تعد الرفاعي واحدة من المدن المهمة في جنوب العراق، إذ تمثل إداريا أكبر الأقضية التابعة لمحافظة ذي قار، وهناك مشروع مطروح منذ 25 عاما لأن يتم تعديل مستواها الإداري من قضاء إلى محافظة مستقلة. يتكون قضاء الرفاعي من أربع وحدات أدارية: ثلاثة نواح هي الفجر، وناحية قلعة سكر، وناحية النصر، بالإضافة إلى مركز القضاء، وتتوزع وحداته الإدارية: في الشمال الغربي ناحية الفجر، ومن الشمال ناحية قلعة سكر ومن الجنوب ناحية النصر، يتمركز بينها مركز قضاء الرفاعي وجميعها تقع على نهر الغراف، المتفرع من نهر دجلة.
تبلغ مساحة القضاء 3300 كم وتشكل 6 في المئة من مساحة محافظة ذي قار. وتبعد مدينة الرفاعي 300 كم جنوب العاصمة العراقية بغداد، وحوالي 80 كم شمال مدينة الناصرية مركز محافظة ذي قار، وتمتاز المدينة بالكثافة السكانية العالية هي والنواحي والقرى التابعة لها. وهي ذات موقع استراتيجي إذ تمثل همزة وصل بين المحافظات الخمس التي تشكل جنوب العراق، ميسان، وذي قار، وواسط، والديوانية، والسماوة. وسكنتها منذ بدء تأسيسها الحديث في ستينيات القرن التاسع عشر قبائل وبيوتات عربية أهمها: الشويلات، وبني ركاب، وبني مالك، وبيت السوز، والقراغول، والصرفيين، وبني حجام، وعكَيل، وآل مشلب، والعتاب.
السيد أحمد الرفاعي
هو ابو العباس السيد أحمد الرفاعي، حفيد الإمام الحسين، جليل النسب، زكي الحسب، ومن سادة العرب، فهو حسيني الأب، أنصاري الأم، شافعي المذهب. ولد في النصف الأول من شهر رجب سنة 512 هـ – 1118م في قرية حسن في واسط المحاذية لقرية ام عبيدة في البطائح، وفي السابعة من عمره توفي والده السيد السلطان علي، في بغداد سنة519 هـ – 1513 م ودفن في الجامع الذي يحمل اسمه في شارع الرشيد.
ويصف الأستاذ ثامر عبد الحسن العامري في كتابه «المراقد والمزارات في العراق» ص 56 مرقد السيد الرفاعي بقوله: «يقع مرقده في ناحية السيد أحمد الرفاعي يمين الشارع العام. الباب الرئيس تحيطه طارمتان متكاملتان طولها 25 مترا وعرضها 5 أمتار على الجانبين. وأمام صحن المرقد غرف على يمين ويسار المرقد، ومساحة الصحن المكشوف 35 مترا × 25 مترا ثم نصل إلى باب المرقد الرئيسي المتكون من الخشب الصاج، إذ يتوسط بناء المرقد رواق ضلعه 25 مترا. أما غرفة الحضره فمساحتها 10 أمتار مربعة ، وفي وسط الغرفة القفص الخشبي المصنوع من خشب الصاج والمطعم بالبرونز وهو قديم الصنع طوله 4 أمتار وعرضه 3 أمتار. وجدران المرقد جميعاً مطلية بارتفاع مترين بالمرمر الإيطالي الجيد، وعند نهاية الرواق الأول نشاهد المنارة الأثرية القديمة التي ساهم في بنائها القطب الصوفي ابراهيم الراوي الرفاعي جليس السجادة الرفاعية بأمر من عبد الحمید خان سلطان الدولة العثمانية، يقابلها أربعة قبور قديمة يعود أحدها لأمير المنتفق ناصر باشا السعدون».
وقد ذكر معظم المؤرخين السيد أحمد الرفاعي في مؤلفاتهم وأسهبوا في ذكر مآثره ومناقبه، إذ قال ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان عند ترجمة السيد أحمد الرفاعي؛ «هو أبو العباس أحمد بن أبي الحسن علي بن أبي العباس أحمد المعروف بابن الرفاعي، كان رجلاً صالحاً، فقيها شافعي المذهب، أصله من العرب، وسكن البطائح بقرية يقال لها أم عبيدة، وانضم إليه خلق عظيم من الفقراء، وأحسنوا الاعتقاد فيه وتبعوه. والطائفة المعروفة بالرفاعية أو البطائحية من الفقراء منسوبة إليه والبعض من أتباعه يدعي أحوالا عجيبة من أكل الحيات وهي حية، والنزول في التنانير وهي تضطرم بالنار فيطفطونها. ويقال إنهم في بلادهم يركبون الأسود ومثل هذا وأشباهه له مواسم خاصة يجتمع عندهم من الفقراء عالم ما لا يعد ولا يحصى بكفاية الكل. كما يذكر سبط ابن الجوزي في كتابه «مرآة الزمان» مثل ذلك فيقول: «وكرامات ومقامات أصحابه على ما بلغني: يركبون السباع، ويلعبون بالحيات، ويتسنم أحدهـم في أصول النخل ثم يلقي نفسه إلى الأرض ولا يتألم».
وقد زار الرحالة الشهير ابن بطوطة مدينة واسط في رحلته وذكر: «ولما نزلنا مدينة واسط أقامت القافلة ثلاثا بخارجها للتجارة، فسنح لي زيارة قبر الولي السيد أحمد الرفاعي، وهو بقرية تعرف بأم عبيدة على مسيرة يوم من واسط، فطلبت من الشيخ تقي الدين أن يبعث معي من يوصلني إليها فبعث معي ثلاثة من عرب بني أسد، وخرجت ظهراً فبت تلك الليلة بحوش بني أسد، ووصلنا في ظهر اليوم التالي إلى الرواق وهو رباط عظيم فيه آلاف من الفقراء، وصادفنا به قدوم الشيخ أحمد قوجك حفيد ولى الله أبي العباس الرفاعي، الذي قصدنا زيارته، وقد قدم من موضع سكناه من بلاد الروم لزيارة قبر جده، وإليه انتهت الشيوخة بالرواق ولما إنقضت صلاة العصر ضربت الطبول وبدء الذكر حتى بدء صلاة المغرب وقدموا السماط، وهو خبز الأرز والسمك واللبن والتمر فأكل الناس ثم صلوا العشاء وأخذوا في الذكر والشيخ أحمد قاعد على سجادة جده».
التاريخ والاسم
إنَّ التوصّل لمعرفة تاريخ مدينة الرفاعي يرجع بنا إلى أسفار التاريخ السومري، إذ كانت ساحة لمعارك عديدة بين دويلات المدن السومرية وأهمها المعارك بين دولة لكش ودولة اوما جوخة، إذ كانت المياه سبباً أساسيا في تلك النزاعات، وكانت دولة لكش السومرية ومدنها الثلاث تعتمد على مياه الفرات التي تصلها عبر قناة تمر بمدينة جوخة، ولم تتفق هذه الدويلات المتجاورة على تسوية تلك النزاعات إلا في عصر الملك انتمينا ملك لكش حيث قام بعمل عظيم وهو شق نهر لمملكته يتزود بمياهه من نهر دجلة، وهذا النهر هو الغراف وبذلك ساهم بإحياء تلك الأرض الممتدة اليوم من مدينة الكوت حتى تخوم مدينة الناصرية.
مدينة الرفاعي المعاصرة غافية على تلال المدن السومرية العريقة؛ مملكة لكش 12كم جنوب شرق المدينة، ومملكة أوما 23كم إلى الغرب منها، ويشهد تكوينها الطبوغرافي على ذلك، إذ تحيط بالمدينة التلال الأثرية، تل السيدية، وتل المحليكات، وتل كبيبة، كما ينتصب وسط المدينة تل رابع هو تل أبو خشيبة، هذه التلول لم تتم فيها عمليات تنقيب علمية وبقيت تضم تحت ترابها تراثا سومريا كبيرا إذ كان لمملكة لكش قصب السبق في التاريخ السومري في التشريع وسن القوانين.
أما مدينة الرفاعي الحديثة فقد ظهرت مجددا في ستينيات القرن التاسع عشر عندما استثمر عدد من الأثرياء والتجار أموالهم في إقامة مزارع فيها، وكان أبرزهم الحاج عباس صالح الكرادي، المتحدر من الكرادة الشرقية في بغداد، والذي اكتسبت المدينة اسمه فأصبح ناحية الكرادي منذ أواخر العهد العثماني حتى مجيء الاحتلال البريطاني، إذ كانت الكرادي ناحية من الوجهة الإدارية، وعشائرها خاضعة لمدير الناحية الذي عمل على إشاعة الاستقرار والأمن وتطبيق القانون فكانت عشائرها تتصف بالهدوء والاستقرار مقارنة بما جاورها من مدن المنتفك، إذ لعب الشيخ يوسف الخير الله زعيم عشائر الشويلات دورا مهما في ذلك، فقد كان شخصية لامعة في مناطق الغراف كما يصفه الدكتور عبد الجليل الطاهر في كتاب «العشائر العراقية» إذ يقول عنه: «كان محاربا عنيداً، وإداريا محنكا ومن الممكن أن يعزا الهدوء في حوض الغراف إلى هذه الشخصية».
وقد اعتبرتها الإدارة البريطانية إداريا بمستوى ناحية في سنة 1916م وعين عبد الحميد السوز مديرا لها، وفي عام 1928 صدرت الإدارة الملكية بجعل ناحية الكرادي قضاءً، وفي 20 حزيران/يونيو 1935م زارها رئيس الوزراء ياسين الهاشمي، واقترح إبدال اسم الكرادي بالرفاعي تخليدا وتيمنا بالقطب الصوفي السيد أحمد الرفاعي الذي يقع مرقده المقدس على أطراف المدينة.
تعد الزراعة الحرفة الأساسية للقضاء ويشكل المزارعون الغالبية العظمى من السكان، فضلا عن تربية الحيوانات واستخدام بعض الأراضي للرعي، وقد ساعد في ذلك موقع الرفاعي على نهر الغراف وخصوبة التربة نتيجة الترسبات التي يحملها النهر. إذ تعد الرفاعي من أهم المدن الزراعية في هذه المنطقة لما تحتويه من مساحات واسعة من الأراضي الخصبة والتي تمتد من حدود محافظة ميسان شرقا إلى حدود محافظة السماوة غربا، وبالإضافة إلى ما فوق هذه الأرض الشاسعة من ثروة حيوانية هائلة ومياه متدفقة من خمسة جداول رئيسية تروي أراضي شرق هذه المدينة ويماثلها جداول في الصوب الثاني في الغرب منها غير الجداول الصغيرة الكثيرة الأخرى، ولأن ناتج المدينة من الحبوب كان كبيرا، لذلك قامت الحكومة العراقية في سبعينيات القرن الماضي وبالتعاون مع إحدى الشركات الروسية العملاقة ببناء سايلو ضخم لتخزين الحبوب ليستقبل الكميات الهائلة من المحاصيل المنتجة من أراضي هذه المنطقة والمناطق المجاورة لها، كما حدثت قفزة تنموية في عقد السبعينيات في المدينة تمثلت في تنفيذ المشاريع الزراعية فيها مثل مشروع المغيشي في ناحية الفجر شمال مدينة الرفاعي، ومشروع الدواية المتداخلة أراضيه مع أراضي قضاء الرفاعي.
وبالإضافة للزراعة، فإن مدينة الرفاعي تطفو على بحيرة كبيرة من النفط الخام، وهذا ما أكدته البحوث الجيولوجية. فقد أعلن عن وجود حقل نفطي كبير غرب المدينة وبمساحة تقدر بـ 900كم مربع، ولغرض الاستفادة من هذه الثروة النفطية واستثمارها قامت الحكومة العراقية بالتعاقد مع شركة بتروناس الماليزية وجوبكس اليابانية المؤتلفة معها للعمل في حقل الغراف النفطي الذي يقع غرب المدينة وسارعت الشركة ببناء مكاتب، ودور سكنية، وأماكن راحة، ومستوصف للعاملين فيها، وما زالت عمليات الحفر مستمرة للوصول لامكانية تصدير 250 ألف برميل يوميا من حقل الغراف.
أما المؤسسات التعليمية في المدينة فهي مميزة، إذ تم افتتاح جامعة سومر عام 2012 على أرض خصصت لها شرق المدينة وبمساحة 400 دونم، وتضم اليوم سبع كليات هي: كلية التربية الأساسية، والإدارة والاقتصاد، والزراعة، وكلية الطب، والعلوم وتكنولوجيا المعلومات، والعلوم، وكلية القانون. كما سارعت وزارة التربية بافتتاح معهدين صباحيين الأول للمعلمين والثاني للمعلمات في هذه المدينة بدلا من معاهدها المسائية.