القاهرة ـ «القدس العربي»: بمناسبة صدور الترجمة العربية لرواية «شهر في سيينّا» للروائي الليبي هشام مطر، أقامت دار الشروق ندوة لمناقشة وتوقيع الرواية في مبنى (قنصلية) في القاهرة. قامت بترجمة الرواية للعربية العُمانية زوينة آل تويّة، وأدارت المناقشة مع المؤلف الكاتبة أهداف سويف، التي أشارت في البداية إلى مدى تأثير حادث اختطاف والد المؤلف واغتياله في ظل نظام معمر القذافي، وأنه يسيطر على كل أعماله، وإن جاء في شكل متباين ما بين الإيحاء والتصريح المباشر.
من جانبه تطرّق مطر إلى عدة موضوعات تتعلق بالرواية والكتابة عموماً، بداية من إلحاح لوحات مدينة (سيينّا) عليه منذ زمن، وأنها رحلة مرجوّة كان يتمناها ويخشاها في الوقت نفسه. كذلك ارتباطه بالعمارة، وكيف أن هندسة الشكل الروائي من أهم تقنيات كتابة الرواية، مع التذكير بأن لكل رواية شكلا يفرضه موضوعها، دون الكاتب، الذي يخطئ عندما يفرض شكلاً روائياً على موضوع لا ينتمي للشكل المفروض، ولا يتوافق معه. فكل كتابة وكل فن كما يرى هشام مطر هو رسالة ـ ليست بالمعنى المُستَهلَك ـ مُبهمة ومستغلقة، حتى تجد القارئ الذي يكتشفها، لتحيا كما أراد لها صاحبها، ومنه.. يضيف مطر بأن فعل القراءة في حد ذاته، وكذا الانفعال والتواصل مع لوحة أو مقطوعة موسيقية ـ الفن عموماً ـ هو ما يؤكد الاحتفاء بإنسانيته، بكل تناقضاتها التي يسعى عبر كل ما يكتبه إلى اكتشافها وحل ألغازها.
كتب هشام مطر ـ مواليد عام 1970 ـ عدة روايات مثّلت إضافة إلى الأدب بوجه عام ـ لا يقتصر على كونه أدباً عربياً ـ بداية من روايته «في بلد الرجال» 2006، التي وصلت إلى القائمة القصيرة للبوكر العالمية، ثم «اختفاء» 2011، «العودة» 2017، حازت جائزة بوليتزر، ورواية «أصدقائي»، التي حصلت على جائزة أورويل للرواية السياسية عام 2024.

سيينّا
نشأت مدينة سيينّا ـ إقليم توسكانا وسط إيطاليا ـ كمدينة مستقلة حوالي عام 1125، واستمرت ما يقارب 400 سنة. واللافت أنها كانت جمهورية ديمقراطية ذات حكومة مدنية، حيث تم الفصل بين نظامي الدولة والكنيسة. فكان هناك (قصر الشعب) كمقر للحكم، ومجلس الحُكم المكوّن من 9 أعضاء، وكان يجتمع في غرفة كانت تسمى (غرفة الـ9)، وفي هذه الغرفة وكشعار للنظام السياسي قام الفنان أمبروجيو لورنزيتي برسم جداريته «الحكومة الصالحة»، ليُقابلها على الجدار الآخر لوحة «الحكومة الفاسدة»، التي تصوّر الحياة ومصيرها إن حادت الحكومة عن تطبيق العدل والسعي الدائم نحو العدالة، إضافة إلى ذلك وجدت عدة لوحات لكل من الفنانين دومينيكو تاديو دي بارتولو، سيمون مارتيني وماثيو دي جيوفاني. والمستوحاة في معظمها من قصص وحكايات الكتاب المقدس.
مطر
كانت زيارة هشام مطر للمدينة حالة مؤجلة، طالع لوحة من لوحاتها في متحف لندن في شبابه، ووقف أمامها طويلاً، واستشعر عالماً من الغموض والارتباك، وفي زيارة سريعة للمدينة منذ سنوات طالع اللوحات، وأجّل الأمر إلى زيارة مطولة يعيش من خلالها أجواء تلك المدينة وعصرها. فيقول عن اللوحات.. «كانت تقف منفردة، لا من العصر البيزنطي ولا من عصر النهضة، طفرة بين الفصول، مثل الأوركسترا تُدوزِن أوتارها في الاستراحة». هذه الاستراحة هي الحافز لهذه الرحلة، عن فن (حالة) لم يُغادر ماضيه، ولم يتطور ويُعرف على نطاق واسع كما حدث مع فنون عصر النهضة، مدينة غابت واحتفظت بزمنها، على العكس من فلورنسا مثلاً وفنانيها المشاهير.
وما بين اللوحات، ودروب المدينة التي لا يزورها الشخص إلا سيراً على الأقدام، وقد تم منع السيارات من التجوال في شوارعها، وكذا بعض الشخصيات الأخرى، كشخص أردني يقيم منذ ثلاثين عاما في سيينّا، وامرأة من افريقيا تحلم بالجنسية الإيطالية واستخراج جواز سفر، فقط لتتمكن من زيارة بلدها ـ فكرة العودة المُلحة على الكاتب ـ تتضافر حكايات الكتاب/الرواية، التي بدورها تجانب التصنيف، من رحلة إلى سيرة أو تحليل ثقافي، ومقارنة بين أحوال وحالات تتواتر رغم قرون مرّت.. ومع العودة إلى لوحة (الحكومة الفاسدة)، حيث تجهم الملامح والوجوه المتغضنة، وقرنا (الحاكم/الظلم) الأشبه بالشيطان في ميثولوجيا التصاوير الدينية، يعقد مطر مقارنة سريعة بين هذه اللوحة ورسومات الغرافيتي على جدران طرابلس، التي سخرت من القذافي.. «الطغيان الذي صوّر على أنه شيطان، ذكرني برسوم الغرافيت التي غطت الجدران في كل مكان في أنحاء طرابلس، ساخرة من الزعيم الليبي معمر القذافي».
المشهد الآخر يتمثل في الطاعون الذي ضرب أوروبا وكذا العرب عام 1348 ـ تم ذكره في كتابات ابن بطوطة وابن خلدون ـ حاصداً أرواح الملايين، وقتها فرّ أهل سيينّا من مدينتهم، التي انهارت وقد نهبها اللصوص أيضاً، فصارت خراباً، تحولت بعدها من استقلالها كجمهورية، ودخلت تحت رحمة الكنيسة فاقدة وجودها. هنا يعقد مطر مقارنة أخرى في خياله بين أموات الطاعون المهجورين في مدينتهم الخربة دون دفن، وواقعة إعدام القذافي 1270 سجيناً سياسياً عام 1996 في اليوم نفسه، وتركهم في الصحراء دون دفن جثثهم.
الفردوس
ومن لوحة (الفردوس) لجيوفاني دي باولو، يعمق هشام مطر رؤيته لكل ما يحيطه، بل يتجاوز الأمر إلى (الأمل) الذي ربما نحيا من أجله دون أن نعيه، ونعيش الحياة ـ المؤقتة ـ حتى الوصول إليه.. إلى لحظة أبدية لا تنتهي، تتمثل في لقاء سعيد مع الغائبين.. كل الغائبين، ليكون المقابل هو الجحيم، أو كما يقول.. «الجحيم الحقيقي ليس جحيم النار، بل جحيم ألا يعرفنا أولئك الأقرب إلينا».
