الرسام الاسكتلندي جوزيف فاركوهارسون: هندسة اللوحة مِن بنية جمالية إلى إشكالية وجودية صامتة

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

حين نقترب من أعمال جوزيف فاركوهارسون (1846–1935)، لا يكون الاقتراب محض تذوق لجماليات الطبيعة، بل هو دخول مضنٍ إلى نظام بصريّ صارم، تكاد ملامحه تُقرأ كما تُقرأ خرائط جيولوجية أكثر مما تُتأمل كمناظر ريفية. فما يُعرض أمامنا ليس مشهدًا طبيعيًا في المعنى العابر للكلمة، بل بناء مركب، تُدار فيه العناصر بمكر تركيبيّ، حيث يتقاطع الإدراك الحسي مع نوع من الإيمان القديم بإمكانية تنظيم العالم وفق منطق الجمال. ولد فاركوهارسون في إدنبرة، في مناخ اجتماعيّ مترف، غير أن أعماله لا تتكئ على زخرف الطبقة، بل تقطع معها قطعًا ناعمًا، يتجه لا نحو التأنق، بل نحو التجريد الخفي في بنية الطبيعة. في الثلج، في انكسار الضوء على ظهر الأغنام، في الأشجار الصامتة، حيث يتجلى ما يشبه التنظيم السريّ للمشهد: مشهد لا يروي حكاية، بل يُفككها. إن فاركوهارسون لا ينتمي إلى الواقعية كما يُفهم منها غالبًا تلك التي تلهث خلف تماثل بصريّ مع الطبيعة، بل إلى نزعة أعمق، أكثر انطواءً، تُعيد النظر في العالم لا عبر انعكاسه، بل عبر ترميزه الضوئي والماديّ. إن لوحاته تعمل ببطء، مثل عمل حفّار آثار يزيل طبقة بعد طبقة، إلى أن تستقيم أمامنا لحظة بصرية واحدة، مشبعة، مكتملة، لا تحتاج تعليقًا قدر ما تحتاج صمتًا.
في أعماله، لا يُستدعى الثلج كعنصر طقسي أو كسطح أبيض للتزيين، بل يُفكك كمادة بصرية ذات كثافة داخلية، كما تتناوب الأزمنة على الذاكرة. الثلج، هنا، ليس حالة طقسية، بل نسيج تشكيليّ مُركّب، يحوي داخله زمنًا مكدّسًا، مضغوطًا في لحظة إدراكية تُوهم بالثبات، بينما هي من صنع عين تُدرب نفسها على التقاط البطء. فاركوهارسون لم يكن يرسم الضوء، بل يُعيد كتابته. يستخدم الضوء لا بوصفه امتدادًا طبيعيًا، بل كأداة تركيبية، في معادلة بصرية يضبط فيها الإيقاع والاتجاه والكتلة. لم تكن خيمه التي نصبها في الحقول الثلجية للاحتماء من البرد، بل كانت مختبرًا بصريًا، تُختبر فيه زوايا السطوع وتُعدّل فيه البنية الضوئية باستخدام مرايا، لا لتكثيف الضوء، بل لإعادة تموضعه. وكأن اللوحة جملة نحوية صارمة، فيها «الضوء» هو الفعل، وكل ما عداه فاعل أو مفعول مؤجل.
في عمله «قادمون من الحقول في الشتاء»، لا تُقرأ حركة القطيع أو ظلّ الفلاح كإيماءة سردية، بل تُوزن ككتل بصرية تُرسخ إيقاع الصمت. لا دراما هنا، ولا وصف لحقل، بل ترسيمة دقيقة لزمن بارد، تتقلص فيه الحياة إلى أثر، وتُصبح الحركة ظلاً لما كان، لا لما سيكون. هذه اللوحة لا تستعير من الواقع شكله، بل تُهندسه على مهل، حتى لا يعود المشهد قابلاً للتأريخ، بل فقط للتأمل.

استعادة المسافة بين الإنسان والعالم

يبدو هذا الفنان وكأنه لا يرسم من الخارج، بل من داخل المادة ذاتها، من عمق الثلج، من حوافّ الضوء، من ذلك الحدّ الفاصل بين دفء الفرو وصقيع الهواء. وتلك مهارة لا تُكتسب من التدريب وحده، بل من وعيٍ طبقيّ بالتاريخ البصري للطبيعة، ومن إدراكٍ داخليّ لوظيفة الفن بوصفه استعادةً للمسافة بين الإنسان والعالم، لا إلغاءها. ليس القرويّ ولا الغنم هما الموضوع. الموضوع هو صيرورة الغياب. هذه اللوحات هي بنى سرديّة خالية من السرد، تتكرّس فيها الأشكال كعلامات دالة، لا كبنى سردية مغلقة. التلال الثلجية، أشكال الأشجار الغامضة، ظلّ الغيوم الثقيلة، كلّها تعمل كبُنى رمزية مضغوطة داخل منظومة بصرية واحدة، لا تسمح بالانفكاك بين الجماليّ والدلاليّ.
الشتاء في أعماله ليس فصلًا، بل نظام وجود. لا ينهمر الثلج ليكسو الأرض، بل ليُظهرها على حقيقتها: أرض منزوع عنها الزمن الحركي، تُترك في العراء كي تبوح بثقلها. هذا الميل إلى تثبيت الزمن، إلى عزله ضمن إيقاع متكرر من التلال والضوء والغيم، يمنح لوحات فاركوهارسون شيئًا من جوّ الطقس الطقسيّ، كأن اللوحة ليست تمثيلًا بل تلاوة، ليست وصفًا بل ترتيلًا بصريًا لنشيد لا نعرف متى بدأ، ولا إلى أين ينتهي.
أما على مستوى التكوين، فإن ما يمنح أعماله خصوصيتها ليس التماثل، بل التغاير المُنضبط. لا شيء يتكرر بصورته ذاتها، بل بظله، بارتجاله الطفيف، كما لو أن كل غيمة تمرّ هي استكمال لجملة قيلت في لوحة أخرى. الضوء يتبدل، نعم، لكن داخل نسق بصريّ لا يسمح بانفراط البنية. كل تفصيل، مهما بدا عارضًا، يخضع لمنظومة داخلية لا تعرف الفوضى، ولا تسمح للعاطفة بأن تتقدم على الشكل.
فاركوهارسون لم يكن هاوي مغامرة يُغازله مشهد الطبيعة في لحظاته القصوى، بل منظّم بصريّ، يختار موقعه من التكوين كما يختاره من الفكرة. ولهذا، لم تكن «خيام الرسم الشتوية» التي كان يقيمها لأجل الرسم مجرد ترف تقني، بل بيانًا واضحًا بأن الفن لا يُصنع في العراء، بل في فضاء متحكَّم به، حيث يُسمح للضوء بالانسياب، ولكن تحت رقابة صارمة. الخيمة ليست مجرد ملاذ من التجمد، بل معمل بصريّ مُغلق. الزجاج لا يُدخل النور، بل يُرشّحه. الضوء لا يُترك لمصادفاته، بل يُعاد هندسته عبر المرايا، لا كوسائل انعكاس، بل كأدوات توجيه هندسيّ. وهكذا، لا تعود اللوحة انعكاسًا لما تلتقطه العين، بل نتيجة لعملية تنظيم معقدة، تتداخل فيها كثافة الضوء، ونعومة الثلج، وخطوط التكوين ضمن معادلة تُكتب لا على القماش، بل في الذهن أولًا.
وفي لوحة «حين يشتعل الأفق الغربي بنار المساء الصامتة»، لا يستدرجنا فاركوهارسون إلى دراما حركية، بل إلى معادلة ضوئية دقيقة. لا تسرد اللوحة فعلًا، بل انتقالًا؛ لا تحكي قصة، بل تُعيد ضبط الإحساس بين حالتين بصريتين متنافرتين ومتداخلتين: وهج السماء وانطفاء الأرض.
المشهد محكوم بمحورين بصريين: العلو، حيث الضوء يعمل بألوانه الساخنة (الذهبي، الأحمر، النحاسي) لا كزينة، بل كتوتر. والمنخفض، حيث يسود الثلج بصمته الرماديّ، لا كحياد لوني، بل ككتلة وجودية مضغوطة. بين هذين القطبين، لا يظهر الراعي وقطيعه كعنصر روائيّ، بل كجسر بصري، كأداة نقل بين عالمين: دفء يتراجع وبرودة تتقدم. التوازن هنا ليس في توزيع العناصر، بل في توزيع الزمن الحسيّ: متى يبدأ الضوء في الانطفاء؟ متى يتحول الجليد من سطح إلى ذاكرة؟
وحدة التوتر في هذه اللوحة لا تُقاس بالتفاصيل، بل بما هو أعمق: بتوازن داخليّ بين قطبين مناخيين، يتقاطع فيهما الضوء بوصفه حُلُمًا، والثلج بوصفه واقعًا. ليست اللوحة تأريخًا لعودة من حقل، بل إقامة معلّقة في منطقة رمادية، لا توضح إن كنا على عتبة الليل أو على أطراف النهار. هذا الغموض ليس عيبًا في التمثيل، بل مقصودٌ تركيبيّ، يخلق فراغًا رمزيًا يتجاوز حدود المشهد. وما نراه في نهاية المطاف ليس طبيعة محايدة، بل طبيعة تُبنى كذاتٍ ثانية، كمرآة مزدوجة، ينعكس فيها الإحساس كما ينعكس الضوء: مفلترًا، موزونًا، ومحمّلاً بما يتجاوز ما يُرى. التكوين عنده ليس مرآة لعاطفة، بل نتيجة لمعالجة عقلانية دقيقة، لا تُقصي الانفعال، لكنها تجمّده داخل قالب بنائيّ محكوم. هو رومانسي، نعم، لكن من النوع الذي لا يُسلّم نفسه للمجاز، بل يُخضعه لاقتصادٍ صارم، بحيث لا يتسلل الرمز إلا من ثقوب النظام، لا من انفلاته. ولهذا، لا نحتفظ بأعماله في الذاكرة كمجازات طليقة، بل كمشاهد مشغولة بأناة، تُوحي بما هو ميتافيزيقي دون أن تتلفظ به. في لوحات فاركوهارسون، لا تُعامل الطبيعة كصدى داخليّ، بل ككائن مستقل، له منطقه، له صوته، وله بنيته التي لا تُستعار من الذات، بل تُجاورها. الطبيعة ليست استعارة هنا، بل حُضور منظّم، لا يُراهن على الدهشة، بل على التوازن، ولا يسعى لإبهار العين، بل لإقناع الذهن بأن السكون، حين يُبنى بإتقان، لا يقلّ إثارة عن الحركة.

مشهدية الفراغ وامتلاء الصمت

كل تكرار لصورة الراعي وقطيعه ليس اجترارًا موضوعاتيًا، بل فعلًا تركيبيًا مقصودًا، يُعيد فيه الفنان المعزوفة نفسها لكن بنبرة ضوئية مختلفة، كما يعيد المؤلف الموسيقي ثيمته عبر تنويعات دقيقة، تظل مألوفة، لكن لا تتطابق أبدًا.
أما الضوء، فإنه لا يُستحضر هنا كزينة ولا كمصدر إبهار، بل كركيزة بنيوية. إنه العنصر الذي يُمسك الكتلة في مكانها، ويمنح للفراغ وزنه، ويُبقي السرد، والضوء هو ما يُبقي للثلج حقيقته، كما أن الثلج هو ما يمنح للضوء ضرورته. العلاقة بينهما ليست تواطؤًا جماليًا، بل تبادل وجوديّ: حين يخفت أحدهما، يستدعي الآخر ليملأ الصمت.
لم يُقدَّر لجوزيف فاركوهارسون، رغم وفاته في عام 1935، أن يُتوّج كرمز لمدرسة، أو أن يُدرج ضمن لائحة الثوار الأسلوبيين الذين أحدثوا قطيعة مع ما سبقهم. لكنه مع ذلك، ظلّ نقطة ارتكاز ثابتة في البنية الخفية للذوق البصري البريطاني؛ صوتًا خافتًا، لا يعلو، لكنه لا يغيب. لم يكن يسعى إلى زلزلة المفاهيم، بل إلى ترسيخها على نحو يجعل من كل لوحة حوارًا صامتًا بين ما تراه العين وما تتذكّره النفس. وأعماله، حين تُعرض اليوم، لا تُقدَّم كأثر نوستالجي يُستدر به الحنين، بل كبرهان على أن مفاهيم مثل التوازن، البطء، الإصغاء إلى إيقاع الضوء، لا تزال أدواتٍ شرعية للفن، حتى وسط عالم يُقاس فيه الزمن بوحدات السرعة والانفعال. لم يكن صوت فاركوهارسون صاخبًا، لكنه لم يكن هامشيًا. لقد اختار أن يشتغل في الحيّز الذي تتركه الحواس حين تهدأ، في تلك المنطقة التي لا تعود فيها الصورة مجرد مرئي، بل بنية ذاكرية، مشهد لا يُعاد تذكّره لأنه كان، بل لأنه لا يزال.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية