الرسام العراقي علي نعمة: نزعة اكتشاف المخفي في ما هو يومي وعادي

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

يمضي الرّسام في انشغالاته الفنية في مسعى أقرب ما يكون إلى المغامرة، بهدف الكشف عن عوالم ذاته القلقلة في تجليات علاقته الوجدانية والفلسفية مع الحياة، معتمدا في صياغة تأملاته، على ما ترسَّخ لديه من خبرة متراكمة، تشكَّلت منطلقاتها الجمالية عبر تجارب وتأملات خاضها في محترفه الفني، بحثا عن هويته الفردية في حضورها الإنساني. ومن خلال عملية البحث عن ذاته، تتضح حساسيته الفنية في ما ينتجه من أعمال إبداعية، يحاول فيها أن يخلق عملية تواصل مع العالم الواقعي، مهما تنوعت واختلفت المدارس الفنية التي تقطر منها تجاربه الفنية، ومهما اغتربت في شطحاتها الأسلوبية نحو التجريد.
إن الفنان المعاصر والمتمرد على الأطر التقليدية في رؤية الأشياء، يسعى دائما إلى أن لا يكون أسير ما يظهر من صورة الواقع والأشياء الملموسة، بل جل ما يتوق إليه أن يكسر مسار الزمن في سيره المستقيم، مثلما هو الحال لدى الرسام العراقي علي نعمة، بمعنى أنه يتوخى في رصده للحياة التوغل تحت ما هو مرئي وملموس.
تجربة الرسام العراقي علي نعمة شهدت تحولات واضحة في التعامل مع الدلالة الواقعية التي تمثل مرتكزا أساسيا في منطقة اشتغاله داخل اللوحة، وقد كان لحضورها وجود ملموس منذ تجاربه الأولى، حيث طغت عليها الألوان الحارة بشكل لافت للنظر، مثل الأحمر بكل صراحته وقوته، إلاَّ أن التطور في أدواته أخذه إلى ناحية تعميق رؤيته إزاء الدلالات الواقعية في تجاربه اللاحقة، ولكن بشفافية مفعمة بغموض لا يبعث على الحيرة والقلق. كما شاعت الألوان الباردة بتدرجاتها، مع قوة في ضربات الفرشاة، لكن هذه القوة لا تتسم بالحدة والعنف والخشونة، بقدر ما تترك انطباعا عاما يحيلنا إلى الإحساس بحركة متدفقة وليِّنة في سلاستها.
انعكست تحولاته الأسلوبية في رؤيته لطبيعة ما ينبغي أن تطرحه اللوحة من علاقات لونية، وبما ينتج عنها من ايحاءات وتأملات للمشاعر المخفية وراء الملامح الظاهرة للوجوه الإنسانية، والتي دائما ما ينفتح عليها في موضوعاته، مثل ما يبدو ذلك في لوحته التي رصد فيها ردود أفعال مجموعة أشخاص يستمتعون وهم جالسون داخل مقاعد لعبة «سكة الموت» بمدينة الألعاب، أو في لوحته التي يرصد فيها نظرة ساهمة لشابة مراهقة تحتضن بلمسة ناعمة أصيصا فيه مجموعة من الزهور.
وإذا ما تأملنا التفاصيل سنجد الرسام يحيلنا في ما أنجزه إلى ما تختزنه اللحظة الإنسانية من تدفق للمشاعر، وكأنه يعيد تركيب الواقع في بنية يمتزج فيها مع الحلم والشعر، وعندما تقف عين المتلقي أمام لوحاته لن تجد صعوبة في رصدها ومعاينتها.
إن الذي يشير إلى تصاعد الخط البياني في نضج معطيات تجربته وتحولاتها، ما تكشفه انتقالاته الأسلوبية من التشخيصي الواقعي في بداياته إلى ما يمكن اعتباره انغماسا في واقعية تعبيرية.
في ظل الكم الكبير من النتاج الذي يخرج من المشغل التشكيلي العراقي المتباين في مستواه الفني، والذي تنحسر عنه أصالة التجربة في أغلب ما يُعرض من تجارب داخل صالات العروض، سيكون من اللافت أن ينفرد فنان مثل علي نعمة في ما يقدمه من لوحات تهدم البنية المكرَّسة في التعامل مع تمظهرات الواقع، طالما نجده غير مبهور بما يشيع في المناخ العام من أفكار وأساليب.

إيقاع متدفق

يتخذ نعمة لنفسه مكانا ينفرد به ويعزله، محاولا أن يعيد إلى اللوحة تماسَّها العميق مع وجدان المتلقي، مفترضا أن الرسم لابد من أن يفعِّل العلاقة مع تفاصيل الحياة الإنسانية، ومن هنا يمكن قراءة إصراره على أن يستلهم منها صورا متنوعة يكاد الإنسان أن يشغل فيها مركزية الحضور. وهذه الفكرة تستحوذ على اهتماماته ولا تغيب عن مجمل لوحاته، إلاَّ أنه في الوقت نفسه لن يذهب في مسألة تمثلاته للواقع إلى ناحية تأكيد الوظيفة الاجتماعية للفن، بقدر ما تبدو نزعته إنسانية بشكل مطلق. وإذا ما تأملت مشهدياته المستوحاة من الواقع الإنساني، فإنك ستتلقى فيضا من الإيقاع المتدفق يتسرب من أسلوبه في التعامل مع حركة الفرشاة وهو يعيد صياغة الحركة في راقصات الباليه في أكثر من لوحة، أو في تلك الالتقاطات التي اختطفها من الواقع اليومي المعاش في بيئته العراقية.
في رؤيته ليست هناك إي إشارة إلى أن لديه نظرة دافعها التغني بالتراث أو الفولكلور وهو يحاكي الجمال الظاهر للعين بشكل مباشر، إنما يدفعه إلى ذلك حساسيته العالية في الدخول إلى منطقة تضطرم بروح المغامرة، بما تنطوي عليه تطلعاته من رغبة جامحة في استظهار معاني الأشياء الخفية في ما يبدو عاديا ويوميا، على عكس ما نجده في لوحات المستشرقين. وهو بذلك يختلف عنهم عندما يتوقف طويلا أمام العالم الذي يعرفه ويحيط به ويتواصل معه، في محاولة منه لاستكشاف واستظهار مشاعر إنسانية منزوية خلف تفاصيل صغيرة جدا، سرعان ما تلتقطها عيناه، ولينشئ معها بالتالي علاقة حميمة، ترغم المتلقي على أن يستيقظ في داخله إحساس حيوي بالحركة.
قد تبدو الموضوعات التي يتناولها مألوفة للوهلة الأولى، سواء التي يرصد فيها لحظة مستقاة من الحياة الواقعية في بيئته المحلية أو في ما يستوحيه من بيئات أخرى غير عراقية، لكنه بما يمتلكه من سيطرة تقنية على ايقاظ الإيقاع يدفع بما هو مألوف إلى منطقة مشبعة بكثافة بصرية وحسية.

قوة اللون الطاغية

يمكنك أن تشعر بالانغام الموسيقية التي تعزفها الفرقة السيمفونية، وما تنضوي عليه من مستويات متراكبة في الأصوات والبنية الهارمونية للمقطوعة الموسيقية، ويمكن أن يصل إلى وجدانك ما يصدر عنها من لحن عراقي خالص، كما في لوحة يتسيدها العازف «شعُّوبي» الذي يُعد أشهر عازف عراقي على آلة الجوزة خلال نصف قرن مضى من الزمان. ويمكن القول إن هناك قوة طاغية في التعبير لن تخطئها العين في ألوانه الصريحة، تنم عن جرأة وانسجام مع حركة الفرشاة بضرباتها الواضحة.
في ما يتعلق بالموضوعات التي يتناولها، فهو لا ينظر إليها من زاوية اعتاد المتلقي أن يتواصل بواسطتها مع ما قد يشاهده في الحياة، بل يبدو مهتما في رؤيتها من زاوية خاصة به، وغالبا ما تكون غير مألوفة، يبتعد فيها عن مألوفية التلقي في النظرة الأفقية، بهدف الكشف عن إمكانية الوصول إلى ما هو غير مرئي، وذلك عبر انزياح رؤيته صوب ما ليس له صلة بما هو ميكانيكي في عملية التواصل والبحث عن المعنى الدفين. وقيمة ما يرسمه يتضح في كسره للسياق المرئي الذي اعتادته العين في رؤية الأشياء المنظورة، ولكن من دون أن يخلع عنها مألوفيتها الواقعية في الانطباع النهائي للشكل الذي يموضعه فيها.
تضعنا هذه التجربة أمام رسَّام يحمل قدرا عاليا من الإحساس بالبهجة والفرح، فيما هو يعيد تكوين ما يراه برؤية شعرية، كما يزدحم في تنوع موضوعات لوحاته، كثافة الحضور العاطفي لظلال الواقع، وفي مقابل ذلك هناك إصرار لديه على ترسيخ أسلوبيته في قوة اللون وصراحته، وفي إنشاء محكم لعناصر اللوحة، عبر سياق يأخذ المتلقي إلى الإحساس بالدهشة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية