في عالم الفن، لا يكفي النظر إلى اللوحة كمساحة ألوان وخطوط، بل ينبغي الإصغاء إلى ما يتوارى خلفها من أصوات خافتة، طبقات متراكمة من الذاكرة، ووميض الحكاية الأولى. هذا ما يجعل تجربة الرسام العراقي حازم صالح العبدلي تخرج من مألوف القراءة السطحية، لتسكن في منطقة من التوتر بين النص البصري والذاكرة الشعبية، بين الأسطورة وفعل التجريب. فهو لا يتعامل مع اللوحة كجدار يعلّق عليه الماضي، بل كحقل يزرع فيه احتمالات جديدة، عبر سرديات بصرية تعيد ابتكار الرموز وتفتح أفقاً جديداً للتلقي.
منذ بداياته الفنية، اتخذ العبدلي من اللون الأسود وقلم «روترنك» أداة لخلق عوالم متخيلة، تبدو للوهلة الأولى وكأنها امتداد لأساطير منسية أو خرافات شعبية، غير أن ما يقدمه في جوهره ليس استدعاءً جامداً، بل إعادة تركيب لتلك الحكايات، لتصير نصوصاً تشكيلية حديثة تتجاوز زمنها الأصلي. اللون الأسود عنده ليس مجرد خيار تقني، بل لغة كاملة، تتحول فيها التباينات بين السواد والبياض إلى ما يشبه صراعاً داخلياً، يفتح أمامنا طبقات من المعنى.
التخييل في مواجهة السرد الشعبي
حين يتأمل المتلقي أعمال العبدلي، سرعان ما يلحظ أنه لا ينقل الحكاية الشعبية كما هي، بل يضعها تحت مشرط المخيلة. فهو يلتقط رموزها ـ خاصة العيون والوجوه ـ ويعيد ترتيبها في فضاء مختلف، خالٍ من القيود التقليدية. لوحاته لا تقبل أن تُقرأ كأيقونات متحفية محفوظة في ذاكرة الماضي، بل تدعونا لقراءة جديدة، تنفلت من التفسير الواحد، وتتقاطع مع أسئلة الحاضر.
في هذا المسار، تتبدى قدرة العبدلي على تحويل النص البصري إلى نص مفتوح، يرفض السكون، ويخاطب المخيلة بقدر ما يخاطب العين. قد تبدو خطوطه أحياناً خشنة، قاسية، ولكنها تنبض بطاقة داخلية تجعل اللوحة أقرب إلى نص شعري مكتوب بالحبر، حيث كل خطّ له وزن، وكل مساحة بيضاء تمثل وقفة أو صمتاً مفعماً بالدلالات.
ما بعد الحداثة وذاكرة الحكاية
رغم أن تجربة العبدلي تحاور الحكايات الشعبية، إلا أنها ليست عودة رومانسية إلى الماضي، ولا محاولة لإحياء التراث بوصفه مرجعاً مغلقاً، على العكس، ثمة نزعة واضحة لتفكيك هذا التراث وإعادة تشكيله في فضاء ما بعد حداثي، حيث تختفي الحدود الصارمة بين الواقعي والمتخيل، بين الحاضر والماضي. اللوحة عنده لا تعود إلى زمنها الأول إلا لتعلن القطيعة معه، وتدخل في زمن جديد، زمن مفتوح على التأويل الفردي، حيث يصبح المتلقي شريكاً في إعادة بناء النص البصري.
هنا يظهر العبدلي كحكواتي معاصر، يروي الحكايات ليس ليعيد إنتاجها، بل ليحطم بنيتها الراسخة. لوحاته لا تخضع لمقاييس الجماعة أو الرواية الرسمية، بل تنحاز إلى تجربة الفرد، إلى حساسيته الخاصة، وإلى قدرته على قراءة الرموز بحرية. هذه الفردية ليست عزلة، بل فعل مقاومة ضد الانغلاق الذي تفرضه الأطر التقليدية للتراث.
البنية البصرية ودهشة الاكتشاف
يميل العبدلي إلى صياغة لوحاته بخطوط حادة وأشكال بارزة، وكأنها شفرات بصرية تخترق الذهن قبل أن تستقر في العين. لا يكتفي بنقل المشهد، بل يعريه من حمولاته الاجتماعية المباشرة، ليكشف عن جوهره الإنساني العميق. وغالباً ما يحضر الإنسان في أعماله بوصفه كائناً مأزوماً، محاطاً بقوى غامضة، تماماً كما هو الحال في الحكايات الشعبية التي تضع البطل أمام قوى خارقة أو أقدار مجهولة.
لكن الفنان لا ينحاز إلى الدراما الظاهرة، بل يبحث عن الشعرية الكامنة خلفها، عن ذلك الخيط الخفي الذي يربط الماضي بالحاضر، والواقع بالخيال. ولهذا السبب، تأتي أعماله أقرب إلى نصوص سردية متقطعة، كل لوحة منها تمثل صفحة من كتاب غير مكتمل، كتاب مفتوح على احتمالات التأويل اللانهائية.
الميثولوجيا كمختبر إبداعي
يمثل التراث الرافديني، خصوصاً الإرث الآشوري والبابلي، أحد منابع إلهام العبدلي. لكنه لا يكتفي باستلهام الرموز القديمة، بل يضعها في مواجهة مع أسئلة الحاضر. الحجر، النحت، الخطوط المحفورة على جدران المعابد القديمة، تتحول في لوحاته إلى إشارات جديدة، تكشف عن حوار عميق بين زمنين: زمن الأسطورة وزمن الإنسان المعاصر.
هذه العودة إلى الماضي ليست انبهاراً بآثاره، بل محاولة لفهم كيف يمكن للفن أن يعيد خلق المعنى في مواجهة حاضر مهدد بالسطحية والتفاهة. فالحكايات الشعبية والأساطير ليست بالنسبة للعبدلي مجرد حكايات، بل أدوات فكرية، تقوده إلى تفكيك الواقع وإعادة تركيبه بطرق غير مألوفة.
بين التلقي والانعزال
ما يثير الانتباه أن العبدلي، على الرغم من قيمة تجربته، لم يسعَ كثيراً إلى تسويق أعماله أو نشرها خارج حدود الموصل. قد يُفسر هذا الانكفاء برغبة الفنان في الانشغال بالتجربة ذاتها بعيداً عن صخب المعارض، أو برؤيته أن اللوحة لا تُقاس بمدى انتشارها، بل بقدرتها على البقاء كعلامة في ذاكرة المتلقي. غير أن المتابع لأعماله يدرك أنه لو قرر كسر هذا الإطار المحلي، لوجدت أعماله مكانها الطبيعي بين التجارب الفنية البارزة في العالم العربي.
الفنان كحكواتي بصري
هناك ما يشبه السرد في معظم لوحات العبدلي، ليس لأنه يحاكي القصص أو ينقل الحكايات، بل لأنه يعرف كيف يُدخِل المتلقي في حوار ضمني مع النص البصري. عناوين لوحاته غالباً ما تأتي كإشارات لغوية تستكمل ما لا يقوله الشكل، فينفتح النص على طبقات إضافية من التأويل. وبذلك يتحول الفنان إلى راوٍ بصري، يسرد لا بالكلمات، بل بالخطوط والفراغات، بما يشبه اللغة السرية التي يتقنها العابرون بين الأسطورة والحاضر.
الإنسان في مواجهة العوالم الغامضة
في العمق، تحمل تجربة العبدلي سؤالاً فلسفياً حول الإنسان: كيف يمكن لهذا الكائن أن يواجه عالماً مشبعاً بالرموز، بالسلطة، وبالخوف؟ لوحاته تضع الإنسان في مواجهة ذاته، معرّى من الأقنعة الاجتماعية، مكشوفاً أمام أسئلته الوجودية. لهذا تبدو بعض أعماله وكأنها مشاهد من حلم مضطرب، حيث الوجوه بلا ملامح مكتملة، أو العيون تحدق فينا كما لو أنها تعرف سراً لا نعرفه.
هذه النزعة الإنسانية ليست رومانسية، بل نقدية. فالفنان يعي أن الحكاية الشعبية نفسها كانت، في أصلها، وسيلة لفهم العالم وترويضه. أما في زمننا المعاصر، فيعيد العبدلي استحضارها كي يواجه بها التشظي والاغتراب، مقدماً لوحات تنبض بالرفض والبحث عن الحرية.
بين الماضي والمستقبل
تجربة حازم صالح العبدلي تقف عند تقاطع معقد بين الميثولوجيا، المخيلة الشعبية، وفنون ما بعد الحداثة. لوحاته ليست ترفاً جمالياً ولا سرداً توثيقياً، بل هي محاولة لإعادة بناء العلاقة بين الإنسان وزمنه، بين الحكاية والذاكرة، بين الفن والحياة. وهو، بوعيه الجمالي وقدرته على التجريب، يبرهن أن الفن التشكيلي يمكن أن يكون نصاً موازياً للأسطورة، يعيد كتابتها لا لتكرارها، بل لتفجير طاقتها الشعرية والرمزية. في نهاية المطاف، يمكن القول إن العبدلي لا يقدم لوحات جاهزة للقراءة، بل متاهات بصرية تحتاج من المتلقي أن يخلع ثيابه المفاهيمية قبل الدخول إليها. هناك، في تلك المتاهات، تلتقي الأسطورة مع الحاضر، ويولد نص جديد، نص يذكّرنا بأن الفن ليس مرآة للعالم، بل أداة لاكتشاف ما هو أبعد من المرئي.
الفنان حازم صالح العبدلي مواليد مدينة الموصل العراقية 1963، يحمل شهادة دبلوم معهد فنون جميلة، بكالوريوس كلية الفنون الجميلة. عضو نقابة الفنانين العراقيين. عضو جمعية التشكيليين العراقيين/ نينوى، مشارك بكافة معارض النقابة ومعارض الجمعية ولديه مشاركات خارج العراق.