الرسام العراقي مؤيد محسن: ابتكار التآلف والتنافر بين عناصر اللوحة

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
4

«التصوير شعر صامت، والشعر صور ناطقة» هذا ما عبر عنه منذ وقت مبكر الكاتب اللاتيني سيدونيوس (430 -485 م) في محاولته توصيف العلاقة التي تجمع الرسم بالشعر. وإذا ما أقدَمْنا على تناول تجربة الرسام العراقي مؤيد محسن (مواليد مدينة الحلة 1964) فلن نجد صعوبة في العثور على هذه العلاقة مطروحة في جميع ما أنتجه من لوحات أقرب ما تكون في صياغة العلاقات القائمة بين مفرداتها إلى الصور الشعرية، من حيث ما تشي به من غرابة للوهلة الأولى، فهي تبدو محلقة بمسافة عالية وبعيدة عن كل ما هو مألوف وطبيعي في سياق ما نبصره وما اعتادت عليه حياتنا من سيرة الأشياء وتواريخها الاجتماعية، بالإضافة إلى الكثافة الجمالية التي يوفرها أسلوبه في ابتكار وشائج تقنية تحقق وحدة العناصر المتنافرة داخل اللوحة.
والمخيلة لدى مؤيد محسن وهي تلتقط الايحاءات من الواقع تعمل على إحالتها إلى رموز، بمعنى انها تنتقل بها من الصورة إلى العلامة، وهنا يكمن سر الفرادة التي تتوفر في مخيلة الفنان، وهذا لأنه يمنح تلك الايحاءات الخارجية ما يتفجر في داخله من أحاسيس ومشاعر وأفكار عندما يستدعيها إلى مشغله، بمعنى انه يعيد تشكيل الواقع ولكن في إطار الانزياح الفني البعيد عن رتابة الواقع وأيقونية دلالاته، على اعتبار ان الإبداع الفني عملية خلقٍ تنهض على إعادة صياغة العلاقات بنموذج جديد يحمل عنصر التجاوز، فالتجربة الفنية لن تلامس ضفة الإبداع إذا لم تنفصل ذات الفنان في لحظة الخلق عن العناصر الواقعية التي يستلهم منها مادته، لتبدأ حركية الفعل الإبداعي في عملية توقيع جديدة وهي تنشئ التجربة الفنية.
مؤيد محسن شديد الصلة بالواقع العراقي في أعماله، وربما يقف في مقدمة الرسامين العراقيين الذين لا تستطيع ان تفصل الواقع عن موضوعات لوحاتهم، ولكنه يقف في مكانة خاصة في انشغاله وتعامله مع تراجيديا الواقع العراقي، وما يلفت الانتباه إليه أن أي فكرة يتصدى لها في هذا السياق مهما كانت على درجة كبيرة من راهنيتها أو واقعيتها اليومية، فإنه يدفعنا إلى الإحساس بتداخل عناصرها مع دلالات الجذور الرافدينية، مستبعدا في أسلوبه فكرة المحاكاة عند استعادته تلك الإشارات من الحضارات العراقية القديمة، بل نجده ينتقل بها إلى منطقة فنية لا أثر فيها للاستنساخ أو المشابهة أو تمثيل الواقع، بقدر ما يدفع بها إلى تحقيق حالة من الصدمة الجمالية والذهنية، نتيجة ما تحمله عناصر اللوحة بعلاقاتها الغريبة من رؤية إزاء الواقع المعاصر الذي يعيشه العراق من بعد ان نالت منه الحروب والأنظمة القمعية والاحتلالات الأجنبية.

التجاوز والانتماء في النص البصري

تعيدنا لوحاته إلى طرح السؤال الجوهري: ما العلاقة التي تجمع التجربة الفنية بالواقع؟ ومع ان هذا السؤال ليس بجديد، إلاّ ان مؤيد محسن يرغمنا على استعادة طرحه، رغم طغيان عناصر الدهشة والغرابة والتخييل في كل ما يصدر عن مشغله الفني، وهنا تكمن جمالية هذه التجربة وخصوصيتها، في كونها تحمل فكرة التجاوز والانتماء، وفي انها تقدم أثرا فنيا يحفز مخيلة المتلقي على ان تنشط وتنتج هي الأخرى صورا بصرية من وحي الأفكار التي تثيرها كل لوحة من لوحاته، وهذا يعود بطبيعة الحال إلى أن أسلوبه في صياغة الأفكار يستند إلى طريقة حسية قائمة على تجسيمها وتصويرها، قاصدا بذلك استثارة وعي المتلقي بما يقدمه من استعارات جريئة أقرب في تشكيلها وكناياتها إلى الصور الغرائبية في النص الشعري الحديث، وتتجلى قيمتها وأهميتها وخصوصيتها ليس في الألوان والظلال والأضواء والرموز القديمة والمعاصرة التي تحتشد فيها، بل في انها عبارة عن نصوص بصرية تتمرد في تركيبة علاقاتها وانزياحاتها عن الموروث الصوري المستنفد والمستهلك في مجمل النصوص المنضوية تحت اشتراطات القواعد الكلاسيكية شعرا ورسما.
وكثيرا ما تناولت كتابات نقدية تجربة مؤيد محسن باعتبارها منخرطة بكليتها شكلا ورؤية وأسلوبا وتقنية في مسار السريالية، وبتقديرنا ان وجهة النظر هذه كانت على درجة واضحة من الاختزال والتبسيط لعمق وخصوصية هذه التجربة وفرادتها، لأن محسن لم يكن مهووسا بكل ما هو غريب وقريب إلى الأحلام والكوابيس أو ما له صلة بالدوافع الجنسية، أيضا لم تكن ستراتيجيته في الرسم تعتمد الآلية والتلقائية بمعنى تغييب الوعي وسلطة العقل في التأسيس والتكوين كما هو حال الإرث المتراكم في تاريخ السريالية منذ انطلاقتها بعد العقد الثاني من القرن العشرين، انما كان منشغلا في استدعاء راديكاليتها الشكلية وما يمكن ان تحققه من صدمة للمتلقي في سياق تأملاته للواقع العراقي، وهو بذلك قد اقترب منها من حيث «الإحساس المتزامن بالبهجة والكارثة الوشيكة، والذي يعكس الظروف المضطربة للحياة» حسب تعليق الفيلسوف الماركسي الأمريكي مارشال بيرمان (1940-2013) وقد افترق محسن عن السريالية من حيث التوظيف والمعالجات، ونرى ان انحيازه إلى ناحية ما يتركه الأسلوب السريالي من حافز الاستكشاف والاستقصاء العقلي، يعود في جوهره إلى إحساسه العالي بالمسؤولية الأخلاقية إزاء ما يتعرض له بلده من تدمير ممنهج، تقف خلفه همجية السياسة الأمريكية، فوجد نفسه معنيا بإعادة تشكيل الفوضى الناجمة عن هذه الحرب التي شنها الجيش الأمريكي، وتبيان موقفه الرافض للقوى اللاعقلانية التي تحكم العالم وتتحمل مسؤولية خراب وطنه، وفي هذا المنحى الفني نجده يتفق مع ديفيد هوبكنز(1945- 2000) أستاذ تاريخ الفن بجامعة غلاسكو في كتابه الذي تناول السريالية والدادائية، حيث أشار بأن «الراديكالية الاجتماعية والسياسية ينبغي ان ترتبط بالابتكار الفني، وان مهمة الفنان أن يتجاوز المتعة الجمالية ويؤثر على حياة الناس وأن يحملهم على رؤية وتجربة الأشياء بشكل مختلف».

بذور التمرد والوظيفة الجمالية

ان تجربة محسن باعتبارها ظاهرة مميزة في الرسم العراقي والعربي تشير إلى متانة العلاقة التي يرتبط بها هذا الرسام مع العالم المحيط به، وقدرته على إمعان النظر في تمظهرات أعماقه عبر ما أنتجه من لوحات، فهو على تماس وجداني مع البيئة العراقية بكل تجلياتها الاجتماعية والإنسانية والسياسية، وهذا ما لن تخطئه عين المتلقي وهو يقف أمام لوحاته، حيث يجد نفسه معبأ بأحاسيس تختلط فيها مشاعر الدهشة والحسرة والثورة واللوعة والغضب والاحتقار، وأستطيع ان أجزم بأن لوحاته في ما لو عرضت بمكان عام يرتاده بسطاء الناس من العمال والكسبة والأميين أو في صالة لا يصل إليها إلاّ علية القوم والنخب المثقفة، فإن عملية التلقي ستفضي في محصلتها النهائية للجمهورين إلى الإحساس بالانبهار والتفاعل مع لوحاته، وهذا لانه قد امتلك وعيا حادا وأسلوبا ذاتيا ورؤية فنية في قراءة الأفكار والموضوعات، ما مَكَّنه من ترسيخ انطباع مؤثر لدى الجميع على اختلاف مستويات المتلقين الثقافية، والوصول إلى مثل هذه النتيجة يعد إنجازا كبيرا، خاصة من يرى ان الفنان لابد له من ان يكون منتميا إلى الإنسانية ويحمل في داخله بذور الجرأة والتمرد على القوى التي تتسبب في الحروب وتدمير المجتمعات هذا إضافة إلى مسؤوليته في ترسيخ وظيفته الجمالية.

تقنية المفارقة

هناك مفارقة درامية على درجة عالية من الاستثارة تستهدف وعي المتلقي وذاكرته البصرية تتضمنها معظم لوحاته، تكتمل فيها تجليات لعبة التماثل والاختلاف ما بين العناصر المؤسسة لانشائية اللوحة وشكلها النهائي، تنطوي هذه المفارقة بتقاطع مفرداتها وتداخلها على فكرة مفادها إحداث قدرٍ من التواصل والتفاعل التأملي مع المتلقي عبر استفزازه جماليا، وإذا ما غادر صالة العرض فمن غير الممكن إلاَّ أن يدخل في حالة من اضطراب لذيذ يدفعه إلى إعادة التفكير بطبيعة التجربة الفنية التي وقف أمامها، خاصة وان ما فيها من رموز وإشارات وعوالم لها حضور كبير ومؤثر في الحياة الإنسانية وعلى وجه خاص لدى المتلقي العراقي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية