الروائي محمود الريماوي: ليست هناك حدود نهائية بين الشعر والنثر

حجم الخط
0

عمان ـ ‘القدس العربي’ من نضال القاسم: ينتسب محمود الريماوي الى الموجة الثانية من جيل الستينيات، وقد عرفته المجلات والمنابر الأدبية العربية منذ أواخر العقد السادس من القرن الماضي، قاصّاً أضاف جديداً الى القصة القصيرة العربية ‘له ثلاث عشرة مجموعة قصصية آخرها ‘عودة عرار’ الصادرة عن وزارة الثقافة الاردنية 2013م’.
وأصدر روايتان هما ‘من يونس السيدة’، و’ حلم حقيقي’ وقد وصلت الرواية الأُولى الى القائمة الطويلة في جائزة البوكر، كما وصلت الرواية الثانية الى قائمة أفضل 16 كتاباً أدبياً في قائمة جائزة اكيودي العربية الصينية في دورتها الأولى لهذا العام 2014م . وله كتابا نصوص: إخوة وحيدون، وكل ما في الأمر.
والريماوي الى ذلك كاتب ومعلّق سياسي، في أكثر من صحيفة عربية ومنبر عربي. في هذا الحوار الخاص لصحيفة ‘القدس العربي’ نتناول جوانب من تجربته الثرية.

* بين كتابتك للقصة والرواية والمقال الفكري، أين تجد نفسك أكثر، ومتى اصابتك لعنة الحبر ابتداءا؟!

* دعني أقول في البداية أن الصحافة والأدب قد ارتبطا معاً بذهني منذ طفولتي، فقد وجدتني مشدوداً إلى قراءة الصحف وأنا تلميذ في المرحلة الابتدائية، وأخذت أكتب خواطر ووجدانيات في الصحافة قبل أن أُتم المرحلة الابتدائية ‘كان يشاركني في ذلك الصديق الروائي يحيى يخلف’ ربّما لأن والدي رحمه الله كان يحرص على إحضار الصحيفة اليومية معه عندما يعود من العمل وكنتُ أندفع إلى قراءتها وبالذات قراءة ما هو أدبي أو شبه أدبي في الصحيفة، لم يكن في بيتنا مكتبة ولكن في بيت دار جدي المجاور كانت هناك مكتبة صغيرة لخالي ‘شاكر’ رحمه الله قرأت منها رواية البؤساء لفيكتور هوجو وقد اكتشفت أن هناك مكتبة كبيرة في مدرستنا في أريحا وكان يحق للطلبة استعارة الكتب وفيها قرأت جورجي زيدان ومحمد عبد الحليم عبد الله وجبران خليل جبران واطلعت فيها على مجلة الآداب والأديب وواظبت أيضاً على الكتابة في الصحافة، وبهذا نشأت وأنا أرى الصحافة والأدب وكأنهما عالمان متلازمان.
بعدئذٍ، وفي سنوات النضج، وبعد حرب عام 1967 والنزوح من أريحا، أصبحت أميل للسياسة لأن الكارثة وقعت عليّ شخصياً لأننا تركنا بيتنا في أريحا ونزحنا إلى عمّان، وشدّتني ظاهرة العمل الفدائي وأصبح لديّ هاجس سياسي ووطني ضاغط على ذهني وأعصابي، فأخذت أميلُ شيئاً فشيئاً إلى الكتابة الصحافية في السياسة، ثم امتهنت هذه المهنة في بيروت أولاً ثم في الكويت وفي عمّان دون أن أتوقف عن إبداعي الأدبي، ومع الحرص على الفصل شبه التام بين ما هو أدبي وإبداعي وبين ما هو صحافي وسياسي، وبهذا أمضيت الشطر الأكبر من مسيرتي صحافياً ومسيّساً في النهار وأديباً منقطعاً إلى الإبداع في الليل.
في بيروت تعرّفت إلى أديبين كبيرين يعملان في الصحافة دون أن يمسّ ذلك بإبداعهما، غسّان كنفاني وأُنسي الحاج، فأفدت بشكل ضمني من تجربتهما لأن أي خلط بين الصحافة والسياسة من جهة والأدب والإبداع من جهة أخرى يسيء إلى كليهما، فتسييس الأدب يلحق ضرراً به كما أن الإفراط في أدبية النص الصحافي يلحق الأذى به، إنني أنسى الصحافة كلياً حينما أكتب أدباً ،وأنسى الأدب حينما أكتب مقالاً صحفياً.
ولا أنتمي لفئة من الأدباء الذين يتفرّغون كلياً للأدب وينقطعون عن شؤون الحياة اليومية والعامة، وبالتالي فإنني أُمارس من خلال الصحافة دوراً سياسياً يشتبك بشكل مباشر مع قضايا تمسّ مصير أُمتنا وشعبنا، كما تمسّ بي شخصياً وتمسّ بك أنت شخصياً.
أما عن الرضى على مسيرتي، فإني ألوم نفسي لأني لم أُعطِ وقتا أكبر للأدب، وأشعر بأن الأكثر أهمية بالنسبة لي لم أكتبه بعد.

*أين تكمن الخيوط الفارقة بين جمالية النص الابداعي وأخلاقياته، وبين الإبداع والأيديولوجيا؟
*دعني أقول لك أن الأيدولوجيا هي جزء من تفكير الشخص وبنيته وجزء من تفاعله مع الحياة، وبالتالي لا يمكن أن يكتب الكاتب بمعزل عن قناعاته ورؤاه، لكن شريطة أن لا يخلط ما بين التعبير المباشر عن هذه القناعات وما بين الكتابة كإبداع جمالي.
إنني أشبّه تأثير أو أهمية الأيدولوجيا بالملح في الخبز، إذا كان الخبز بلا ملح سوف تكتشف أنه بلا طعم، لكن إذا تذوّقت طعم الملح في الخبز فإن الخبز لن يكون خبزاً جيّداً ولن تُفبل على تناوله.
كان لأدباء أمريكا اللاتينية وبالذات ماركيز فضل تجسيد العلاقة الفُضلى بين الإبداع والأيدولوجيا بما لا يمُس أيّاً منهما، لقد تجاوز هءلاء المفاهيم البالية للواقعية الاشتراكية والواقعية الفوتوغرافية عموماً نحو واقعية سحرية والكشف عن واقع آخر كامن خلف المُعطى الظاهر.
* ماذا يقدم النقد للأدب، وما هو تقييمك للنقود التي كُتبتْ حول تجربتك الإبداعية؟!
* أفدت من مراجعات نقدية لبعض كتبي، وأذكر على سبيل المثال النقاد الدكتور ابراهيم خليل والدكتور فيصل درّاج وفخري صالح وعمر شبانة والناقد المغربي محمد معتصم وزُملاء آخرين كُثُر لا تحضرني أسماؤهم أرجو أن يعذروني، إلا أن أحداً من النقاد لم يتناول مجمل تجربتي وبما يتعدى مراجعة كتاب بذاته، لكن دعني أقول لك أن النقد عموماً بدأ يتقهقر ومعظم النقاد لا يجدون وقتاً لمتابعة الآثار الأدبية فهم إما منشغلون بأعمال أكاديمية أو مشاركة في مؤتمرات أو المشاركة في لجان تحكيم وأشياء من هذا القبيل.
* بعيداً عن الأدب، تشغلنا في الفترة الأخيرة الثورات العربية، كيف تراقب الوضع العربي الراهن؟!
* موجة الربيع العربي أعادت الثقة لقدرة الإنسان العربي على التغيير بعيداً عن أسلوب الإنقلابات العسكرية أو من خلال حزب ما يقود التغيير.
الإنسان العادي وبالذات شريحة الشباب هي التي قادت موجة التغيير في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، كما نشط هؤلاء الشبان في دول أخرى، ولست من القائلين بأن الربيع العربي مؤامرة كما يذهب إلى ذلك بعض التابعين لأنظمة الاستبداد أو أنه وسيلة اتخذها الإسلاميون للقفز إلى السلطة، التغيير تم بشكل شبه عفوي على أيدي هيئات شبابية كانت تعرف ما لا تريد، تعرف أنها ضد الاستبداد والفساد دون أن يكون لها تصوّر عن البديل، ودون أن يكون هذا البديل جاهزاً أو ناضجاً لدى تنظيمات سياسية، والذي حدث بعدئذٍ في مصر وتونس بالذات أن الاسلاميين وصلوا الى ‘الجماهير’ وخاصة الشرائح الفقيرة وتلك المقيمة في هوامش المُدن أو المناطق النائية، فكان أن فازوا بالانتخابات فيما تخلّفت القوى المدنيّة والديموقراطيّة عن التواصل مع ‘الجماهير’ والتفاعل معها.
المثقف العربي استعاد إيمانه بإمكانية التغيير وأعاد صلته بجموع الناس وتوقف إلى حدّ كبير عن اغترابه النفسي والاجتماعي عن محيطه وبيئته، وسيكون لذلك انعكاس وإن كان غير مباشرٍ على الإبداع وبصور مختلفة لا أستطيع حصرها الآن.
مع إضافة أخيرة وهي أن المحنة السوريّة تستوقف كلّ مثقف صاحب وجدان وضمير، فالوضع في سورية هو حقّاً شديد الخصوصية، وهذه الخصوصية تتمثّل في تعرّض شعب بأكمله إلى عملية استئصال وإبادة واقتلاع وتهجير، فيما تتعرّض حواضر عربيّة وتاريخية مثل حمص وحماة وحلب إلى التدمير الكامل.. وهو شيء يفوق الوصف.
* النشر الإلكتروني شكل حضورا، ماذا ترجو من خلال صحيفتك الثقافية الالكترونية ‘قاب قوسين’؟!
* النشر الثقافي الالكتروني يشهد حالة من الفوضى والعشوائية، ويكاد المتصفح لا يرى فرقا بين موقع ثقافي ما وبين ملتقيات ومجونات تنشر ما هبَّ ودب، بغير مراجعة أو تدقيق في المادة المنشورة. ومنذ نحو عشر سنوات خطرت ببالي فكرة اصدار موقع ثقافي، اضع فيه خبرتي في عالم الصحافة وبالذات الصحافة الثقافية. وقد لقيت قاب قوسين منذ ظهورها صدى طيبا وبخاصة في دول المغرب العربي وبالذات في المملكة المغربية، كما استضافت أسماء مهمة مثل: سعدي يوسف، أحمد ابراهيم الفقيه، محمود شقير، سعد سرحان انيس الرافعي، أديب كمال الدين، د. ابراهيم خليل، موسى حوامدة، محمد الهجابي، محمد المسعودي، عبدالحميد الغرباوي، إسماعيل غزالي، محمد معتصم، عدنان الصائغ، سعد جاسم، فتح الله بوعزة، عبالعزيز كوكاس،محمد حلمي الريشة، المتوكل طه، نضال القاسم، أسامة العيسة، سميح محسن، مهدي نصير، فواز القادري، فوزي غزلان، بسمة الشوالي، سعيدة تاقي، فاطمة بن محمود ، ابتسام خليل وآخرون كثر لا تحضرني أسماؤهم.
ورغم أن عبء الإصدار يقع كله علي باستثناء التنفيذ الفني فإني أقوم بأعمال التحرير كافة تماماً كما هو الحال في الصحافة الثقافية الورقية، وهذا ما يميز ‘قاب قوسين’ عن سواها من مواقع بتحرير المواد، ويتطلب ذلك عملاً يومياً مكثفاً يستغرق بين أربع إلى خمس ساعات يومياً.
* من خلال أعمالك المختلفة ترى ماهو موقفك من مسألة تداخل الأجناس الأدبية؟
* حدث في مطلع حياتي الأدبية أن كتبت ونشرت شعراً منثوراً وقصيدة نثر. وقد انقطعت عن كتابة هذا اللون وانصرفت الى كتابة القصة بصورة شبه كلية، لكّني بين وقت وآخر أجدني مدفوعاً الى كتابة هذا اللون دون أن أُسميِّه شعراً وأكتفي بتسميته نصّاً. وكثيرون ممن كتبوا عن أعمالي القصصية الاولى ذهبوا إلى أن هذه الأعمال زاخرة برؤى شعرية. وفي جميع الأحوال فإن نصوص ‘إخوة وحيدون’ تنبض بعوالم أُخرى، ثمة حضور للمرأة، للعاطفة، للتأمل الميتافيزيقي، على نحو مختلف عمّا هو في القصص.
تداخل الأجناس، هذا تحصيل حاصل، فليست هناك حدود نهائية بين الشعر والنثر، بين القصة والرواية والنص المسرحي، وكما كان النقاد سابقاً مولعين بتقصي الروح الشعرية في السرد القصصي والروائي، فإنهم وأعني النقاد المهتمين باتوا على اهتمام مؤخراً بتقصّي الظاهرة السردية في الشعر. والمبدع الحاذق هو من يفيد من الاجناس الأخرى لدى انكبابه على ابداع جنس معين دون أن يهدر الخصائص الذاتية التي تميز النوع الابداعي الذي يبدعه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية