الرعب في الأدب والسينما

حجم الخط
0

سنة 1978 صدر فيلم “هلاوين” لجون كاربتنر، من انتاج السينمائي الراحل مصطفى العقاد، وهو فيلم رعب اُعتُمِدت فيه ميزانية متواضعة حققت مردودا ربحيا بلغ الستين مليون دولار.
عرف الرّاحل مفاتيح الاستثمار في السينما لكنّه استثمر في موضوعات معينة دون غيرها، وكانت تشد الجماهير بشقيها العربي والغربي. وإن كان العقّاد ليس بموضوعنا اليوم، وإنّما هذا المدخل قصدت به إلقاء الضوء على الاستثمار في ثيمة الرّعب على مستوى الأدب والدراما.
وأعتقد أن الموضوع واضح فالخوف غريزي فينا، وكل خوف ينتهي بالنجاة يبعث فينا متعة لا وصف لها. وبالتأكيد لم تخلُ طفولتنا من حفلات التخويف التي ابتكرها آباؤنا وأمهاتنا إن لم نبتكرها نحن، فهي كانت جزءا مهمًّا من ليالينا واكتشافاتنا وتسالينا أيضا.
وإن كنّا في عمر مضى لم نفهم تجربة الخوف ومدى تأثيرها في صحتنا النفسية أو الاخلال بها، إلاّ أن الأمور توضحت لنا بعد تطوّر علم النفس التحليلي مبرزا أن الخوف أحيانا ضروري وإيجابي عند الأطفال، وأنّ أساليب خلق الخوف تطوّر من مهاراتهم في التعامل مع أخطار الحياة الكثيرة. بل حتى الإنسان النّاضج يحتاج من حين لآخر لهزّات رعب تعيد إليه توازنه العقلي والنفسي.
العقاد الذي عرف عند جماهيرنا الواسعة بفيلم الرسالة، قد لا يكون معروفا بفيلم هلاوين إلا عند نخبة من النقاد والعارفين بتاريخ الرجل وهواة هذا النوع من الأفلام، لكنّه حتما من الأوائل الذين عقدوا صفقات مربحة بسبب التقارب بين الدوائر الدينية (المسيحية تحديدا آنذاك) وبين هوليود.
إن عدنا قليلا للوراء لفهمنا أن هيوليود كانت تزعج رجال الدين، واتُّهِمت بإفساد عقول الأطفال والهاب غرائز الشباب وتدمير الأفئدة المؤمنة بملوثات الصورة والصوت. اشتهر من بينهم القس المعمداني الإنجيلي جون رايس بكتاباته أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، الذي تبعه آخرون موجّهين سهام الخطيئة لصناع الأفلام، ومؤلفي القصص والروايات، وظلت حملاتهم مستمرة رغم تناقصها، كما وجد منتجون كثر طرقا ذكية لتمرير رسائلهم دون إثارة غضب أولئك “التُّقاة”. من بين تلك الأفلام أفلام الرعب التي تناولت هلاوين عنوانا لاطلاق الرعب في قاعات السينما، حيث المجرم دائما ينفّذ جرائمه ليلة الاحتفال بعيد هلاوين وهو عيد ديني…! وينزل أقصى عقوبة وهي تصفية ضحاياه الذين يستحقون ضمنيا الإعدام، بسبب ارتكابهم خطايا غير مغفورة مثل الزنا وتعاطي المخدرات…
يمكن قراءة ستيفن كينغ مثلا سيد الرعب كما يلقب، كاتب عشرات من روائع الرعب، ونتتبع سلوك شخصياته لنفهم سريعا أن الخوف محور جيد لخلق قوة اجتماعية مقاومة، الخوف يجمع النّاس ولا يفرّقها، وكما في المتخيل نعيش الواقع بنفس الإيقاع. لكن حذاري ينبهنا الأطباء النفسيون إلى أن أفلام الرعب للمراهقين وتأثيرها عليهم شبيه بتأثير القصص الخيالية للأطفال.
استنتاج أول: أن تكون فوق سن الأربعين وتستهويك أفلام الرعب فهذا يعني أنك تعيش مراهقة متأخرة، استنتاج ثانِ: حبك المستمر لأفلام الرعب وأدب الرعب لا يعني أكثر من تعريض جسدك وعقلك للعبة مخيلة تكسر الروتين الممل الذي تعيش فيه.
ربما هناك استنتاج ثالث ورابع، لكن دعونا نلقي نظرة على شهادة عالمة الاجتماع مارجي كير التي تعمل في معلم جذّاب يسمى “بيت الرعب” في بيتسبرغ، الولايات المتحدّة، والتي تقول أن السرّ يكمن في السيطرة على الخوف، وليس في الشعور بالخوف في حدّ ذاته.
يشرح لنا عالم النفس آرثر ويسترماير أن الدماغ البشري يشعر بمسببات الخوف لكن طالما هي في بيئة آمنة فإن رد الفعل الفيسيولوجي يصبح ممتعا حقا.

وكلما كان المشهد المبتكر أكثر وحشية نال مزيدا من انجذاب الجماهير، مثل مشهد هانيبال ليكتر (صمت الحملان) وهو يتذوّق بملعقة أدمغة ضحاياه التي لا تزال حية !

تلعب الدراما هنا أو الأدب دورا مهما جدا ليس فقط في امتاع المتفرج أو القارئ بل بتفكيك حقيقة مسببات الخوف وجعلها مفهومة، تقول العالمة الشهيرة ماري كوري: “ليس هناك ما نخشاه في الحياة، هناك أشياء نحتاج فقط لفهمها”، وهذا ما تقدّمه أعمال الرعب سواء في السينما أو في الأدب.
السؤال الآن هل تدرك أدمغتنا فعلا ذلك؟ وهل يمكنها أن تسيطر على مواقف خوف في الواقع؟ الجواب المؤسف يقول أننا بكل تأكيد لن نستفيد فالخوف الحقيقي غير خاضع للرقابة لأنّه ليس في معرض مرح، ولا في حفلة هلاوين، ولهذا نفقد تماما كل شعور بالمتعة تحت سيطرة موقف مخيف حقيقي.
في أدمغتنا نظام يحدّد ما إذا كان الخوف “متعة” أو “حقيقي” فيحرّض الجسد على الرد بطرق مختلفة، في حالة المتعة يلي الخوف موقف مضحك تتشارك فيه المجموعة التي غالبا ما تشاهد الفيلم معا، أما في ظرف واقعي وحقيقي ستتفاعل أجسامنا بإفراز الأدرينالين ورفع مستوى الكورتيزول والسكر في الدّم، حينها سنجد أنفسنا أمام خيارات سريعة جدا فإمّا الهروب أو المواجهة أو الصراخ لطلب النجدة أو الشلل الكامل، وحدها النّجاة تغير الموقف كاملا، فيكافئ الجسد نفسه بنفسه بإفراز هرمون الدوبامين الذي يشعرنا بالسعادة.
الاستثمار في الرعب على هذا الأساس يقوم على معطى علمي دون أن ندرك ذلك. المخرج جون كاربنتر قال لصحيفة التايم في 16 نوفمبر 1987 أن أقوى عاطفة بشرية هي الخوف، وهو جوهر أي فيلم تشويق جيد.
لقد تمكّن كبار المخرجين من اللعب بعواطف المشاهد، يبتكرون الخوف ويقومون ببنائه لبنة لبنة، وهم دائما يسألون خلال عملية البناء تلك ما هو الأكثر رعبا أن نواجه الوحش وجها لوجه ونحن نراه، أو أن نعلم أن هناك وحشا في مكان ما لكننا لا نراه، يتفق المحللون النفسيون أن “ما هو أكثر رعبا هو ما يتخيّله المرء”
ثم تأتي الأشياء الصغيرة التي تلعب دور المفاجأة المرعبة، مثل الدمية القاتلة، أو الطفل الجميل البريء النظرة الذي يخفي رغبات دموية شريرة، أو المهرج الذي يسعد الأطفال وخلف قناعه المبتسم يختفي الشرير المرعب كما في رواية ستيفن كينغ “it” .
لقد أحبّ البشر تخويف بعضهم بعضا، ولا تزال قصص الوحوش والذئاب التي تأكل الإنسان، ودراكولا وفرانكنشتاين والدكتور جيغل من أدب القرن التاسع عشر تستهوي الخيال الجماعي إلى يومنا هذا. وما السينما سوى تأكيد لذلك، حين تنفتح الشاشات الكبيرة على مشاهد الرعب نفسه وتحقق نجاحات متتابعة.
أليس هذا ما يحدث مجددا مع كل نسخة مستحدثة من مجموعة أفلام هلاوين مثلا؟
وكلما كان المشهد المبتكر أكثر وحشية نال مزيدا من انجذاب الجماهير، مثل مشهد هانيبال ليكتر (صمت الحملان) وهو يتذوّق بملعقة أدمغة ضحاياه التي لا تزال حية ! يقف فرانك لافوند مؤلف كتاب “كوابيس أمريكية، الخيال والرعب في السينما الحديثة” عند هذه الظاهرة ويلخصها قائلا “اللعب بخوفك هو عودة إلى الطفولة”، وبالنسبة لأهل الاختصاص فإن أفلام الرعب تمثل بالفعل المعادل المعاصر للقصص التي هزّت مشاعرنا الصغيرة في طفولتنا الباكرة، ووفقا لستيفان بورغين كاتب سلسلة من المقالات حول السينما والرعب والقتلة المتسلسلين فإن هانيبال ليكتر هو التجسيد الحديث للغول أو وحش الحكايات المفترس الذي أرعبنا ونحن أطفال.
وفيما ارتبط الرعب الطفولي بعقاب الأفعال الشريرة، فقد ظلّ محفورا في أدمغتنا حاملا لواجهة دينية خفية، هي المتحكمة في أغلب سلوكنا وتصرفاتنا اللامفهومة. إذن هل كل هذه الجماهير العاشقة للرعب تعيش طفولتها بشكل ما؟ الجواب نعم، إنها بكل بساطة تأخذ جرعتها الضرورية من الخوف، كما تفعل حين تأخذ جرعتها من الضحك أو البكاء أو التعويض العاطفي الذي تجده في القصص والأفلام الرومانسية. لكن يبدو أن الجرعة غالية الثمن، والإقبال عليها أكبر من غيرها.
يقول خبراء آخرون مهمتهم تحليل الرعب على المستوى العالمي أنّ تزايد العنف في نشرات الأخبار وعبر المواقع الإعلامية والتواصل الاجتماعي هو الذي يدفعنا لمزيد من استهلاك أفلام وروايات الرعب، كونها مطمئنة أكثر من الواقع المتوحش، فالرعب فيها ذو أمد قصير، وله نهاية ملموسة، أمّا ما يحدث في الواقع فقد يحوّلنا إلى وحوش لأنّه لا ينتهي، ومتابعته مرهقة جدا.
نتفق في الأخير أن الرعب مقيت وسيء ومرفوض إلاّ في الأدب والسينما فلديه حسناته النفسية والمادية طبعا.

شاعرة وإعلامية من البحرين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية