الروائي المصري إيمان يحيى في «قبل النكسة بيوم»: الأصوات السردية وتحولات اليسار

عادل ضرغام
حجم الخط
0

في لقطة ربما تكون كاشفة عن التناقض بين المتخيل والمتحقق، أو بين الهالة المصنوعة وزوال هذه الهالة بالتأمل والتفكير لحدود فترة زمنية ظلت مؤثرة، وما زالت تمارس التأثير بإعادة المقاربة والدرس في تاريخنا المعاصر، من خلال مراجعة صور تم تنضيدها بوسائل عديدة لبعض النماذج لتصبح في بعض الأحيان خارقة للمعهود، وتندّ في كثير من الأحيان عن الطبيعي والواقعي. في لقطة لافتة يشير عبد المعطي سلام الصحفي ذو الأصول اليسارية والقومية إلى رقم زنزانته (23) التي اعتقل بها لانضمامه لوحدة الشيوعيين عام 1966. فالثورة من خلال هذا التشابه في الرقمين (23 يوليو) – تباينا مع تجليها المثالي وارتباطها بآفاق العدل والحرية – أصبحت من وجهة نظره بابا لتعميق قمع الحريات والدكتاتورية وسيطرة وهيمنة الصوت الواحد الذي يقضي على صاحب كل صوت تظهر من خلاله شبهة المعارضة.
لا يخفى على قارئ الرواية انتماء الكاتب لليسار، وإن ظل هذا الانتماء فكرة مثالية، وقد ظهر جانب من هذا الاهتمام في روايته «الزوجة المكسيكية»، حين توجه في أجزاء منها إلى مناقشة طبيعة اليسار، ومشروعية وجوده، وحتمية استمراره، بوصفه فكرة مختزنة، وبحثا دائما عن العدالة والحرية، يتجلى عملها آنيا في مراقبة الأمل في أسى شفيف، من دون أن يكون له قدرة على الفاعلية والتأثير. فالكتابة عن اليسار المصري وعلاقته بالسلطة وانتصاراته وهزائمه وغياب فاعليته محط اهتمام الكاتب، بل يمكن القول بغير قليل من الاطمئنان بوجود الفكرة ذائبة في أعماله حتى يشعر القارئ أنها المحرك الأساسي للكتابة، وتبدو المدخل الأكثر حضورا لمقاربة أعماله.
في الرواية هناك محاولة كشف وتعرية لبعض النماذج الذي ظل وجودها مُطْبقا مزدانا بمهابة لفترات طويلة، فهي- بسبب القدرة على فن صناعة النموذج – أقرب إلى أنصاف الآلهة، وفي أحيان أخرى حين تزول محاولات الصناعة والتزويق تصبح أقرب إلى صورة واقعية عادية، يرتبط بها ما يرتبط بالآخرين من أمراض مستعصية ومستمرة في تشكيل هوية الإنسان العربي، خاصة في استمرار النسق الفاعل بين الحاكم والمحكوم. يتجلى ذلك في ثنائية النظرة تجاه عبدالناصر وتوزعها بين (نصف إله) و(شيطان رجيم)، فبالرغم من انتماء معظم الشخصيات الساردة في نص الرواية كريمة إدريس، وحمزة النادي، وعبدالمعطي سلام إلى معسكر مؤيديه، إلا أنها سرعان ما تصحو على واقع أليم، تقوم فيه الشخصيات بمناقشة موضوعات ذات جدل مستمر تقدم غالبا على أنها أخطاء كارثية مثل حرب اليمن، وثبات التراتب الطبقي الذي قامت الثورة لتذويبه من خلال ولادة طبقات جديدة تحل مكان الطبقة التي قضت عليها الثورة، والقبضة الأمنية وأذرعها المعروفة في تلك الفترة، بالإضافة إلى آلية التعامل، في التخلي عن الهدف الأساسي والانشغال عنه بما هو سطحي وذاتي وبعيد عن المهمة المنوطة بكل شخصية.

الأصوات السردية/ فواصل الخراب

البناء في الرواية قائم على أصوات تروي الوقائع المتداخلة من لحظة آنية في ثورة 2011 بالرغم من اختلاف أماكن السرد بين القاهرة ونيويورك، مع وجود ذاكرة منفتحة على الماضي البعيد، وهذا التوجه الكتابي يجعل كل صوت يمارس نوعا من القراءة والتحبيك الخاص بالسلوك بمجمل التحولات واضعا إطارا من التبريرات المقنعة لحركته السردية وسلوكه وردود أفعاله دفعا للمساءلة، والتملص من فكرة التخلي عن المبادئ المثالية. فكل صوت سردي في تحبيكه السردي يحاول تلمس العلل والأعذار لتأويل التحول أو البعد عن النمط المثالي اليساري.
وكل صوت سردي من هذه الأصوات السردية الثلاثة (كريمة إدريس وحمزة النادي وعبد المعطي سلام) يشكل إطارا سرديا يجمع الخاص والعام، فكل صوت يقدم سيرة سردية ذاتية لا تفصل الذاتي السردي عما يرتبط به من سياقات عامة قد تكون قاهرة ومربكة في زلزلة اليقين ونمو الشك، مثل تجربة السجن مع حمزة النادي، أو الأعراف الاجتماعية للنوبيين مع كريمة إدريس. وتبدو نتيجة السياقات العامة مشدودة لسحق الذات وضياع الحلم الفردي والجماعي، والاستيقاظ من نعومة الحلم إلى خشونة الواقع الذي لا يستجيب.
تتشكل العوالم السردية من خلال الأصوات السردية الثلاثة، فكريمة إدريس تمثل الصوت الأكثر حضورا، ويشكل وجودها تحبيكا خاصا لفكرة النمذجة في الصوت السردي، فقد شكلت تشكيلا خاصا من خلال ملفوظها الاعترافي الذاتي، فهي ابنة بواب من النوبة تم تهجير أسرتها أكثر من مرة، مرات أيام الملك ومرة في عصر عبدالناصر، حتى استقر بهم المقام في أعلى عمارة بشارع قصر النيل. وقد مارس النص الروائي تحبيكا به نوع من التشكيل الخاص لهذه الشخصية من ناحية الانتماء إلى الطبقة الدنيا، والتطلع إلى المستقبل من خلال الإيمان بالمبادئ الاشتراكية والصورة المثالية المصنوعة للرئيس، فهي على حد تعبير حمزة النادي (من الذين قامت الثورة – ثورة يوليو – من أجلهم).
فواصل رواية إيمان يحيى تمثل إنعاشا للذاكرة التي يمكن أن تكون ساكنة لحظة القراءة، ونوعا من المراودة في الإقناع بينه وبين القارئ، وعدم إثبات المصدر يجعلها منفتحة ومرتبطة بالتحبيك السردي المشدود لوجهة النظر الأيديولوجية في إهمالها لحوادث، وتركيزها بالضرورة على حوادث معينة أخرى تخدم توجهها.
تتجلى قيمة الفواصل في مكانها البنائي، فهي بوجودها بشكل ظاهر عن المتن تشير إلى نتوء ظاهر يستوجب الانتباه والعناية بحركة المتن الروائي، والنظر بجلاء إلى انحراف حاد عن المعلن، في إشارة دالة للخراب القادم، فابتعاد المؤسسات المنوط بها الحماية للانخراط في أشياء جانبية في ارتهاناتهم البسيطة -مثل النساء والرياضة- يؤثر على طبيعة عملها بشكل جذري، وإلى عدم الوعي بقيمة وقداسة الأمانة التي حُمّلوا بها.

زلزلة اليقين وتحولات اليسار ونماذجه

تتعدد مساحات التحبيك ووجهة النظر في النص الروائي، من الوقوف عند نماذج بعينها لوضعها في بؤرة التركيز والاهتمام، وفي بعض الجمل الدالة التي تكشف عن حضور المؤلف، وذلك حين تتكلم الشخصية كاشفة عن وعي تجريبي أكبر من حدودها الثقافية، مثل تعليق إدريس البواب على انضمام ابنته إلى منظمة الشباب الاشتراكي (على الله ما يشغلوك جاسوسة على زمايلك)، فهذا وعي يرتبط بالمؤلف الذي يتسرب بهدوء داخل النص.
ويمكن أن نشير إجمالا إلى أن النص الروائي أشار إشارات لافتة إلى بداية تولّد الشك لدى هذه الشخصيات بشكل عام، من خلال التباين الواضح بين المعلن والحقيقي أو الفعلي، يتجلى ذلك في بداية تشكل طبقة طفيلية رأسمالية جديدة في مصر من أعضاء مجالس الإدارات وكبار العسكريين والمقاولين، وهو الموضوع الذي أثاره مبتعثو فرنسا في لقاء الرئيس بالمبتعثين بالأسكندرية، وهم كما حددت الرواية السيد يس، وحسن حنفي، وحسام عيسى، ورشدي راشد.
وجود هذه الطبقة في النصف الأول من عقد الستينيات من القرن الماضي يبعث على الشك بمنظومة القيم التي قامت عليها الثورة، ويمكن أن يضاف إليها مرشدات دالة أخرى في السياق نفسه، مثل موضوع الفيلات الموجودة في شارع نهرو المغلق بجوار حديقة الميرلاند، أو آلية التعامل مع نقيب الأطباء رشوان فهمي الذي يعزل من منصبه ويفصل من جامعة الإسكندرية، لأنه دافع عن القصر العيني، مما يفضي إلى غياب مفهوم الحرية، بالإضافة إلى استمرار الإقطاع ومقتل صلاح حسين بقرية كمشيش بالمنوفية. فالرواية في نقدها للحقبة الناصرية تحاول تعرية المتخيل النموذجي، فكل محاولة لتثبيت مدرج خاص للقيم تتولد معه ظواهر تحرف وجوده، وتفرغه من مضمونه، فالإقطاع موجود بشكل أو بآخر، والقضاء على الطبقة في العهد الملكي أفضى إلى وجود طبقة جديدة.
مع عبد المعطي سلام في صورته الأخيرة هناك تخلٍ بالتدريج عن الحلم، وعن الارتباط بالمجموع، يقابله تورط أكثر في هموم الذات، فهو لا ينحاز إلى الثورة في 2011م، قبل أن يحسم الموقف، لخشيته أن يقتصوا منه بعد ذلك، وربما تساوقا مع الموقف الرسمي للجريدة الكويتية، وحين نزل إلى الميدان ارتدى نظارة شمسية حتى لا يعرفه كثيرون، بالرغم من تيقنه بأن الأمور قد حسمت وأن النظام يترنح، فالخلاص الذي كان خلاصا جماعيا دون حساب منطق الربح والخسارة في ارتباطه بأصدقائه في شقة العجوزة أمثال سيد حجاب والأبنودي وسيد خميس وعبدالرسول أصبح خلاصا فرديا.
التحول مع عبد المعطي سلام تحول جزئي، لا يمنعه من معاينة ومعاقرة الحلم مرة أخرى والارتباط به، ولكنها معاينة الآمن الذي يبحث عن خلاص فردي، يكفل له عدم التورط، فهذه المعاينة أو المقاربة لا تخلو من حنين. ولكن التحول مع حمزة النادي ربما يكون التحول الأكثر ابتعادا وتنافرا وتباينا مع الماضي، وسنجده يعاين المسألة المصرية في مدينة نيويورك ويشخصها، وكأنه بعيد ومنفصل عنها، فهناك مساحة من الموضوعية والتجرد، وليس هناك مساحة للانتساب سوى فعل التذكر لماض بعيد، بدون أن يكون لذلك الماضي أثر على الرؤية أو وجهة النظر في مقاربة الحالة.
ربما تظل كريمة إدريس – يالإضافة إلى شبيهها المقابل الصيرفي الذي شكل مرآة لعبدالمعطي سلام في صورته المثالية الأولى – الوجه الثابت الذي يختزن مبادئ اليسار في مثاليتها ونبلها، ربما لكونهما لم يتعرضا لتجربة الاعتقال أو السجن، فقد ظلا على صفائهما وإيمانهما بالفكرة حتى في اللحظات التي تقتضي توجها مغايرا لدى البعض، تقول الرواية على لسانها أثناء الثورة: (خلعت عن أحمد البلوفر، وأعطيته لمجند كان يرتعد. لم أعرف هل كان يرتعد من البرودة أم من الخوف، أخرجت من جيبي نقودا، وأعطيتها للجنود المساكين، عسى أن يجدوا وسيلة مواصلات إلى قراهم الفقيرة والبعيدة).
ولكن التحول الذي أصاب كريمة إدريس يتشكل في حدود الانكماش والابتعاد الناتج عن إدراك التباين أو التناقض، ولكن الفكرة تظل خامدة مغطاة بالرماد، ويظهر وميضها مع أول مثير ينفض عنها غبارها، ففي وقوفها أمام صورة عبد الناصر، وتوزع نظرتها من النقيض إلى النقيض – وهي صورة شبيهة بتوزع بطل بهاء طاهر في رواية «الحب في المنفى» – هناك وعي بحجم التناقض، ولكنه تناقض لا يقضي على مشروعية الفكرة في مثاليتها. وفي ظل ذلك التشابه يبدو التوحد الذي ظهر في نهاية الرواية – بينها وبين الصيرفي – كاشفا عن مشروعية الفكرة ومشروعية الحلم في توالده المستمر مشكلا بداية جديدة للحركة.

إيمان يحيى: «قبل النكسة بيوم»
دار الشروق، القاهرة 2022
305 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية