الرسام العراقي حازم صالح العبدلي: اجتراحات تخييلية تشكيلية في متون الأساطير والحكايات الشعبية

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
1

تستدعي قراءة أعمال الرسام حازم صالح إعادة تشييد أفق التجربة أركيولوجيا، في محاولة لتأسيس فهم جمالي لنصه البصري، وما يبثه من ايحاءات. والجانب المهم في قراءة هذه التجربة يدفعنا إلى ناحية تكون فيها أدواتنا النقدية في مواجهة الأساطير أو الحكايات الشعبية التي عادة ما تلتقي شفرات متونها الحكائية وشخوصها في مجمل لوحاته، فهو دائم الاستعانة بها لإنتاج قراءات جديدة لمضامينها في بنية تشكيلية، مُشيِّداً عبر رؤيته الذاتية كونا دلالياً لا زمنيا، يتفاعل مع حركية الزمن المعاصر. سيكون تركيزنا مقتصرا على لوحاته التي يرسمها بقلم “روترنك” ذي الحبر الأسود الذي عادة ما يستخدم في التخطيط، ولوحاته هذه تحيلنا إلى منطقة خاصة في مسيرته الفنية، لازَمَته منذ بداياته، وما يزال يجد فيها مساحة تقنية لاختبار أفكاره، واقتصارها على اللون الأسود يقربها من تكاملها الفني، وما يخلقه هذا اللون من قيم جمالية أساسها التضاد الحاد بينه وبين المساحات البيضاء التي يتركها على الورقة.

ينسجم نتاجه مع آفاق التلقي الحر للعمل التشكيلي والقراءات النقدية المختلفة التي تضعه تحت مشارطها، رغم ما يستند عليه في مشغولاته من مباحث لها جذور مخزونة في الوعي الجمعي الشفاهي، إلاَّ أنه في إحالاته التشكيلية لا يهدف إلى أن تندرج سيميائيات اللوحة وفق برمجة الماضي وما يرسله من إشارات مقفلة على دلالات ذات معنى محدد مسبقا، بل يعمل على أن ينفلت بمقروئيات خيالاته إلى مديات بعيدة، بما يمتلكه العمل الفني من طاقة على التحليق واكتناه مناطق جديدة في البنى الثابتة للمحكيات الشفهية، يستجلي فيها طاقتها الشعرية عبر خطوط حادة بتضاداتها اللونية، وغالبا ما يكرر بعض مفرداتها خاصة العيون.

لم يكن هذا المنحى الاشتغالي لديه يأتي في إطار توظيف شكلاني فقط، بكل ما فيه من ممكنات تتيحها عناصر بناء اللوحة وتمنح نتاجه مستويات متراكبة من الدهشة والغرابة، بقدر ما يأخذ بالعلامات المستلة من الأساطير والحكايات الشعبية إلى منطقة من الاشتغال الفني، يفكك فيها علاقاتها الراسخة، دافعا بها إلى تأسيس صورة جديدة، تحيل الذاكرة إلى أن تعيد برمجة نفسها، لأجل ان تكون مهيأة لاكتشاف مفردات إشارية جديدة، بعد أن عمل على تحطيم الدائرة المنغلقة في نمطية الدلالات التي كانت تتسوَّر فيها أيقوناتها.

في تشكيل عالمه الفني يتقصد ان يتواجه مع مفاهيم مشتركة لدى المتلقي ويسحبه إلى ضفة خالية من التحفظات والاشتراطات المسبقة في عملية تداول ما هو متدَاول في دورة المعايير ضمن متون المحكيات والمرويات الشفاهية، فليس في عالمه التشكيلي محددات مسبقة، ومن هنا فإن التفاعل مع خصوصية تجربته يعكس قدرة البنية التخييلية لدى الفنان في أن تُخرِجَ المتلقي من الأطر التي تُقنِّن تفكيره ومشاعره أثناء تلقيه للتجربة الفنية، رغم ما فيها من بِنيات منسوبة علاماتها إلى الماضي.

هذا الاجتراح التخييلي في تناول الذاكرة الشعبية والأسطورية في تصورات الفنان البصرية، يعبّر عن سعي حثيث في ان يكون تلقي اللوحة ضمن رؤية محايثة ليست سياقية في عملية التناول، أولا من جانبه، وثانيا من جانب المتلقي، باعتبار ذلك تحصيل حاصل، ما قد تحمله تجربته من مفردات وعناصر مستوحاة من الواقع، بمستوياته المختلفة: الشفاهية والمادية، الخرافية والواقعية.

فالانحراف في مسار الحكاية الذي يقودها إليه ليس إلاَّ معاينة في وظيفة التجربة الفنية في علاقتها مع الأشياء والزمن والحياة، فالرسم من وجهة نظره، في سياق ما أنتجه من أعمال منذ تسعينات القرن الماضي وصولا إلى أعماله الأخيرة التي حاكى فيها موضوعة فيروس كورنا، لم يتقصد فيها إعادة تشييد العالم بأثريات فنية تنضح منها رائحة نوستالجية، وهذا ما قد ينخدع به المتلقي للوهلة الأولى عندما يستعرض أعماله ويجدها تتميز بمفردات استلها من واقعه الشعبي والأسطوري، لكنه ما ان يحاول الدخول إلى مضامينها سيجد نفسه ازاء توصيفات للأشياء من خارج الجهاز المفاهيمي الذي يحمله في جعبته، وسيدرك بالنتيجة انه يقف أمام تصورات ذاتية، تستلزم منه إسقاط ما يحمله من مفاهيم خارج صالة العرض، لأنها لا تستجيب إلى فعالية قناعاته الراسخة بمضامينها، وهنا يكمن اللعب الحر الذي يمارسه العبدلي مع ما هو مشيَّد من مضامين في الواقع، وتمتد هيمنة تقنياته الذاتية في تفكيك هذه العوالم الواقعية وإحالتها إلى امتدادات غير مألوفة في مفاهيم الذاكرة الجمعية، مع إصراره بالمحافظة على صلتها الواقعية من الناحية الشكلية.

القراءة الاشتغالية من جانب العبدلي تخرج البنية المنمذجة من الواقع إلى مشروع جديد يعيد تركيب علاقتها مع الزمن، فيستلها من تقييدات الأطر الثابتة وإشاراتها الواضحة والمباشرة إلى نسق سيميائي خاص، يستدعي استبعاد المقاربة التشبيهية مع أيقونات الموروث الشعبي، فاللوحة لديه حتى وأن اعتمد فيها على المحكيات الشفاهية، ترتبط بما يحمله خطابه الفني من أفكار ورؤى يحاول فيها أن يحدد نقطة ارتكازه في الحياة بكل ما هي عليه من غموض وتعقيد، فالعودة إلى بساطة الحكايات القادمة من زمن إنساني عفوي قابع في البيئة الشعبية لا تعني بالنسبة له الهروب إلى الخلف، إنما يأتي في سياق مفهومه للمواجهة مع الحاضر بكل ما يفرزه من إفراط بتدمير الوعي الإنساني الفطري، وانحياز إلى الذات في بعدها الخلاق، وفي معاناتها للخروج من التنميط والتدجين والشخصنة والقولبة.

ما بعد الحداثة والحكاية الشعبية

العبدلي يضعنا في متن خطاب فني يسحب الحكاية من زمنها، بكل ما فيها من عناصر معروفة، إلى زمن جديد يحمل بعداً تخييلياً يتحايل فيه على الواقع ويقاومه بأدواته، مؤسسا له مَتناً سرديا بصريا يحطم فيه العلاقة المنمقة التي تجمعه مع دلالات عناصره المتداولة، لذا يبدو فعل التشارك في عملية تلقي تجربته منحازا إلى تكريس الفردية في القراءة، واستبعاد المرجعية الجماعية، وهذه الحيرة في تلقي تجربته، لا شيء يجمعها مع الحيرة التي عادة ما تلازمنا ونحن نقف أمام أعمال فنية تستلهم بنيتها وأسلوبها من مناهج الحداثة لما تحمله من غموض وتجريد، وربما يكون حازم صالح له رؤيته الذاتية في فهم واستيعاب ما بعد الحداثة في مسألة تفكيك أطر وقوالب الحداثة المنضبطة وفي تعاملها مع ما هو شعبي، فمن الواضح من سياق تجربته أنه في حال علاقة قائمة على الجدل مع انحيازات تجارب ما بعد الحداثة، إلا أن مشاركته في فضاءها العام الذي تنتجه يبقى في تأكيد حضوره القائم على تفادي الوقوع في قراءات الآخرين، ودائما ما يذكرنا بأنه حكواتي، في زمن ما بعد الحداثة، يسرد لنا الحكايات بأسلوبه ورؤيته الخاصة، وهذا ما يتجلى في عناوين لوحاته التي عادة ما تستعير صياغتها اللغوية من سياق بنيتها السردية.

أكثر ما يحرص عليه أن يشكل سردياته بتوليفة بصرية تربك ذائقتنا بخطوط حادة وملامح بارزة وخشنة، ودائما ما يراهن في إنشاء اللوحة على تكرار لمحات واقعية، يحيلنا من خلالها إلى ان نكون بعيدا عن مضمونها الاجتماعي، إذ تبدو أقرب إلى فعل التعرية لمفاهيم وأفكار وأوضاع إنسانية غالبا ما تضع الإنسان في لحظة يكون فيها مأزوما في وجوده وإنسانيته وفطرته من قبل أنماط من السلطة.

وعلى الرغم من أن الفنان في حكاياته التشكيلية لا يخفي انحيازه للإنسان، إلا انه لا يلجأ إلى أن تُحسب اللوحة لديه في إطار مضامين مباشرة، وذات أبعاد ايديولوجية يتمثلها الواقع، ولطالما يتعمد أن يكون أسلوبه التقني في تشكيل مفردات نصه البصري بعيدا عن أي مرجعية واقعية، ولا يتواطأ مع غموض الحداثة وما بعدها، فمن اللافت لدى المتذوق للفن التشكيلي بكل تحولاته الأسلوبية سيجده يتحرك في استقلالية واضحة عن بقية التجارب التي يزخر بها فن الرسم في العراق، ومن السهولة بمكان ان يتعرف على أعماله.

الميثولوجيا ونزعة التجريب

 

تؤكد تجربة العبدلي، على ان التفرد الفني لا يأتي فقط من ارتفاع مستوى الحرفية في الأداء والتعامل مع اللون والإنشاء والتكوين واستحداث خامات جديدة في مشغل التجربة، ولا الاتقان العالي في إعادة تصوير الواقع بما يشكل تنافسا مع الصورة الفوتوغرافية، إلاّ أن ترسيخ العلاقة مع الأدب والشعر والفلسفة والموروث، في مسيرة الفنان كما هي لدى حازم العبدلي يحيل أفق هذه العلاقة إلى افتراضات وتخيلات رؤيوية، من خلالها يستجلي مقترحات جديدة لطبيعة العلاقة التي يتعامل بها مع ما يحيطه من عوالم إنسانية وصراعات، عادة ما تشهدها أوجه الحياة المختلفة.

بالإضافة إلى أساطير الواقع وخرافاته القابعة في بنية الحكايات الشعبية التي عَرف كيف يتحاور معها، فإن الميثولوجيا لا تغيب عن نزعته التجريبية، وهناك إصرار لديه بمقابلتها مع ما يترسخ في علاقة الإنسان المعاصر من توتر مع ذاته ومع العالم الخارجي.

المتابع لتجربته بوسعه ان يستحضر تأسيساته التشكيلية التي حاكى بها حضارات بلاد ما بين النهرين، وما أقامه من مقاربات تشكيلية مع العديد من الرموز التي تعبر عنها، ومن جهة أخرى لم تكن هذه العودة إلى الماضي البعيد لأجل إدانة الحاضر المهزوم والمنكسر، فالمسألة لديه ليست بهذا التسطيح عندما يتعلق الأمر في رؤية التاريخ، إنما يذهب باتجاه اكتشاف مستويات جديدة من العلاقة الجمالية بين الماضي والحاضر، خاصة وأن الفن الرافديني وخاصة الآشوري يحمل في سماته نزعة جمالية مفارقة في التعامل مع الحجر وتطويع كتله الكبيرة إلى نصب وقطع نحتية فيها من السمات التقنية والجمالية ما يشير إلى تقدم كبير في المستوى الفني لدى الفنان العراقي القديم، وهذا ما يدفع فنانا مثل العبدلي، إلى ايجاد مقاربات تشكيلية معه.

ما يؤخذ على العبدلي عدم اهتمامه بإقامة معارض شخصية، وانصرافه التام عن تسويق تجربته إلى خارج حدود مدينته الموصل، وفي ما لو خرج من هذه الدائرة التي أحاط نفسه بها، فمن المؤكد أن تجربته ستدخل في طرح أسئلة جديدة، وسينتج عنها محكيات تشكيلية تضيف إلى كونه الحكائي الذي استقاه من بيئته وتراثه الشعبي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية