج في إطار الرسم، لأننا لم نقف أمام شيء تم تصويره بشكل تقليدي بالشكل الذي يأخذ المتلقي إلى نقطة بعيدة عن اللوحة، ليقارن فيها بين ما يراه في لحظة التلقي وما يستدعيه من زمن قابع في زوايا الذاكرة.
عاشت الملا طفولتها في حي الشواكة، وعلقت في ذاكرتها صور النساء أمام نهر دجلة وهو يجرف معه الحطب وسيقان الأشجار اليابسة، لتلقطه أياديهن، وليكون جزءا من مفردات حياتهن، تلك الصور بكل ما تختزنه من سعادة وفرح وشقاء، كانت تنمو في مخيالها إلى صور أخرى لا تأخذ بنظر الاعتبار مطابقتها بشكل آلي فوتوغرافي، بل منحتها بعدها الإيحائي، بدلالاتها وإيجازها المنغلق داخل اللوحة ذاتها، فبدت مشبعة بطاقة روحية شاسعة تعجز عين الرائي أن تلتقطها أو تمسك بها إذا ما شاهدتها في الواقع، فكانت تجربتها في هذا المعرض وهي تتعامل مع هذا الواقع الذي تعرفه جيدا، لها معاييرها الفنية الخاصة والمستقلة عن جذورها، لذا كان من المنطقي أن لا تستحيل عملية الاستعادة إلى صورة مكررة وسطحية، إنما ارتسمت عبر رؤية مؤسلبة معمقة وعميقة، وهذا لانها قد انحازت في تأسيسها لهذا العالم على قدرتها التقنية في خلق علاقة مع الأشياء الواقعية، قائمة على الانزياح في دلالاتها، وليس خضوعا إلى السكونية في رمزيتها الأيقونية.
توظيف الخط العربي
نحن أمام تجربة استعانت بالخط العربي ليس باعتباره مفردة تجميلية منفصلة عن المساحات والألون والخطوط والأشكال، بقدر ما انتقلت به الملا من فكرة التجسيد الزخرفي، بكل مخزونه التراثي والديني إلى منطقة دخل فيها إلى جوهر وتقنيات التشكيل الكائنة والمكونة لعناصر اللوحة بمستويات أبعادها الجمالية، ومن هنا لم يكن استدعاء الخط العربي وفقا للمفهوم التقليدي في التوظيف، بل كان إحالة إلى ما يمتلكه الفنان من حرية في التناول، بعيدا عن انضباط وثبات القواعد الكلاسيكية، وليكتسب بالتالي حضوره في لوحتها، انطلاقة فيها الكثير من المرونة والحرية والتي جاءت عبر علاقة متواشجة مع مرونة وحيوية الخطوط بايقاعاتها ومنحنياتها المتدفقة كما لو أنها تشي بذلك إلى الدفق الذي تملكه أجساد النساء في حي الشواكة، وفي هذا التوظيف تكيف الخط العربي مع تقنيات الرسم ليضفي حضوره بعدا ينزاح فيه عن شكلانيته التراثية باشعاعاتها التاريخية والدينية إلى طاقة جمالية معبأة بايحاءات ما يخبئه الرسم من أحاسيس في تراكيب ومستويات دلالاته.
التشبيه والتجريد في عناصر اللوحات، يتحركان في إطار علاقة إيقاعية متداخلة، بحيث يصعب على المتلقي أن يخرج من دهشته خارج مستويات البناء، حيث طغى الجانب البصري في التشكيل داخل بنية يكتنفها غموض شفيف، يتسيده التجريد بدرجة أقوى من التشخيص، بالشكل الذي يسحب الناظر إلى اللوحة بقوة لا تتيح له فرصة أن ينشعل في تجزئة عناصرها بل يتلقاها بكليتها كما هي، وهذا يعود أيضا إلى شفافية حركة الفرشاة بانثويتها الطاغية، وبما ينسجم مع موضوعة المعرض وعنوانه الواضح.
مجمل ما عرضته من لوحات كانت مغامرة لاكتشاف عالم ذاوي في ذاتها، واكتسب خصوصيته من عالمها الذاتي وليس من حقيقته، فجاءت خطوطه وألوانه ومساحاته مشحونة بعاطفة مشبوبة، رغم أنها نسجت خيوطه الواقعية وفق رؤية ليس من السهل اختزالها وموضعتها في عبارات واضحة ومباشرة، وهي بذلك تبدو كمن يحاول أن يلملم خيوط الضوء النافذة من بين أشجار غابة كثيفة. تعيدنا تجربة الملا في هذا المعرض إلى ما يمتلكه الرسم من إمكانات في سرد الواقع، لكن بأسلوب ينأى بتقنياته عن وصفه، كما تعكسه عادة المرآة من صور وهي تسقط عليها معتمدة بذلك على تفكيك علاقاته بدلالاتها الأيقونية الراسخة في الوعي الجمعي، وإعادة تشكيلها بناء على حساسية الفنان الفردية وتمرده على الترتيب والتنظيم الاطرادي، وهي بذلك قد توخت في تجربتها الدخول بالعالم المحسوس إلى منطقة الحلم والأسطورة والشعر، فكانت مغامرتها انقلابا على فكرة إحالة الموضوع على الواقع رغم أن الذكاء في عنوان المعرض كان من الممكن أن يخدعنا بذلك.