الرسام العراقي سبهان الغبشَة في معرضه “حديث الروح “: تماهي واقعية الصورة الفوتوغرافية في انشائية اللوحة

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

تحتل الصورة الفوتوغرافية مكانا بارزا في الحياة المعاصرة منذ تم اكتشافها 1839.  وبعيدا عما حصل من تطور تقني في آلات التصوير، فإن الصورة بحد ذاتها ليست مجرد تسجيل للحظة عابرة من الزمن، انما تتجاوز إلى أبعد من ذلك في دلالاتها، فهي تحمل في مستويات مساحاتها الخفية أفكارا تحتاج من المتلقي أن يقف أمامها ويتأملها حتى يتمكن من الإمساك بما توحي تفاصيلها، وهذه الطاقة الإيحائية التي تختزنها الصورة رغم ما تبدو عليها من صمت يخيم عليها تدفعنا إلى تقصي ما تخفيه من إشارات واقعية.

سبهان الغبشة، فنان تشكيلي مواليد مدينة الموصل 1965 يحمل شهادة دبلوم معهد الفنون الجميلة. أقام ثمانية معارض داخل وخارج العراق، رئيس فرع رابطة المبدعين العراقيين للفنون الجميلة في أربيل.

صدمة جمالية

في معرض سبهان الغبشة الأخير “حديث الروح ” الذي اقيم في أربيل لمدة ثلاثة أيام ابتداء من 18 تشرين الثاني/نوفمبر تأتي الصورة في جميع اللوحات برهانا على ما يتجمع أمام أعيننا من أزمنة جذبتها رياح الموت وأدركتها الحياة، من بعد أن أصابها الانهاك، فكانت خطوة موفقة من الفنان الغبشة في أن يحقق بهذا التداخل الاجناسي صدمة جمالية بين حقلين من الفنون الصورية، ولم يكتف بذلك بل عمد إلى أن يقيم علاقة تتماهى فيها الحدود بين الصورة وما تنتجه فرشاة الرسام، ويبدو من نتائج اشتغالاته في إطار الجمع بينهما داخل بنية بصرية واحدة أنه لم يجد صعوبة في العثور على الوشائج التي يلتقيان عندها، إلى الحد الذي يصبح من غير الممكن فك الاشتباك بينهما كما لو أنهما كل واحد .

أدرك الفنان الغبشة درجة التقارب التي تجمع الصورة والرسم، فعمد إلى أن يضعهما في علاقة متشابكة لأجل إعادة خلق الواقع، طالما أن كليهما ينهلان منه، وينفصلان في آن واحد، لأن انشائية العمل الفني تعيد صياغة مسار العلاقة مع واقعية الأشياء، فتمنحها حركة متدفقة تدفع بها عبر خيال الفنان إلى منطقة بعيدة عن الواقع ومرتبطة بها بفعل الإيحاء.

 

قوة الوثيقة الصورية

ضم المعرض أكثر من 38 لوحة جمعت ما بين الفوتوغراف والرسم إضافة إلى 18 لوحة تشكيلية، ويأتي التمثل الفني في هذا النتاج الزاخر بالانفلات من الأطر الجاهزة في معالجة الواقع  في إطار محاكاة تخييلية للمفردات الواقعية التي ما زالت تسكنها نبضات الحياة في مدينة الموصل القديمة، التي ولد فيها الفنان نفسه، لكنها أمست مركونة في زمن عابر جفت في عروقه مياه الحياة من بعد أن تعثرت طرقات المدينة وجدرانها بالبارود الذي انهال على وجنتيها، ولم يكن أمام رسام مثل سبهان الغبشة يتقن فن التصوير الفوتوغرافي إلاّ ان يستعين في معرضه بالصورة الفوتوغرافية لأنها تحمل قوة الوثيقة، وتقطع بمفرداتها الجدل في حقيقة الأشياء، وتأكيد على أن الحدث قد وقع فعلا، كما أن حضورها يعني أن المتلقي سيقف أمامها مُسلِّماً ذاته للحدث بكل تراكماته النفسية وتصبح للأشياء قوتها التي تهيمن عليه وتغريه على أن يفتح حوارا ذاتيا معها.

الغبشة وعلى الرغم من أنه دائما ما يستوحي موضوعاته من الواقع، لكنه يحاول أن يعكسها من خلال ذاته وهذا ما تجسد في جميع لوحات هذا المعرض، مانحا مخيلته سلطة مطلقة في إعادة صياغتها، وهنا يبدو تعامله المشغلي قد أطلق بنية متراكبة ذات مستويات متعددة للواقع، خاصة وأنه قد منح مخيلته حرية أن تأخذ بظواهر الأشياء المرئية من أبواب وأزقَّة وطرقات وخطوط محفورة على الجدران إلى مساحة التخييل، وكل ذلك من أجل أن يخلق منها عالما آخر تتداخل فيه الصورة مع ما تنتجه فرشاة الرسام من بنية لونية وضربات تعكس انفعالاته وهواجسه.  

 

 

تاريخ موجع

 

من السمات التي عبر عنها المعرض التأكيد على أن اللوحة في بنيتها التي تتشكل من عالمين (الفوتوغراف-الرسم) يمكن أن تنتج لنا بنية تشكيلية يتماهى فيها الواقع مع المتخيل، لنقف بالتالي أمام صيغة فنية تمتلك في نسيجها إشارة إلى تاريخ موجع، امتد فيه الموت وتوسّع في رغباته لاغيا وجوه الضحايا حتى انكشفوا أمامنا وكأنهم شخص واحد طالما مصيرهم واحد، إلا الأشياء فقد احتفظت بملامحها كلما أوغلت الحرب في نحرها، فكانت الأحجار والجدران والنقوش النباتية المحفورة على المرمر دقيقة في تفاصيلها الواقعية رغم أن الغبار يعلوها والدخان ما يزال يتصاعد في عمق اللوحة.

الجرأة واضحة في هذه التجربة التي تستدعي الفوتوغراف ليكون جزءا من إنشاء اللوحة التشكيلية وليس اختطافا لها، وسعى الفنان في تجربته إلى أن يدفع بكليهما إلى الواجهة، فهو معني بأن يبقي سلطتيهما الجمالية حاضرة ومهيمنة نتيجة تآلفهما في نسيج واحد، لنقف أمام وحشة إيقاع الحرب ساعة تنطفأ الأصوات جميعها، وينقر الصمت في فضاء الأزقة الموغلة في عبق الزمن والحكايات المكتوبة على حيطان البيوت بعد أن جرحت حروفها الشظايا.

 

واقعية متخيلة

دعانا سبهان في لوحاته إلى أن نبحث عن الأسماء التي فقدناها تحت الركام، والوقوف أمام المدينة القديمة وهي تطل بنوافذها على نهر دجلة، كانت كاميرته تحوم حول جسد المدينة وهو يتلوى ويتداعى تحت سماء مغبرة، وبألوانه التي لثمت سطح الصورة وأشعلت فيها الروح بعد أن كان غيابها مؤجلا على درج حجري طويل في محلة الميدان كلما اتجه إلى العمق وجدناه يرتفع، كما لو أنه صاعد إلى السماء السابعة.

ثمة انزياحات في دلالة الأشياء الواقعية في الصورة بعد أن أصبحت في بؤرة اللوحة التشكيلية من غير أن تنفصل عن واقعيتها، والصورة هنا في تحولاتها لا تعيد استنساخ اللحظة والعالم المعبأ فيها كما هو، بقدر ما تحيلنا إلى ما يختفي وراء صورة هذا العالم المنهار من تداعيات إنسانية، وتفتح اللوحة في صيغتها النهائية أمام ذاكرتنا صورا مدفونة تحت التراب تحكي ساعاتها الأخيرة وما اختزنته من همهمات وحشرجات ودموع محبوسة في المآقي، أما التشوهات التي تبدو ظاهرة فهي تمدنا بالمشاعر التي بقيت محبوسة في الصدور ولم تخرج ساعة خرجت الروح من تحت الأنقاض وصعدت إلى مرقدها الأخير.

 

البعد الأخلاقي في الحرب

يعيدنا هذا المعرض إلى موضوعة العلاقة بين اللوحة وما تمتلكه من امكانات ايحائية لتعويم الجانب الأخلاقي والإحساس بسطوته في لحظات تغيب فيها هذه القيمة عندما يتوحش الإنسان في الحرب وتستيقظ في داخله طاقة تدميرية من بعد أن يغيب وعيه، فنحن هنا أمام وضع تاريخي انسلخت فيه الإرادة الإنسانية وأحالت الإنسان إلى منطقة الغياب، وحتى في حضوره فهو مغيَّب أمام هول التدمير الكائن في محيطه البيئي الذي يتشاكل مع كينونته الإنسانية بكل تاريخه وذكرياته، وجاءت الصورة الفوتوغرافية في بنية اللوحة التشكيلية وتماهيها مع مفردات التشكيل الخطي واللوني بمثابة تعرية واقعية اقتربت في مصداقيتها إلى قوة الوثيقة الحية عن الحدث.

أن الصورة بحضورها المتواشج مع التشكيل تحفز ذاكرة المتلقي على أن يتولد في داخله موقف أخلاقي رافض للحرب، رغم أنها كانت خالية من أي علامات مادية تشير إلى الضحايا، لكنها توقظ فينا احساسا متفجرا بمدى الألم الذي تصاعد في أرواحهم، أما صورة الباب الخشبي الموصد بطرازه الفولكلوري الموصلي فهو يستدعي في ذاكرة المتلقي صور القابعين في السراديب ينتظرون ساعة موتهم، من دون أن يكون لديهم أي بصيص أمل بالنجاة.

 

 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية