الرسام العراقي خليف محمود: اقتناص الممكن والمحتمل في بنية الزمن الواقعي

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

ليست اللوحة لدى الرسام خليف محمود تتلخص باستدعاء المظاهر الفزيولجية للواقع، كما يبدو للوهلة الأولى للمتلقي إذا ما استعرض مجمل ما أنتجه من لوحات على مدى تاريخه الفني الذي يمتد لفترة زمنية تتجاوز الأربعة عقود، وإذا ما القراءة النقدية قد اشتملت في جوهرها على هذا التوصيف المفاهيمي على اعتبار ان ذلك يعد إيجازا لخلاصة ما تذهب إليه رؤيته الفنية، فإن ذلك يعني الخضوع إلى مسلمات مسبقة في القراءة تقترب مما هو ظاهر وتبتعد عن ما هو جوهري.
وإذا ما وضعنا تجربة خليف محمود تحت مشرط النقد لابد من الابتعاد عن المرجعيات التقليدية في النظرة إلى ما أنجزه من مناخ فني ذاتي يحسب له ولا ينازعه عليه أي واحد من زملائه، بالشكل الذي أفرز لنا خصوصية تحمل قسماته الأسلوبية، من حيث سيادة الألوان الحارة والموضوعات المشبعة بالمزاج الشعبي والتي تتحقق فيها النزعة الإنسانية بسطوع كثيف، وهذه الحساسية الجمالية المشبعة بدلالاتها المحلية والتي تحققت في ما رصده وتناوله عبر مغامرته الفنية الطويلة، يُمكننا تأطير تركيبتها ومدياتها عبر الإشارة إلى قصدياته المتجسدة في الخروج عن سياق الوعي المتداول في تلقي الواقع والتفاعل معه، راصدا بذلك في مستويات إشاراته الانشائية واللونية، ما يعكسه الزمن الإنساني من بنية درامية خلف سطحه الأملس.
ما نجده في لوحاته أن هناك اشتباكا دائما مع صور الحياة اليومية بما تحفل به من مشهدية مألوفة، ربما لا تثير انتباهنا في مجرى الزمن الواقعي، ذلك لأننا اعتدنا على رؤيتها في حياتنا اليومية، إلاَّ انه في اقترابه منها واستيحائها يضعها أمام مقاربة جمالية تنطوي على هاجس الأخذ بها إلى منطقة أخرى تمتلك حساسيتها الخاصة، وكأنه يتوصل إلى سبر أغوارها واكتشاف ما تخفيه من تقاطيع حارة، نعجز عن اكتشافها لأننا قد تآلفنا معها بحكم الروتين والعادة.
وفي إطار اشتغاله التقني لموضوعاته المشبعة بدلالات البيئة المحلية لا يذهب إلى ناحية الخضوع والانزواء تحت سلطة النستالوجيا، بقدر ما تكون عملية الاستلهام المتحركة في مشغله منطلقة من رؤيته القائمة على استشراف تصور جديد لما قد يبدو عاديا ومألوفا في البنية التقليدية من الحياة اليومية، سواء كان ذلك مرتبطا بشخصيات لها طابع نمطي أو مظاهر مشهدية لها صلة بسرديات الحياة بأوجهها الحزينة والمبهجة.

علاقة وجدانية مع المحيط

لم يكن خليف في تجربته مبهورا بالتجارب العالمية في الرسم إلى الحد الذي يجعله حريصا على اقتفاء كل ما يطرأ عنها من تحولات على مستوى الأساليب والأشكال التي أفرزتها تجارب الحداثة وما بعدها في العالم الغربي، كما هو حاصل في المشهد التشكيلي العربي بشكل عام، وإذا ما تتبعنا مسيرته التي بدا فيها عازما على تحطيم النسق التقليدي في التعامل مع الواقع سنجد لديه من الناحية الشكلية نزعة واضحة في ان تغتني لوحته بشحنة إنسانية شفافة رغم قوة وصراحة ألوانه وسخونتها، والحرص على تبيان هذا التكنيك وتدعيمه في خصوصية مشغله بما يطرحه من مفردات وعلى وجه خاص في ملامح الشخوص التي يضخها في لوحاته، إنما يعكس هذا المنحى الأسلوبي طبيعة العلاقة الوجدانية التي يرتبط بها مع محيطه بتركيبته الزمنية، وهو هنا يتحرك بدينامية ما بين الماضي والحاضر، ومن غير الممكن ان لا تلتقطها عين المتلقي.
التعبيرية الواقعية في أعماله تحمل جماليتها في تلك الحدود المتداخلة والمتماهية ما بين الواقع العيني المرئي وبين شطحات الخيال والاستيهامات، ما يدفع المتلقي إلى الشعور بتداخل الخارج مع الداخل، الذاتي مع الموضوعي، والملاحظ في هذا السياق ان ذاكرة خليف تحتشد فيها حكايات وصور وشخصيات شعبية، لها امتدادات في الذاكرة الجمعية المعاصرة لمدينته الموصل، لكنه يتعامل معها بخبرة وذائقة تحمل جذوة درامية، كما لم يسقط في دائرة الانخطاف السحري أو السياحي بكل ما له صلة بالموروث والتراث والفولكلور، بل كان حريصا على ان تبقى رؤيته معاصرة، سيما وانه شديد الحرص على ان يؤسطرها وفق مزاجه وافقه الفني.

الاحتمال والممكن

لن يجد متلقي تجربة خليف محمود غرابة في الأشكال والخطوط التي تشي بها لوحاته، لكنه دائما ما يكون على موعد مع عالم آخر، وواقع يتشكل في مساحة من الاحتمال والممكن، رغم انه في علاقته مع الواقع لا ينأى بعيدا عنه، وهذا لانه في حالة انحياز وانجذاب إلى ما يختزنه من ثراء إنساني، وحتى عندما يتناول الحرب وما خلفته من تداعيات كارثية على ذاكرة مدينته الموصل، لم يحتكم إلى الاستجابة الانفعالية المباشرة من حيث الألوان التي عالج بها هذه الموضوعة، بل بقي محتفظا بخصوصية تجربته من حيث طبيعة الألوان التي عودنا على ان ننتظرها في لوحاته، فبدل ان تتسلل القتامة بتدرجاتها نجده منحازا إلى الأحمر والأصفر والأزرق. والاحتكام إلى هذه المعيارية الذاتية اللونية في رؤية الحرب والتهجير تعكس ما في داخله من إصرار على التحدي من الناحية التقنية والجمالية، وتجاوز ما هو متوقع في رؤية الأشياء، بالتالي ليس أمامك إلاَّ ان تشعر بفيض من مشاعر البهجة والدهشة الجمالية رغم تراجيدية ما تشي به موضوعات لوحاته.

تورط بما هو إنساني

عندما يتعامل خليف في العديد من لوحاته مع تفاصيل واقعية تكاد ان تكون لها خيوط وثيقة مع البيئة المحلية التي عرفها وتعايش معها، بمخزونها الثر من عادات وأعراف وممارسات شعبية ومعيشية، نرى رؤيته قد تخلصت من الانبهار بظواهر الأشياء، وعلى الضد من ذلك يتوغل في مسار يحمل بين إشاراته تورطا بما هو إنساني أكثر منه عاطفي، بمعنى ان الرسم من وجهة نظره لن يبقى مُغلقا ومنغلقا في آن على ما تتركه الألوان والمساحات من تأثير جمالي غامض ومفتوح في تأويلاته، بل يجد فيه ضرورة ان يتورط الفنان بكامل وعيه وأسرار تجربته، في المواجهة مع الزمن بما يحمله من تحولات ومتغيرات، وعلى ذلك فإن تجربته تنسحب إلى الضفة التي يصعب فيها فك الاشتباك ما بين الرسم باعتباره تقنيات وألوان ومهارة وخبرة وبين الرسم من حيث اندراجه في سياق الفنون الإبداعية التي تطرح هواجس وتساؤلات الفنان إزاء ما يواجهه الإنسان من تحديات في لحظة ما.

الافتراق عن الرواد

من الوارد جدا ان نعثر على المشتركات المفاهيمية التي تجمعه مع زميليه الرسامَين لوثر ايشو وشاهين علي ظاهر، على اعتبار ان الثلاثة قد بدأوا سوية في عالم الرسم في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي، إلأّ ان لكل واحد منهم أسلوبه المختلف عن الآخر، ويمكن القول بأن الثلاثة في تجاربهم كانوا قد انطلقوا من رؤية فنية تنحاز بعيدا عن التجارب الطبيعية والواقعية التي كانت حاضرة مع جيل الرواد الذين نهلوا منهم وتتلمذوا على أيديهم، وفي مقدمتهم الرائد نجيب يونس وضرار القدو وحازم الأطرقجي.
ما أنجزه خليف محمود خلال رحلته الطويلة مع عالم الرسم، عبر ما هو مدرج في القائمة الطويلة لمعارضه الشخصية والجماعية التي أقامها وشارك فيها، نستطيع ان نقول بان تجربته تندرج في مسار اللحظات المتحركة في تاريخ الرسم العراقي المعاصر بكل ما ضج به هذا التاريخ من ارهاصات وتوقيعات، وهذه الموضعة النقدية لتجربته، نرى بأنها تكتسب حضورها ومنطقها، من خلال انفتاح رؤيته على بنية فنية مُركَّبَة تهاوت فيها الحدود بين الشيء والإحساس به.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية