تحظى الرصافة في سوريا بالعديد من الصفات والمزايا التي تبهر وتلهم كل من يطلع عليها، فهي مدينة عظيمة وتاريخية ممزوجة بحضارة عريقة عبر العصور، تمتد جذورها الأولى وفق العديد من الروايات إلى القرن التاسع قبل الميلاد، وتُعرف بـ «لؤلؤة البادية» و«شفيع النصارى العرب» وكذلك بـ «رصافة هشام بن عبد الملك».
الرصافة التي كانت في ذات يوم تعج بالحياة والحضارة والأنشطة التجارية والسياسية والثقافية، والتعايش الجميل بين المكونات المجتمعية آنذاك، كانت أيضا مسرحا للحروب والصراعات، في حين دمرها التتار كليا إبان حملاتهم العسكرية، وفي العقد الأخير، أصبحت المدينة التاريخية الرائعة رهينة الفساد والحروب وضعف الاهتمام وبين مطرقة التنقيب وسندان التخريب.
تقع الرصافة على الطريق الرابط بين محافظتي حلب-الرقة على مسافة 30 كيلو مترا من الرقة شمالي سوريا، على نهر الفرات، وقد أصبح اسمها سرجيوبوليس في العصرين الروماني والبيزنطي، وتبدو واحة خضراء وحضارة عظيمة وتاريخ قديم جدا وشعوب متنوعة توارثتها.
الرصافة التي تعني الحجر البراق الذي لم ينضج جيولوجيا، كانت تسمى باليونانية سرجيوبوليس، والتي فسرت على أنها مدينة سرجيوس وهو شفيع النصارى العرب، في حين ذكرت المدينة بالعديد من المدونات التاريخية القديمة، ومنها المدونات الآشورية، تشير بعض المصادر إلى إمكانية ورود ذكرها في التوراة تحت اسم «رصف».
وقد جاء أسمها بصيغة راصف، ثم تحوّل فيما بعد إلى الراسابة، ثم الرّصافة وهو ضمُّ الشيء إلى الشيء، كما يُرصفُ البناء، وقد دُعيت حسب موقع «سورية السياحية» بعد القرن الرابع سرجيوبوليس، أي مدينة سرج، أو سرجيس، نسبةً إلى سانت سرجيس الذي قتل فيها نحو سنة 305 على عهد ديوقلتيانوس.
العديد من الإمبراطوريات والجيوش سعت للسيطرة عليها، كما تنازع عليها اليونان والفرس والرومان، لتغدو لاحقا من المدن التابعة لسيطرة مملكة تدمر- وسط سوريا، والتي امتدت من شمال أفريقيا غربا حتى الخليج شرقا، وفق كتاب موسع نشرته المديرية العامة للآثار والمتاحف بدمشق عام 1984م، أعده مديرها بشير زهدي.
ويعود تاريخ الرصافة إلى القرن التاسع قبل الميلاد، عندما قام الآشوريون ببناء معسكر للجيش، خلال العصر الروماني، كانت مجرد بؤرة استيطانية صحراوية محصنة للدفاع ضد الإمبراطورية الساسانية.
كانت الرصافة تقع في منطقة مشتعلة بالحروب الرومانية- الفارسية، ما جعلها تتمتع بحماية دفاعية قوية وأسوار ضخمة تحيط بها دون انقطاع. كما كان بها قلعة، إلا أن الرصافة عانت من ندرة المياه الجارية والينابيع، ما جعل قاطنيها يعتمدون على الصهاريج الكبيرة لتجميع مياه الأمطار في الشتاء والربيع.
وتكمن أهمية الرصافة تاريخيا بموقعها الجغرافي الواقع على طريق القوافل القديم، وهو الطريق الذي يُخلّف الفرات، في موقع سوار، ويسير باتجاه البحر المتوسط ماراً بتدمر ودمشق.
الوصف المعماري
تحتوي مدينة الرصافة أو أطلالها اليوم على العديد من الأبنية التاريخية والأثرية والغنية بتفاصيل وعمق الحضارات التي تناوبت عليها.
وزارة السياحة السورية، تشير إلى وجود كاتدرائية كبرى في الرصافة، إذ يتوضع إلى جانبها وعلى جدارها الشمالي محراب ومنبر مسجد هشام الذي أحدثه داخل السور خلافاً لبقية منشآته العمرانية، وهي إحدى أجمل وأعظم ثلاث كنائس من القرن السادس لا تزال باقية سليمة إلى علو 15 متراً.
وهناك أيضا، الكنيسة الكبرى (كنيسة الشهداء) التي تقع جنوب الباب الشمالي للمدينة، ومبنى المارتيريوم (مبنى الشهيد) بالقرب من الباب الشمالي، هذا بالإضافة إلى السور المحيط بكامل المدينة الذي ينتصب اليوم لا مثيل له في تمامه ووضعه، حيث يبلغ طوله الكلي 1850 متراً ويبلغ سمك هذا السور قرابة ثلاثة أمتار.
بالإضافة لثلاث صهاريج لحفظ المياه تعتبر من أعظم وأروع ما خلفه فن بناء مستودعات المياه، وكسائر المدن البيزنطية يأخذ مخطط المدينة شكل رقعة الشطرنج بسبب تصالب شوارعها الرئيسية والفرعية.
في الرصافة يوجد 51 برجا ذات أشكال مستطيلة أو مستديرة أو خماسية الأضلاع وتحتل الزوايا الأربع أبراج مستديرة، وتبلغ المساحة المحصورة بين هذه الأسوار واحداً وعشرين هكتارا.
كما يوجد فيها قديسان شهيران وهما القديس سرجيوس والقديس باخوس، وهما جنديان سوريان من الرصافة دافعا عنها وقضيا في سبيل إيمانهم ودفاعهم عن المسيحية. وهذا ما جعل من الرصافة في القرن الرابع الميلادي، مَقصداً للحج المسيحي، وقدم إليها الحجاج للاحتفاء بالقديس سيرجيوس، لتصبح من أهم الوجهات للحج المسيحي بعد القدس، وتأخذ منحى تطويريا متصاعدا، لتتحول بعد ذلك مركز الحج الأكثر أهمية في وسط الأبرشيات التابعة للإمبراطورية البيزنطية، وموقعا دينيا هاما للمسيحيين من أبناء المناطق المحلية.
لقد اتبع في تخطيط الرّصافة، وفق موقع «سوريا السياحية» أسلوب المعسكر نفسه في العصر البيزنطي، إذ كان المهندسون في هذا العصر، يقيمون المعسكرات على شكل مربع، أو مستطيل، قريب من المربع، بهدف إجبار العدو المهاجم، على توزيع جنوده موجهاً القوى الكبرى نحو الواجهة
من أجمل ما خلفته الرصافة على الصعيد الاجتماعي هو حالة التعايش التي سادت في الحقبة التاريخية بين المسيحيين والمسلمين فيها، بدليل العثور على عدة كنائس فيها، مسجد بمحرابين يقع في الاتجاه الجنوبي منها، كم تم العثور على شارع محاط بأعمدة مزينة بشكل رائع.
رصافة هشام بن عبد الملك
حظيت مدينة الرصافة الأثرية والتاريخية باهتمام عبر الزمان، فقد اهتم بها العرب الغساسنة وجعلوها عاصمة مملكتهم وبنى فيها المنذر بن جبلة قصره.
وفي العصر الأموي أقام فيها الخليفة هشام بن عبد الملك 691 م – 743 م، وهو من أبرز خلفاء بني أمية، وبدت كعاصمة الدولة، إذ أضحت بعد الإضافات العمرانية والتطوير التي أشرف عليها الخليفة الأموي منتجعا صيفيا، لتبدو آنذاك وكأنها جنة وسط الصحراء في البادية السورية. في حين تشير بعض المصادر إلى أن الخليفة مكث فيها هربا من الطاعون الذي انتشر في دمشق، فيما أسكن عائلته، في قرية الهني والمري وهما ساقيتان جرهما من نهر الفرات إلى قرية واسط مقابل الرقة.
ولم يمكث الخليفة الأموي، وفق مصادر بحثية أرشيفية متقاطعة في الرقة طويلاً، إذ سرعان ما يغادرها إلى البادية، ليقيم في القصر الذي يحمل اسم قصر الحير الذي يعد كمدينة متكاملة، وقصر الحير عبارة عن قصرين، قصر كبير ذو شكل مربّع، يمتدّ على مساحة تبلغ الـ 11200 متر مربّع، ويبلغ 170 متراً طول ضلعه، في حين أن القصر الصغير، فشكله مربع أيضا، إلاَ أنه غير منتظم، وطوله 70 متراً، محاط بأسوار حجرية مدعومة بـ 12 برجاً نصف دائري، ولعل أكثر ما يميزه هو المدخل الوحيد فيه، والقوس الذي يتوسطه، بينما تفصل بين القصرين مئذنة مربعة الشكل بارتفاع عشرة أمتار، وهي ذات مدخل جنوبي ودرج حلزوني دائري.
وقام بن عبد الملك بتشييد قصرين فيها، اكتشف أحدهما جراء عمليات التنقيب عن آثارها، وهو ما جعل الرصافة تحمل اسم الخليفة وتُعرف بـ «رصافة هشام» كما أن للأمير عبد الرحمن الداخل تاريخ مع الرصافة، بعد أن كانت سببا في نجاته من الموت، حيث اختبأ عند تجمع من البدو العرب على أطرافها، ثم غادرها نحو دمشق قبل التوجه إلى الأندلس حيث أسس هناك دولة جديدة للأمويين فيها سميت الدولة الأموية في الأندلس.
عمليات هدم وتدمير
تعرضت الرصافة لأقسى عمليات الهدم والتدمير الكلي على يد التتار إبان هجماتهم على المنطقة ككل، وذلك بعد أن وصلت أخبار جرائم هولاكو في بغداد إلى سكان الرصافة غادروها وبقيت الرصافة عندئذ مهجورة وخاوية على عروشها لتبدو مبانيها الضخمة كأنها تتحدث عن أمجادها.
ووفق كتاب أعده بشير زهدي يوثق أحداثا مهمة حصلت في الرصافة في القرن الماضي، يشير الكتاب إلى عثور فريق من علماء الآثار الألمان على أجزاء من قصري الخليفة هشام بن عبد الملك تحت التراب، وبرج قائم.
عملية بحثية أخرى في عام 1986 عثر فريق ألماني خلال عمليات التنقيب على أجمل أبواب الرصافة تحت الركام، وهو باب كان يؤدي إلى وسط المدينة، وعليه نقوش وزخارف ملونة، وقد عثر كذلك على لوحات رخامية وقطع نقود أموية محفور عليها اسم الرصافة يوجد بعضها اليوم في متحف دمشق، ونُقل بعضها الآخر إلى متاحف الغرب.
وفي العهد العباسي، رفض العباسيون، وفق مدونة «وطن» أن تكون أحد المراكز الأموية مركزاً لخلافتهم، لكن الدراسات بينت أنهم استخدموا المدينة لبضعة أعوام، ثم بقيت مأهولة حتى عام 1250م عند دخول التتار إلى المنطقة وتدميرها.
في كتاب «عشائر الرقة والجزيرة، التاريخ والموروث» من تأليف محمد عبد الحميد الحمد، أشار الكاتب إلى أن الخليفة هشام بن عبد الملك، أولى اهتماما كبيرا للزراعة في الرصافة، فأشرف على زرع الكروم وأشجار الزيتون وحقول القمح، وبني في الرقة سوقاً عرفت في العصر العباسي بسوق هشام العتيق، وذكر أنه أجرى سباقاً اشترك فيه أربعة آلاف فارس لم ير مثله في الإسلام، وكان الأمويون يشجعون الزراعة وإحياء الأراضي الميتة.
وعندما انتقل الحكم إلى العباسيين سنة (132هـ/751) كانت الرقة بلدة عربية وكان ولاء الناس للحكم الأموي مطلقاً، وزاد تعلقهم بالأمويين، عندما أعلا العباسيون شأن الموالي وأذلوا العرب.
ولم يكن للرافقة أثر قديم وإنما بناها أمير المؤمنين المنصور سنة (155 هـ772) على شكل نعل الفرس ورتب فيها جنداً من أهل خراسان وجرت مواجهات بين أهل الرقة والرافقة.
ولما قدم علي بن سليمان بن علي بن العباس واليا على الجزيرة نقل أسواق الرقة وسوق هشام العتيق إلـى الفضاء الذي كان بين الرقة والرافقة.