«أرض السلحفاة» للكاتبة الفلسطينية ليانة بدر، سلسلة مترابطة من الصور السردية المحكمة حيث الفلسطيني، وتحديدا الفلسطينية «مشاهَد»، مثلما هو «مشاهِد»، أو هو «الآخر» العائد إلى فلسطين أو ما تبقى منها، و«الأنا» في الآن ذاته أي مثلنا نحن تماما؛ على نحو ما تجري مفارقات الوجود البشري، كلما توهمنا عن حسن طوية أننا نصغي إلى صوت الآخر المجهول البعيد؛ ونغفل لسبب أو لآخر عن أنه بيننا وفينا. قرأت هذه الرواية، وأنا أتهيا للسفر إلى الأردن بدعوة من مؤسسة محمود درويش؛ ثم عدت إليها بخطى سلحفاة، وأنا أكتب عنها. وأنا هنا أتمثل ببعض الصور لا غير، متيقنا كلما قرأت لليانة، أن مرد القيمة الجمالية عند هذه الكاتبة الشاعرة أيضا، إنما هو إلى كفاءة نصها أو قابليته في القدرة التي يمنحنا على أن نتنصل من أنفسنا، وأن نكون «الآخر»، فنقيمه بقيمته الحقيقية، ولا نحكم عليه من خلال أنفسنا؛ أو هو يجعلنا كما يقول الفرنسي ألكسندر جفان نرى الآخر من حيث هو «آخر» بدون التذرع بأي قانون عام، على الرغم من أن كل أدب إنما هو أنثروبولوجيا (إناسة) أو بحث جمالي في الأعراف والعادات والمعتقدات والاختلافات. وهذه كاتبة صاحبة مشروع أدبي، وكل نصوصها الإبداعية التي قرأتها (الخيمة البيضاء ونجوم أريحا وزنابق الضوء وأقمار…) أشبه بشجرة ما تنفك تنمو؛ وهي تستنبتُ فروعا في كل الاتجاهات، وبإمكانك أن تأخذ فرعا من نص، وفرعا من آخر، وهذا يصنع أيضا صورة أخرى.
صور مكتوبة بعقل رياضي، فلا غرابة أن يراوح بعضها بين حذف وإضمار من جهة، وانفتاح ورحابة من جهة أخرى؛ لدوافع سردية، أو لإخفاء الشخصية، أو ربما لطريقة الكاتبة في البناء الروائي، وهي التي تعرف كيف تحرر نصها من «الكيتشية» التي تفسد الشعر والرواية. يقرأ هذه النص الممتع في ضوء التمييز الأنطولوجي الأبستيمولوجي لا بين «الشرق»و»الغرب»، وإنما بين الفلسطيني العائد والفلسطيني المقيم، وبين الفلسطيني والإسرائيلي المحتل. وهي علاقة محكومة بكثير من الأساطير، وللأساطير أرواح القطط، كما ذكرت في مقال سابق، بل لها جلد سميك ثخين لا يشف ولا يلين، مهما جاهد هذا أو ذاك؛ في أن ينزع إلى صميم هذه العلاقة، ويخلص إلى دخائلها؛ ولا يقف على حدودها البادية الخادعة، أو مهما أخذ بالاعتبار أن الحد يفصل بقدر ما يصل، وأن وعي التاريخ ليس وعيا في التاريخ. وكلنا أو جلنا يدرك أن التاريخ لا يعيد نفسه، وأن أحداث الماضي لا تتكرر؛ ولكن الشعوب تتلفت، كلما أثقل عليها الحاضر، إلى الماضي لتستظهر به وتستعيض. ومن ثمة لا حدود بين الأمس واليوم والغد في هذه الرواية؛ بل لا حدود بين الأحياء والأموات، ونحن هنا وهناك وهنالك؛ في الطريق إلى فلسطين بعد اتفاقية أوسلو، مثلما نحن في تونس. وفي كل هذه الرواية وهي رحلة في المكان، يتمدد الزمن ويتقلص وكأنه نهر أزلي، عبر قفزات ودوامات، حيث الجسد الفلسطيني، بل القلب الفلسطيني الحي النابض أبدا، أشبه ببلور يطقطق في شفيف الوقت، وفي عتمته أيضا. وفي نبضه أو خفقانه نصغي إلى روح الأشياء، ونرى الذات الماثلة فيها.
وأقدّر أن في هذا تتجلى مهارة الكاتبة وهي تجعل المرئي مرئيا، حتى أنني أكاد لا أتردد في القول إن حركة السرد في «أرض السلحفاة» هي حركة الكاميرا تصور وتلتقط، وهي تغوص في أفعال الآخرين وحركاتهم؛ وتمنحنا نحن القراء حرية التداعي حيث نغمض عيوننا، ويسرح خيالنا منذ أن نتخطى عتبات النص، أو مداخله أو «وصيده»، إذا جاز لي أن أترجم «العتبة» بهذا اللفظ القرآني؛ والمقصود به فناء الباب حيث تفتتح الرواية، بما يفتتح به نوع من الأفلام التاريخية أو الواقعية. نقرأ بعد العنوان مباشرة وتحديدا في الصفحة الخامسة «الشخصيات المذكورة تخييل روائي، وليست لها علاقة بالواقع».
هذا نص فلسطيني خالص تتصادى فيه وتتجاوب أصوات شتى في تأصل وتفرع، حيث الكتابة عند ليانة بدر نوع من «مراودة المستحيل» مدارها على فضاءات تجعل الحلم الفلسطيني قريبا على قدر ما هو بعيد.
والحق أن هذا الوصيد لا يغلق باب التأويل، كما يوهم ظاهره أو يطبقه؛ وإنما يفتتحه ويدفعنا إلى البحث في علاقة الشخصيات بواقعها أو بكيانها الفلسطيني. وهذا إنما يعززه الإهداء، وهو إلى كل من رافق الكاتبة إلى أرض السلحفاة؛ مثلما يعززه المقطع الشعري من قصيدة «غريب في مدينة بعيدة» لمحمود درويش. ويمكن أن نستجلي تفاصيل الشخصيات في كل فصول الرواية، بدءا بالرحلة ووصف جسر العبور إلى أريحا، والصناديق وما تحويه من رسوم وتحف، والمصباح النحاسي المحجوز، وملامح الشاعرة (فدوى طوقان) والرائية ورسائل البحر، وكل هؤلاء من «الممسوسين» الذين «يشبهون آخرين من سكان الكرة الأرضية، ممن صعب عليهم الاقتناع بأن اكتشاف الـ« دي. أن أيه» أثبت أن الناس تمازجوا واختلطوا عبر أجيال كثيرة، وأنه ليس من صفاء عرقي يتيح لأي كان الإحساس بالتفوق على غيره»، وما إلى ذلك في «السر» حيث الشبابيك شباك صيد، تقتنص من خرومها وفتحاتها الأخبار والوشايات، فـ»أسواق تحت الأرض» فـ»الصندوق الخشبي المطرز بالصدف الأبيض» فـ»دالية الخليل» و«أيام الزيتون والرمان» و«أرض النغم» و«ظل الأرض»، فالعودة إلى الشاعرة؛ فرائحة القهوة في القدس، فـ»أعطنا حبا» حيث ترتسم شخصية فدوى طوقان بكل روحانيتها وبراءتها، بل عفويتها وطيبتها، فأسطورة الحورية أميرة مملكة البحار، التي أرادت أن تعيش مع حبيبها على البر، واستبدلت الساقين بالذيل (وهذا هو التركيب السليم لفعل استبدل حيث الباء تفيد الترك).
كلنا يدرك أن الشخصية الروائية ليست سوى مجموع كلمات، أو هي براعة أدبية أو هي وسيط، ولكن لها من القوة ما لا يخفى، بخاصة عند كاتبة قديرة متمكنة من أدوات فنها. ولعل هذا ما يجعلها شخوصا من لحم ودم. ومرد ذلك ليس إلى أنهم يمكن أن يشبهوا أيا منا، وإنما لأنهم مقنعون. مع أن الشخصيات الروائية هي أبدا من ورق بعبارة رولان بارت، ولكنها تحيل على شيء آخر، وتتيح لنا نحن القراء أن نتعرف إلى أصناف من الناس الذين وُجدوا ويوجدون؛ أو أن نفهمهم ونفهم سلوكهم ومشاعرهم وعاداتهم، وما يتعلق بملامحهم الجسدية، أو طاقاتهم الإنسانية. وما يُحكى لنا أو يروى هو في أي رواية هو دائما عمل أحد ما يقص علينا ويخبرنا بقدر ما يخبر عن نفسه أو يحكيها. والمسوغ لذلك أن الخطاب يعقد علاقة مخصوصة بالذات المنشئة، سواء من خلال اللغة المشتركة، أو من خلال ما يسميه المعاصرون «مغامرة لغوية» أو»مختبرا لغويا»، إذ يصعب بدون ذلك، أن نفسر كيف يكتسب النص تفرده، ويبني نسقه الخاص.
ومثل هذه القدرة لا تمتح أمشاجها وعناصرها من ملكة غير إنسانية، وإنما من ذاكرة الكاتبة، وهي التي تتيح لها أن تندس في سريرة الشخصية، لتجلوها في مجلى الظاهر أو الواقع . على أن هذه الشخصيات/ الشخوص صور واضحة بقدر ما هي مضمرة، ولها أكثر من وجه؛ فهي علامات مشفرة مجمعة مثلما هي مجموع تحولات وتحويلات لغوية خفية. ومن ثمة يصعب حدها أو تعريفها بدقة، ويزداد الأمر صعوبة ما أدركنا أنها محكومة بطابع صاحبها، أي الكاتبة أو هي تترجم عنها. وليس بميسورنا أن ندرك شتى الأفكار المتغلبة عليها، أو أن ننظر إليه من ناحية نفسها ونوازعها الخاصة وبواعثها الدخيلة.
غير أن السارد/ الساردة تكتفي بوضع عدد محدود من الشخصيات في الصدارة على أساس دورها الأساسي والمفصلي في مجريات القصة، وتحرص على إبراز فردية بعض الشخصيات مثل شخصية الشاعرة، وهي فدوى طوقان؛ وإن لم تذكرها بالاسم. وتتولى بحنكة سردية وسينمائية، توجيهها حسب علاقاتها بمجمل الشخصيات في سياق تعارضات أو تقابلات وليس في قوالب وأنماط، بل تنحت هذا النص القوي، هوية موحدة للخيال العلمي والبشر، حيث يتم التأليف في الوقت نفسه بين القوة الكونية (الوظيفة الرمزية للعلم والخوارق الطبيعية) وما يجري في الحياة من طباع (الوظيفة الرمزية للبشر). وعليه تكون الوظيفة الجمالية للعجيب عند ليانة هو أن تجعل للفعل البشري أصداء تتجاوب في أبعد ما يكون من فضاءات العالَم.
نعم هذا نص فلسطيني خالص تتصادى فيه وتتجاوب أصوات شتى في تأصل وتفرع، حيث الكتابة عند ليانة بدر نوع من «مراودة المستحيل» مدارها على فضاءات تجعل الحلم الفلسطيني قريبا على قدر ما هو بعيد.
ومع ذلك فإن إعادة قراءة تاريخ فلسطين شعرا ورواية، توقفنا على أن هذه الأرض هي المكان الذي يمكن أن نتعهد فيه مستقبلنا جميعا. هي «أرض السلحفاة» التي «بدأت تتملص من كفي… وصارت ترفس بقدميها متمردة رافضة»؛ سلحفاة لها إرادتها، ولا تريد لأحد أن يرسم طريقها رغما عنها؛ طريقها المتسع بين الأعشاب وزهور الربيع الصفراء، تحت جذع التينة العجوز.
٭ كاتب من تونس