الرسام العراقي شاهين علي: دينامية التفاعل مع الوجود الإنساني

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
1

الأسلوب في المحصلة النهائية غاية ما يسعى إليه الفنان لتأكيد حريته في التصور وتحقيق فردانيته بما يقدمه من نتاج بالشكل الذي تستحيل تجربته بما قد تشهده من تحولات، وبما تستند إليه من مفاهيم وتقنيات وخامات، إلى عالم خاص بدلالاته يومئ إليه وحده، ويتأتى ذلك بانحيازاته الشكلانية ومعالجاته التي تنطوي عليها تجاربه في سفر مشواره الفني، وما يفرضه على نفسه من تحديات وهو يحاول تجاوز ما أنجزه في مراحل سابقة من اشتغالاته، ومثل هذا الانشغال في كسر الثوابت سيفضي بالتالي إلى ان تنزاح تجربته نحو منطقة خاصة به تشير في دلالاتها إلى كينونته الفنية، لتصبح متكئا يستعين بها المتلقي وتستدعيها ذاكرته إذا ما حاول قراءتها والوصول إلى إجابات عن أسئلته. وبدون شك فإن هذه المواجهة الدائمة التي عادة ما يخضع لها الفنان المعاصر بوعيه وإرداته من ناحية البحث عن الأسلوب، غالبا ما تحول بينه وبين الفنانين الآخرين في ان يشاركونه تفرده، ومن خلال ذلك يمكن للفنان ان يشير إلى خصوصية سماته الذاتية التي تعكس شخصيته بما يحققه من تجارب فنية. وبهذا السياق فإن الرسام لا يحاول فقط ان يعكس للمتلقي صورة الأشياء وهي تنعكس في ذاته، بقدر ما يكون في مقدمة أولويات مساعيه الوصول إلى الأسلوب، باعتباره الأداة التي تعكس رؤيته في التعبير عن التحولات الداخلية لقراءاته إزاء الأشياء والعالم المحيط به.
الرسام شاهين علي يمنح متلقي تجربته الإحساس بقوة الأسلوب. فمن ناحية انشغالاته الفكرية نجده على قدر كبير من التماس مع بيئته بما تحمله من شخوص وموضوعات تستمد معطياتها من حركية الواقع وما يتشكل في بنية علاقاته من صراعات إنسانية، وإذا ما حاولنا قراءة العلاقة القائمة بينه وبين العالم من حيث رؤيته الفنية، سنجد فيها طغيانا للشكل الفني وهو يتوغل عميقا إلى دواخل ما يتصدى له، وهذا يشير إلى انه في إنشاء لوحته يتقصد الكشف عما تخبئه من أفكار غائرة خلف توقيعاته اللونية وضربات فرشاته، وليس من السهولة على المتلقي الإحاطة بها من دون ان يتموضع في حالة من التأمل والاستغراق وطرح الأسئلة.

تحرير الوعي

شاهين رسام منسجم مع مجترحات الحداثة، وفي مسار اهتماماته يتقصد ان يتحدى ردود أفعال المتلقي ويستفز مدركاته بأشكال تتسم بالحدة والقسوة، ولا يضع في حساباته إحداث نزعة تطهيرية، بقدر ما يذهب في لوحاته إلى زج المتلقي في حالة جدل مع ذاته بفعل عملية تلقي التجربة الفنية، مثلما يبدو ذلك في لوحاته التي تناول فيها حالات التعذيب لسجناء أبي غريب من قبل قوات الاحتلال الأمريكي، ولعل توجهاته بهذا الخصوص تذهب إلى ناحية الأخذ بالمتلقي إلى ان يتحرر وعيه من المسلمات، لا ان تستسلم ذائقته إلى الأطر الثابتة في رؤية الأشياء والتفاعل معها.

إشكالية التلقي

وفي تعامله مع اللوحة على ما يتجلى في سياق أعماله، نجده مدركا للمأزق الذي يتحرك فيه متلقي الفن الحديث، حيث يعيب عليه انه لا يزال يتحرك في مساحة ضيقة من الأطر والمفاهيم في توصيف خطاب اللوحة، وأن هذا المشهد التنميطي السائد لدى الجمهور العام، أوجد علاقة شبه مقطوعة ما بين الفنان المُنتج والمتلقي الذي لا يملك ما يكفي من الاستعداد لمغادرة موقع المستهلك إلى الناحية التي يحلق فيها المنتج المبدع في قراءته.

كسر المألوف

وإذا كانت هناك العديد من لوحاته ذات عناوين واضحة تشير إلى موضوعات مخزونة في ذاكرة المتلقي العراقي، فإن لوحات البورتريه التي تأخذ حيزا مهما من نتاجه، تخرج هي الأخرى عما هو شائع ومتداول في الذائقة السائدة التي تعتبرها مقياسا لمعرفة ما يمتلكه الرسام من حرفية عالية تمكِّنُه من مقاربة اللوحة مع صورة الشخص في الواقع، بينما نجدها في مشغله على غير هذا النحو، حيث يسعى إلى تفجير شحنة من الايحاءات التي تشي بها ملامح الشخصية، فيصبح الشكل معبأ بصياغة جمالية من الإشارات التي تكسر ما هو متوقع رؤيته في سماتها الظاهرة، بمعنى انه يشتغل على إيجاد فضاء تعبيري في ملامح الوجه مجردا إياه مما قد يدور في دائرة ما هو مألوف.

البحث عن حلول

يستمد شاهين نسق تجربته الذاتية من تحركه في فضاء مفتوح تتوزع أفكاره على مستويات متراكبة من الأزمنة، وفي كل هذا الاشتغال دائما ما يكون هاجسه البحث عن حلول جديدة في التعبير حتى وهو يقتنص لحظات إنسانية شائعة مظاهرها بين أركان بيئته المحلية، كما في اللوحة التي يرصد فيها حوارا جادا بين رجلين يجلسان على كنبة في مقهى شعبي، ورغم مألوفية هذا المشهد في الحياة الواقعية العراقية، إلاَّ ان ما يستيقظ من مشاعر في التفاصيل المهيمنة في بنية اللوحة، تشير إلى ان مقترحاته في اللون والانشاء وشكل العلاقات تبدو مترعة بخطاب جمالي يحمل دلالات عميقة تستدعي من المتلقي ان يقيم قطيعة مع كل ما يمكن ان يقع في دائرة ما هو مفهوم ومباشر في الحياة اليومية، وفي هذا السياق نستطيع ان نقول بانه في جميع لوحاته هناك اهتمام كبير في استبطان دواخل الشخوص بالشكل الذي لا يمكن الفصل بين الشكل والمحتوى.

خلخلة الانطباعات

يعزز شاهين المكانة الخاصة التي ترسخها لوحاته اعتمادا على ما يطرحه من أفكار تؤكد لمتلقي تجربته انتمائه الإنساني، هذا إلى جانب ما يسعى إلى تحقيقه من تجاوز في طرق وأساليب تصوير الأشياء والموضوعات التي يتصدى لها، ولعل أبرز سمات تجربته نجدها كامنة في دينامية تفاعله مع الوجود الواقعي، وجرأته الأسلوبية في التناول الفني، وانحيازه إلى كسر الجمود في تصوير ما قد يبدو مألوفا.
ويمكن القول بان لوحته بما تحدثه من خلخلة في الانطباعات، تشي بمساحة شعرية تكشف انشائيتها المركبة عن تكثيف دلالي يستمد بواعثه الجمالية وإشاراته الفلسفية مما أفرزته الحداثة من نزعات ومدارس وأساليب.

اتصال وجداني

ما يلفت الانتباه في تجربة شاهين تلك المخلوقات الآدمية التي سحقتها أشكال مختلفة من السلطة لتستحيل في عذاباتها إلى دلالة رمزية في حضور كيانها الغريب والمعزول خلف قضبان العتمة والقسوة والموت، ولتنقل لنا بهزيمة أجسادها قيمة الأثر الفني، باعتباره لغة تستمد قوتها من طاقتها الايحائية في التعبير والايصال، وفي تحويل الحقائق الواقعية إلى بنية وجدانية نتفاعل معها ونتأملها في رؤية الفنان، وهو بذلك يؤكد لنا بأن لا قيمة لأي عمل فني إن لم يحدث اتصالا وجدانيا مع المتلقي.
شاهين من مواليد مدينة الموصل 1952 يحمل شهادة بكالوريوس في الهندسة من جامعة الموصل عام 1977وقد توج جهده العلمي بخمس براءات اختراع. أما في ما يتعلق بنشاطه الفني فقد بدأ اهتمامه بفن الرسم منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، وفي العام 2002 ساهم في تأسيس «جماعة نينوى» إلى جانب زملائه الرسَّامِين لوثر ايشو وخليف محمود وماهر حربي وراكان دبوب، وسبق له ان نال تكريم الدولة العراقية عامي 1978 – 2001. كما نال الجائزة الأولى للفنون الإبداعية عام 2008.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية